Sunday, November 28, 2010

نظام اعفاء ارباح صادرات السلع والخدمات الجديد: خطوة جيدة لكن منقوصة

تتفق جميع المدارس الاقتصادية ان الضرائب وكيفية تحصيلها تنتج تكلفة اقتصادية من ناحية تأثيرها على خيارات الناس في الاستثمار والعمل والاستهلاك وكذلك من ناحية ان تحصيل الضرائب نفسها له تكلفة اقتصادية (مثل تكلفة رواتب واجور موظفي دوائر الدخل). وفي بلد كالاردن يعاني من عجز كبير ومزمن في الميزان التجاري ومن نسب بطالة عالية يكون من المفيد ان تشجع السياسة الضريبية الانشطة الاقتصادية التصديرية لكونها تساهم في تحفيز الاستثمارات في القطاعات التصديرية والتي نعول عليها لتخفيف عجز الميزان التجاري وكذلك توليد فرص عمل جديدة وجيدة.

في هذا الاطار فان نظام اعفاء ارباح صادرات السلع والخدمات رقم 70 للعام 2010 الصادر بموجب قانون ضريبة الدخل المؤقت رقم 28 لسنة 2009 يساهم في تشجيع الاستثمار في القطاعات التصديرية في الاردن سواء من قبل القطاع الخاص المحلي او عن طريق جلب الاستثمارات الخارجية. لكن عند مراجعة النظام نلاحظ بعضا من النقاط التي تتنقص من فائدته بحسب تحليلي, فالنظام يعفي صادرات السلع بالمطلق ويحدد الاستثناءات بموجب المادة السابعة. وهذا امر جيد. فالاستثناءات محددة وواضحة وباقي تصدير السلع معفى اطلاقا. لا غموض ولا تأويل.

المفارقة ان النظام يتعامل بشكل مغاير تماما مع الخدمات المصدرة فهو من ناحية يعفي السلع المصدرة بالمطلق مع تحديد الاستثناءات (وهي تصدير الفوسفات والبوتاس والاسمنت والاسمدة) بينما يحدد الخدمات المعفاة تخصيصا مع اطلاق عدم الاعفاء على كل صادرات الخدمات الاخرى من دون تحديد او تفصيل. تحليلا فان الاستثناءات في تصدير السلع منطقية: فالفوسفات والبوتاس والاسمنت والاسمدة (وهي السلع التي لا ينطبق عليها اعفاء الصادرات) هي ثروات وطنية غير متجددة يجب ان تحصل الخزينة ضرائب عن ارباح تصديرها, اما الخدمات التي لا تستهلك ثروات وطنية بل تكون نتاج ابتكار عقول ابناء الاردن فهي لا تنضب ولذلك فان اعفاء بعضها وحرمان باقي الخدمات المصدرة من الاعفاء يجافي المنطق.

نستطيع استشراف مشاكل عديدة بتحديد الخدمات المصدرة المعفاة واطلاق عدم الاعفاء على كل الخدمات الاخرى نذكر منها الاتي:

- التمييز بين قطاعات الخدمات المصدرة بشكل غير منطقي, فلماذا مثلا يعفى تصدير خدمات الاستشارات الهندسية والقانونية فيما يخضع لضريبة الدخل خدمات تصدير ترجمة مسلسلات التلفزيون او الاستشارات الطبية عن بعد او خدمات تحريك الرسوم المتحركة او خدمات تصميم الازياء اوخدمات العلاقات العامة او خدمات التصوير التلفزيوني او التصوير الفوتغرافي او خدمات محتوى الهاتف الخليوي على سبيل المثال? اليست كلها ذات قيمة مضافة عالية وجالبة للعملة الصعبة ومولدة لفرص العمل?

- ضبابية تحديد طبيعة الخدمات المعفاة يجعلها قابلة للتأويل ويفتح الباب امام احتمالات اساءة استعمال النظام وتشجيع الرشوة والفساد.فتفصيل الخدمات سيخلق مشاكل عديدة في تأويل القرار وسيؤدي الى الوضع الحالي في الاختلاف بين الشركات وبين مقدري ضريبة الدخل على كون خدماتها معفاة او لا. فمن يقرر مثلا ما ينضوي تحت "خدمات الحاسوب" او "خدمات تكنولوجيا المعلومات" او "خدمات مقدمة على شبكة الانترنت لعملاء خارج المملكة" مثلا وهي كلها مذكورة نصا في النظام?

تشريعيا القاعدة القانونية تقول بان يجري المطلق على اطلاقه ما لم يقيده نص. وعليه فان نظام اعفاء ارباح صادرات السلع والخدمات تماشى مع القاعدة القانونية في حالة تصدير السلع وخالفها في حالة تصدير الخدمات.

