Monday, December 18, 2017

فروقات ضرائب السيارات: تشويه لقوى لسوق ومحاباة لاستهلاك الرفاهية


نشر في جريدة الغد يوم 18 كانون الاول 2017

في ذات الوقت الذي نتحدث فيه عن ضرورة عدالة توزيع العبء الضريبي وتوجيه الدعم لمستحقيه يكون الواقع في كثير من الأحيان مناقض تماما لهذه المقاصد. لنتحدث هنا عن الضرائب على السيارات  مثالا.

حاليا ضرائب السيارات في الأردن هي 64% ضريبة خاصة و 16% ضريبة عامة على سيارات البنزين بمجموع اكثر قليلا من 90% لان الضريبة العامة تحسب على المجموع بعد الضريبة الخاصة. والضريبة الخاصة 25% على السيارات الهجينة ذات سعة المحرك اقل من 2500 CC  و 55% على السيارات الهجينة ذات سعات المحرك الأكبر من 2500 و صفر بالمائة على السيارات الكهربائية.

هذا الواقع الحالي _الذي لا ينظر بتاتا الى ثمن السيارات_ فيه تشويه لقوى السوق مع محاباة عالية وغير منطقية نحو الاستهلاك الرفاهي. فهل يعقل ان تكون الرسوم على سيارة رفاهية عالية ثمنها اكثر من 100 الف دولار صفر بالمائة فيما يدفع محدودو الدخل 90% ضرائب على سيارة كورية مستعملة ثمنها واصل المنطقة الحرة اقل من 4000 دينار؟

لا خلاف ابدا على ضرورة تشجيع المواطنين على اقتناء السيارات الاقتصادية والصديقة للبيئة. ولان السيارات الكهربائية والهجينة عادة ما تكون أغلى _في نفس فئاتها _ من سيارات البنزين فان وضع بعض الحوافز لاقتناء السيارات الكهربائية والهجينة منطقي طالما لم يصل الى إعفاءات غير منطقية وغير عادلة لمصاريف الرفاهية.

الحل بسيط ومتبع بدول صناعية عديدة: وضع حافز مادي واضح محدد كرقم لا كنسبة للتخفيف من فرق السعر بين السيارات الهجينة والكهربائية وبين سيارات البنزين. مثلا الحل المنطقي والعادل قد يكون بتوحيد ضرائب السيارات كافة على نفس النسبة الحالية وهي 90% لكن مع اعفاء مبلغ محدد مسبقا للسيارات الهجينة والسيارات الكهربائية. مثلا: اعفاء اول 10 الاف دينار من سعر السيارة الكهربائية من الرسوم واعفاء اول 7500 دينار من سعر السيارة الهجينة من الرسوم.

عند تفعيل هذا يبقى هناك حافز ضريبي لاقتناء السيارات الكهربائية والهجينة مع تصاعد في نسب الضريبة الفعلية مع ارتفاع ثمن السيارة. فيكون الحافز والاعفاء لمصلحة البيئة وتخفيف كلفة الطاقة لا لاستهلاك الرفاهية. حاليا نسبة الضريبة على السيارة الكهربائية ذات المئة الف دينار صفر وعلى السيارة الكهربائية ذات العشرة الاف دينار أيضا صفر. فيما مع تطبيق المقترح تكون الضريبة الفعلية على السيارة الكهربائية ذات العشرة الاف دينار صفرا وعلى السيارة الكهربائية ذات الخمسة عشر الف دينار 30% وعلى السيارة الكهربائية ذات المئة الف دينار 81%. وهكذا يبقى الحافز نحو اقتناء السيارات الكهربائية مع ضريبة تصاعدية على الرفاهية.

وذات الحال في السيارات الهجينة. مع تطبيق المقترح تكون الضريبة الفعلية على السيارة الهجينة ذات السبعة الاف وخمسمائة دينار صفرا وعلى السيارة الهجينة ذات الخمسة عشر الف دينار 45% وعلى السيارة الهجينة ذات المئة الف دينار 83%. مرة أخرى: يبقى الحافز مع ضريبة تصاعدية على الرفاهية.