نعود ونأكد كما في تحاليل سابقة ان التقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصالات قد "ضغط" الزمان والمكان وهو ما يسمح بتطوير نماذج جديدة وخلاقة لتقديم الخدمات المختلفة عبر الحدود والقارات. فتشجيع انشاء شركات مصدرة للخدمات التقليدية وغير التقليدية في الاردن سيساهم في خلق فرص عمل جديدة وزيادة حصيلتنا من التصدير المدر للعملة الصعبة.

لا يوجد داع حقيقي لتمييع اعفاء الصادرات بحصره وتفصيله ضمن قطاعات قابلة لاختلاف التأويل وهو ما يفتح باب الفساد والرشاوي, فلنبق على القرار بسيطا وسهلا وغير قابل للتأويل بأن نعفي كل من يصدر من الضريبة سواء صدر سلعة او خدمة وسواء كانت الخدمة معروفة في الستينيات السبعينيات او خدمة لم نعرفها حتى الان تكون نتاج التطور التكنولوجي وابداع المفكرين في السنوات المقبلة

Friday, November 12, 2010

النواب الذين اساؤوا الاختيار: تحليل لنظام "يانصيب" الدوائر الفرعية

كل عام بعد نتائج التوجيهي يسمع الاردنيون عن الطلاب الذين اساؤوا اختيار التخصات الجامعية. فمعدلاتهم تتيح لهم دخول الجامعة ولكن اختيارهم لتخصصات ذات المعدلات العالية جدا لا يشفع لهم. في ظل قانون الانتخاب الحالي سيسمع الاردنيون ايضا عن النواب الذين اساؤوا اختيار دوائرهم الفرعية. فهولاء حصلوا على اعلى الاصوات في دوائرهم الانتخابية الرئيسية ولكن الحظ لم يحالفهم في يانصيب الدوائر الفرعية. فالمنافسة كانت ضمن الدائرة الفرعية الوهمية بغض النظر عن ترتيب اصوات المرشح في الدائرة الرئيسية.


لنجعل الارقام تتحدث عن نفسها. قمت بتحليل نتائج الدوائر الانتخابية الرئيسية في كل من عمان والزرقاء واربد والبلقاء كامثلة.
  • في عمان الاولى (ذات الخمس مقاعد) حصل السيد خليل الهبارنة على خامس اعلى الاصوات ولكنه لم يحصل على المقعد الخامس لسؤ اختيار دائرته الفرعية.
  • في عمان الثانية (ذات الخمس مقاعد) حصل السيد يوسف القرنة على ثالث اعلى الاصوات والسيد محمد عشا على خامس اعلى الاصوات ولم يحصلا على مقعدين.
  • في عمان الثالثة (ذات الاربع مقاعد بدون المقعد المسيحي) حصل السيد محمد البستنجي على ثالث اعلى الاصوات والسيد خالد عواد على رابع اعلى الاصوات ولم يحصلا على مقعدين.
  • في عمان السادسة (ذات المقعدين) حصل السيد نصار القيسي على ثاني اعلى الاصوات ولم يحصل على مقعد.
  • في اربد الاولى (ذات الخمس مقاعد) حصل السيد سمير عويس على ثالث اعلى الاصوات والسيد محمود عبابنة على خامس اعلى الاصوات ولم يحصلا على مقعدين.
  • في اربد الثانية (ذات المقعدين بدون المقعد المسيحي) حصل السيد سامي خصاونة على ثاني اعلى الاصوات ولم يحصل على مقعد.
  • في اربد الرابعة (ذات المقعدين) حصل السيد محمد ذيابات على ثاني اعلى الاصوات ولم يحصل على مقعد .
  • في البلقاء الاولى (ذات الخمس مقاعد من دون المقعدين المسيحيين) حصل السيد محمد العلوان العبادي على ثالث اعلى الاصوات والسيد بسام الخليفة على رابع اعلى الاصوات ولم يحصلا على مقعدين .
  • في البلقاء الاولى (المقعدين المسيحيين) حصل السيد فخري الداود ثاني اعلى الاصوات ولم يحصل على مقعد.
  • في الزرقاء لم يكن هناك سؤ اختيار في الدوائر الفرعية فتوافقت اعلى الاصوات في كل دائرة فرعية مع ترتيب الاصوات الكلي في الدائرة الرئيسية.
13 مرشحا في اربع محافظات خسروا مع انهم ربحوا. وهذا دليل قاطع على فشل نظام الدوائر الفرعية "الوهمية" من ناحية ان لا حدود واضحة لها. فان كان لا بد من الدوائر الفرعية فاقله تحديد هذه الدوائر على ارض الواقع جغرافيا (اي تقسيم الدوائر الرئيسية الى دوائر اصغر محددة وواضحة). اما اذا بقي القانون المؤقت الحالي بالدوائر الفرعية للانتخابات المقبلة فسيكون لزاما على المترشحين ان يستفيدوا من خبرات اكادميين خبيرين في "نظرية اللعبة". فيسارع من يثق بقوته الانتخابية الى الاعلان عن دائرته الفرعية فيما يؤخر المرشحين الاقل وزنا خيارهم حتى يختاروا الدائرة التي يعتقدون ان مرشحيها اقل قوة. كذلك فان مناطق الثقل العشائري من الممكن ان تشهد تقاسما للدوائر الفرعية بين مرشحي اجماع العشائر الكبيرة ان وجد هذا الاجماع. فيكون اختيار الدائرة الفرعية في نفس اهمية الحملات الانتخابية وحشد التأييد.

الخلاصة ان الانتخابات في ظل نظام الدوائر الفرعية الوهمية تصبح انتخابات يانصيبية تتطلب المال والجهد وايضا بعضا من الحظ ورضى الوالدين!



Monday, November 8, 2010

عندما تتنكر المؤسسات لدولة القانون والمؤسسات: أمانة عمان مثالا

استملكت الامانة اراض عديدة في العبدلي مجاورة لشركة العبدلي لمصلحة البنية التحتية للمشروع. ومشروع العبدلي تملكه شركة العبدلي للاستثمار والتطوير وهي شراكة بين مؤسسة موارد الحكومية وبين مستثمرين عرب. نتمنى كل التوفيق لمشروع العبدلي فنجاحه ان شاء لله مهم لعمان والاردن. 

المسألة ليست في مشروع العبدلي بل في امانة عمان. فقد استملكت امانة عمان قطع الاراضي وحددت قيمة التعويض. بعض اصحاب القطع وافقوا واستلموا التعويض وبعضهم اعترض على القيمة المقدرة ولجأ للقضاء. بعد جولات قضائية حصل المعترضون على احكام قضائية قطعية (مرت في مراحل البداية والاستئناف والتمييز) بالقيم الموافق عليها من المحاكم وهي في الغالب اعلى بكثير مما قدرته الامانة ابتداء عند الاستملاك.



حمل المالكون السابقون القرارات القطعية القضائية لامانة عمان لتحصيل ما امر به القضاء الاردني المستقل. وحملوا معهم حقهم القانوني برسوم المحاكم واتعاب المحاماة بالاضافة الى التعويض القانوني بواقع 9% سنويا عن المدة بين صدور القرار القطعي وبين دفع الامانة للمبالغ المحكوم بها. الى هنا لا بأس.



المشكلة بدأت بمماطلة الامانة لتنفيذ قرار المحكمة القطعي وعدم الدفع. فقد مرت اشهر عديدة على بعض المالكين والامانة تتصرف معهم على مبدأ "خذني واجيتك" وتماطل –بطريقة غير رسمية- متعللة بان شركة العبدلي لم تدفع المبالغ المطلوبة للامانة بعد! وهو عمليا اعتراف بان الاستملاك كان لمنفعة خاصة وليست عامة وهذه قصة اخرى تماما.



بعد اشهر من "خذني واجيتك" قرر البعض الذهاب للتنفيذ القضائي لحجز المبالغ المحكوم بها من حسابات امانة عمان البنكية. واعترضت الامانة على اساس ان اموالها اميرية لا يجوز الحجز عليها. وهي حجة رفضها القضاء كون الاموال السائلة للامانة بحسب القوانين النافذة يجوز عليها الحجز التنفيذي لا التحفظي. وتم الحجز واستلم المحكوم لهم اموالهم كاملة.



العبر المستقاة:

اولا: القضاء مستقل وعادل.

ثانيا: اخطأت الامانة بالتنصل والمماطلة في الاذعان لقرار قطعي نافذ صادر عن القضاء الاردني. فالمماطلة في التنفيذ اظهرت الامانة كاي شخص مدين يماطل ويتهرب من الدفع بدلا من ان تظهر كمؤسسة وطنية فاعلة تحترم قوانين وانظمة الوطن وسلطته القضائية.

ثالثا: في تهرب الامانة ومماطلتها هدر للاموال العامة بجب ان تحاسب عليه. فمماطلة الامانة لعدة اشهر كلفها الفائدة القانونية (بواقع 9% سنويا) وهو ما زاد الكلفة الفعلية للاستملاك. يسأل عن هذا الهدر المستشارون القانونيون للامانة واداريوها . وهي تكلفة اضافية تتجاوز عشرات الالاف من الدنانير لقضية واحدة فقط!

المطلوب من مؤسسات الاردن العمل نحو ترسيخ دولة القانون والمؤسسات التي يحتكم فيها الجميع الى القانون الشفاف من دون استقواء او مماطلة. اما ان تتصرف المؤسسات كاي مدين مماطل متهرب فهو غير مقبول اطلاقا.