رسوم الترخيص السنوية الحالية فيها نوع من الغبن ايضا. فهناك تباين كبير في رسوم اقتناء السيارات حيث تبدا من 30 دينار سنويا للسيارة الصغيرة ذات المحرك الأقل من 1000 سم مكعب الى 600 دينار للسيارة الكهربائية بغض النظر عن حجمها او ثمنها. وبالتالي ايضا هناك محاباة تامة لمن يشتري السيارة الكهربائية الغالية جدا!

كذلك يجب ان لا ننسى ان تسمية "رسم" في الترخيص السنوي في الأصل يجب ان تكون مقتصرة على كلفة فحص السيارة السنوي وإصدار رخصتها. وان التباين العالي في كلفتها يجعلها في الواقع ضريبة لا رسم. ولربما يكون الحل الجذري بان تكون التسميات دقيقة مع فرض ضريبة تصاعدية مقترنة بحجم السيارة ووزنها لا نوع وقودها او سعة محركها.

ممكن _مثلا _ توحيد رسوم تسجيل السيارات جميعها على 30 دينار سنويا. واضافة ضريبة اقتناء سيارة إضافية مرتبطة بوزن السيارة بحد اقصى 600 دينار وهو الحد الأقصى الحالي. فالعامل المحدد الأساسي لاستهلاك أي سيارة من الوقود هو وزنها لا سعة محركها. فالمحرك الصغير على السيارة الثقيلة يستهلك تقريبا نفس كمية المحرك الأكبر على نفس السيارة.

وبهذا تدفع السيارة الكهربائية رسوم ترخيص سنوية كما سيارة البنزين والسيارة الهجينة. ذلك لان السيارات جميعها تأخذ حيزا في الطرقات والمواقف وتستهلك الطرقات والتعبيد. أي ان الموضوع ليس في استهلاك البنزين حصرا. وبما ان البنزين عليه ضرائب عالية يبقى الحافز لاقتناء السيارات الصغيرة الموفرة او السيارات الهجينة او الكهربائية.


Tuesday, November 14, 2017

السوق المصرفي الأردني: ما السبيل الأفضل لزيادة الكفاءة؟

نشر في جريدة الغد يوم 14 \ 11 \ 2017
في الاردن 25 بنك عامل منهم 13 بنك تجاري اردني وثلاثة بنوك اسلامية اردنية وثمانية بنوك تجارية اجنبية وبنك اسلامي اجنبي واحد. وكان لهذه المصارف مع نهاية 2016 _بحسب ارقام جمعية البنوك في الاردن_ 880  فرعا منتشرا في مدن الاردن مقابل 786 فرع في 2015 ة 770 فرع في 2014.

 
قمت بحساب "مؤشر هرفندال" لقياس تركز السوق في القطاع المصرفي الاردني لكل من الموجودات والتسهيلات والودائع وعدد الفروع بحسب ارقام جمعية البنوك في الاردن للعام 2016 وقارنتها مع نتائج عام 2014 التي كنت قد حسبتها في مقال سابق (http://www.libertycorner.info/2015/07/blog-post_27.html ). ويعتمد هذا المؤشر على جمع مضاعف الحصة السوقية لكل بنك عامل حيث يكون حد المؤشر الاقصى 10 الاف في السوق الاحتكاري الكامل (100% ضرب 100% = 10000). وتعتمده وزارة العدل الاميركية مثلا لقياس مستوى التركز في الاسواق لغايات الموافقات على صفقات الاستحواذ والاندماج بين الشركات. فيعتبر السوق الذي يكون فيه "مؤشر هرفندال" اقل من 1000 سوقا تنافسية فيما يعتبر اي سوق تصل فيه نسبة المؤشر الى اكثر من 1800 سوقا "متركزة".

 
حساب مؤشر هرفندال للموجودات في القطاع المصرفي الاردني كان 898 في 2016 مقابل 911 في 2014 بانخفاض 13 نقطة.

وبلغ مؤشر هرفندال للتسهيلات الائتمانية في القطاع المصرفي الأردني 808 في 2016 مقابل 795 مع نهاية 2014. بارتفاع 13 نقطة.

فيما كان مؤشر هرفندال للودائع في القطاع المصرفي الأردني 923 في 2016 مقابل  926 في 2014 بانخفاض 3 نقاط.

أخيرا بالنسبة لفروع البنوك بلغ مؤشر هرفندال لعدد الفروع في القطاع المصرفي الأردني 753 في 2016 مقابل 759 مع نهاية 2014. بانخفاض 6 نقاط.

كل الارقام أعلاه ايجابية جدا وتؤيد الاستنتاج ان القطاع المصرفي الاردني لا يعاني من تركز عال وعلى الاغلب فيه قدر كبير من التنافسية. فرقم مؤشر هرفندال كان اقل من 900 في الموجودات والتسهيلات وعدد الفروع واقل من الف في الودائع. ولان السوق اقل تركزا في بندي عدد الفروع والتسهيلات الائتمانية من بندي الودائع والموجودات يمكن التوقع بان السوق يتجه نحو تركز اقل في الودائع والتسهيلات في الفتره القادمة بسبب توسع البنوك الصغيره والمتوسطة في عدد الفروع.

 
يتميز السوق الاردني ايضا بوجود عدد كبير من البنوك الصغيرة نسبيا. مع الإشارة الى ان البنوك الصغيرة وسعت من حصتها: فاصغر 10 بنوك مثلا كانت حصتهم من الموجودات والتسهيلات والودائع اقل من 10% في 2014 فيما ارتفعت الى اكثر من 12% في 2016. لكن السوق _موضوعيا_ يقبل كثيرا من الاندماج بين البنوك الصغيرة من دون تاثير كبير على مقياس التركز بحسب مؤشر هرفندال. افترضت مثالا تندمج فيه السبع بنوك صاحبة اقل حصص من كل فئة فتبين الاتي: اندماج اصغر سبعة مصارف من ناحية الموجودات يرفع مؤشر هرفندال في الموجودات ب 20 نقطة فقط الى 919. كذلك فان اندماج اصغر سبعة مصارف من ناحية التسهيلات يرفع مؤشر هرفندال بتسع نقطات فقط الى 817. واندماج اصغر سبعة مصارف من ناحية الودائع يرفع مؤشر هرفندال ب 16 نقطة فقط الى 939. للمقارنة فان المثال النظري باندماج اكبر ثلاثة بنوك من ناحية الموجودات والتسهيلات والودائع يرفع مؤشر هرفندال للتركز ب 1192 و 1122 و 1293 نقطة على التوالي مما يجعل السوق عالي التركيز وهو امر سلبي.

 
فيما يخص مؤشر ربحية البنوك الأساسي وهو العائد على حقوق الملكية فقد بلغ المتوسط في عام 2016 8.13% في 2016 منخفضا عن 2015 والذي كان فيه العائد 9.17%. وبلغ اعلى عائد على حقوق الملكية في 2016 16.6% فيما كان ادنى عائد 2.18%. وكان العائد على الملكية اقل من 9% في ثلاثة عشر بنكا.
في العام 2014 كان معدل العائد على حقوق الملكية للخمسة وعشرين بنك العاملين في الاردن 10% مقابل 8% في 2013.


الخلاصة ان سوقنا المصرفي في الاردن حاليا لا يعاني من تركز عال وفيه _في الوقت ذاته_ مجال لاندماجات واستحواذات بين البنوك الصغيرة من دون تاثير سلبي على مقياس التركز. كذلك فان اكثر من نصف البنوك تحقق أرباحا متواضعة مقارنة بحقوق الملكية.


تجدر الإشارة هنا الى ان مؤشر العائد على الملكية ليس مهما للعديد من البنوك الصغيرة التي تمتاز بالسيطرة العائلية. حيث تغلب الرغبة في استمرار السيطرة العائلية على البنك على الاتجاه نحو زيادة الربحية والكفاءة عبر الاندماجات مثلا. خصوصا ان منافع ورواتب الادارة العليا قد تستحوذ على جزء كبير من مصاريف البنك الكلية وتشكل "أرباح" إضافية للعائلة المسيطرة.


السيطرة العائلية _مع أهميتها_ قد لا تكون السبب الوحيد في عدم تحقق اندماجات في السوق المصرفي الاردني. فلربما هناك عامل اخر مهم وهو سياسة عدم ترخيص بنك اردني جديد حتى لو توفر مستثمرون يودون الحصول على ترخيص بنكي جديد. فهذا المنع يجعل رخصة البنك العامل في الاردن ذات قيمة عالية _بنظر مالكيها على الاقل_ مرتبطة بندرتها وعدم توفرها لداخلين جدد.
ولربما يكون الطريق الانجع نحو تحفيز الاندماجات بين البنوك الصغيرة في الاردن عبر فتح المجال وتشجيع انشاء بنوك تجارية واسلامية اردنية جديدة بدلا من منع اي ترخيص جديد. وهنا يجب التذكير بان البنوك لا تستخدم مصادر عامة محدودة كالترددات او المناجم او ابار النفط. لذلك لا تجد تحديدا لاي حد اقصى لعدد البنوك في الدول الصناعية الكبرى بل يترك العدد لقوى السوق في كل دولة مع تركيز البنوك المركزية والمنظمين والحكومات على الاطر التشريعية والتنظيمية والضريبية الصارمة للبنوك، أضافة الى التدخل السريع لمنع التركز ومنع ومعاقبة الممارسات الاحتكارية والمعادية للمنافسة.


هذا الاسلوب قد يكون ملائما للاردن لتحفيز السوق نحو الاندماجات بين البنوك الصغيرة والمتوسطة والتي ستقلل من الكلف وتزيد الكفاءة مما ينعكس إيجابيا على المساهمين والمستهلكين بذات الوقت ويزيد من تحصيل الضرائب للخزينة. وههنا مقترحات اولية تقبل النقد والنقاش:

-        اعلان رسمي واضح عن ترحيب الاردن بانشاء بنوك تجارية واسلامية اردنية شريطة ان تكون شركات مساهمة عامة براس مال لا يقل عن 250 مليون دينار مثلا وهو مبلغ مساو لراس مال ثاني اكبر بنك في الاردن. بمعنى ان لا تعطى التراخيص الا للبنوك الكبيرة منذ البداية.

-        الاعلان وبوضوح على ان الاردن لن يحدد الحد الاعلى للبنوك العاملة فيه وان الترخيص سيعطى لاي بنك جديد يستوفي شروط الترخيص. وهذا كفيل بتغيير نظرة البنوك الصغيرة الى قيمة الترخيص التي تملكه من شىء ثمين للغاية يكون _لوحده_ سبب لعدم التفكير بالاندماج مع بنوك اخرى الى مسالة روتينية بدون قيمة عالية.

-        يمكن كذلك التفكير برسوم ترخيص للبنوك الجديدة ترفد الخزينة. ويكون الرسم بنسبة تنازلية لتشجيع ترخيص بنوك براس مال عال. مثلا 3% عن اول 100 مليون دينار و 2% عن ثاني 100 مليون دينار و 1% عن ثالث 100 مليون دينار و صفر بالمائة عن المبالغ الاعلى من 300 مليون دينار. فيكون رسم ترخيص بنك جديد براس مال 250 مليون 5.5 مليون دينار رسم ترخيص بنك جديد براس مال 300 مليون دينار 6 ملايين دينار ورسم ترخيص بنك جديد براسمال 400 مليون دينار ايضا 6 ملايين دينار.

الاعلان عن امكانية دخول بنوك جديدة الى السوق قد يكون لوحده كافيا _قبل دخول اي بنك جديد_ لتحفيز اندماجات جديدة بين البنوك الصغيرة التي ستقلق حتما من تاثير دخول بنوك جديدة براسمال عال على حصتها السوقية وربحيتها. واذا ما دخلت بنوك جديدة السوق فهذا سياتي بمنافع عديدة من ضمنها تمتين القاعدة الراسمالية الكلية للقطاع المصرفي الاردني وزيادة نسبة الاشخاص المستخدمين للخدمات المصرفية في الاردن. كذلك ستزيد فرص استخدام اساليب مبتكرة وجديدة للخدمات المصرفية تشمل _على سبيل المثال لا الحصر _ بنوك الانترنت التي لا تملك شبكة فروع بل تستخدم تحالفات مع شركات غير بنكية لتقديم الخدمات المصرفية بكلفة اقل وانتشار اكثر.