Monday, November 11, 2019

نتائج صندوق استثمار الضمان في 2019: ما هي سبل تحسين الأداء؟

نشر في خبرني يوم 10 تشرين الثاني 2019
 
في تشرين الأول \ أكتوبر 2019 أعلن صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي أن موجودات الصندوق قد ارتفعت لتبلغ حوالي 10.9 مليار دينار كما في نهاية الربع الثالث من العام الحالي لتزيد بما مقداره 714 مليون دينار على بداية العام وبنسبة نمو بلغت 7%. وقال البيان الصحفي من الصندوق حول أبرز مؤشرات الأداء المالي عن نتائج الربع الثالث من هذا العام “إن الصندوق قد حقق دخلا بلغ 442.6 مليون دينار مقارنة مع 347.9 مليون دينار للفترة نفسها من العام الماضي".

ان الخبر جميل في ظاهره لكنه للأسف اخفى بعض السلبيات التي يجب معالجتها جذريا. بحسب البيانات التفصيلية من صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي فان 60% من الزيادة في الموجودات أتت من الفائض التأميني للمؤسسة (فرق الاقتطاعات عن الرواتب التقاعدية المدفوعة) بقيمة 426 مليون من ال 714 مليون زيادة.  
 
بينما بلغ الدخل الشامل الاستثماري للصندوق 287 مليون دينار. أي نسبة عائد استثماري 2.8% وهذا العائد الصافي هو عوائد الصندوق مطروحا منها خسائر الأسهم. أي ان زيادة السبعة بالمائة في موجودات الصندوق حوالي 60% منها أتى من الفائض التأميني الذي لا علاقه لصندوق استثمار الضمان فيه وفقط 40% أتت من عوائد استثمار الصندوق نفسه. 

لو قسناها على كل السنة يتوقع ان يكون العائد الاستثماري لكل 2019 حوالي 3.75% لكل السنة وهو اقل من معدل الفوائد على الودائع في الجهاز المصرفي واقل بنسبة اكبر من معدل ما تدفعه الحكومة على سندات الحزينة الأردنية وأدوات الدين العام. والسبب أساسا هو التدني المزمن والمستمر في محفظة الأسهم المملوكة للضمان الاجتماعي في سوق عمان المالي. 

لا يحتاج الضمان الاجتماعي الى "تكحيل" نتائج صندوق استثماره بتحويل ال 2.8% الى 7% في بيان صحفي. بل يحتاج _وهو الرابض على موجودات تقارب ثلث حجم الاقتصاد الوطني ويسحب سنويا من جيوب المواطنين والشركات اكثر من 1.8 مليار دينار بنسبة حوالي 6% من حجم الاقتصاد _ الى شفافية فائقة ومساءلة تسهل سبيل تحسين الأداء في المحفظة الأهم وطنيا. 

تفصيلا

-         يجب بداية الإفصاح الكامل عن اخر دراسة اكتوارية للضمان الاجتماعي مع كامل فرضياتها ونتائجها.

-         وبذات الوقت ترسيخ فكره ان نقطة تلاشي موجودات صندوق الضمان في سنة مستقبلية لا تعني افلاس الضمان بل تعني دخوله في عجز يحتاج التصحيح بحسب التغيرات الديموغرافية.

-         كذلك يجب ان تكون الإفصاحات الدورية الصحافية عن موجودات الصندوق مقسومة الى قسمين بكل شفافية:
o       أولا الفائض التأميني والذي يأتي من أجهزة مؤسسة الضمان الاجتماعي مع تفصيل مكونات إيراداته ما بين اشتراكات وغرامات وغيرها
o       وثانيا العائد الاستثماري لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي مفصلا لكل مكون من مكوناته ما بين سندات واسهم وقروض وودائع وغيرها.

-         في العائد الاستثماري يجب أيضا ان يتم الافصاح الصحافي الدوري عن القيمة السوقية للمحفظة العقارية لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي بدلا من الإبقاء على تقييمها بالقيمة التاريخية. هذه لوحدها قد تضيف اكثر من مليارين دينار الى قيمة موجودات الضمان.

أخيرا ولان أساس انخفاض العائد الاستثماري هو انخفاض محفظة الأسهم ولان الضمان الاجتماعي اكير مستثمر في سوق عمان المالي صار لازما فتح هذا الملف الشائك وتقييم نتائجه خصوصا مع وجود ما يسمى محفظة الاسهم الاستراتيجية والتي لا يقربها الضمان بيعا! فكلنا نذكر رفض الضمان بيع أسهمه في بنك مهم للغاية على تقييم عال وممتاز بحجة انه من "الأسهم الاستراتيجية" لنصل الان الى تقييم سوقي لنفس الأسهم باقل من ربع السعر الذي رفض. فلو تم بيع الحصة آنذاك ووضع حصيلتها في سندات خزينة لكانت محفظة الضمان فيها مليار دينار اردني إضافي حاليا. فعن أي محفظة أسهم استراتيجية مقدسة نتحدث؟ خصوصا ان رفض البيع آنذاك حرم البلد كذلك من استثمار اجنبي صافي يزيد عن مليار دولار. 

المطلوب من الضمان وصندوق استثمار أمواله مصارحة ومكاشفة واضحة في موضوع الأسهم الاستراتيجية هذه والوصول الى حلول تفيد الضمان ومحفظة أسهمه وعائده الاستثماري وبذات الوقت تنعش سوق عمان المالي. خصوصا ان سوق عمان المالي حاليا فيه العديد من الشركات الممتازة والتي توزع أرباح سنوية عالية وبتقييم سوقي منخفض. مع التسليم ان صندوق الضمان يجب ان يتكون أساسا من سندات خزينة وأدوات دين عام حكومي شأنه كشأن معظم صناديق التقاعد العالمية. حيث ان معدل عائد محفظة الضمان السنوي لأخر عشرة سنوات كان للأسف اقل من عائد سندات الخزينة الأردنية بكثير.

Friday, September 27, 2019

أهالي طلاب المدارس الخاصة ونقابة اصحابها: ما السبيل الى حلول جذرية؟

نشرت في صحيفة الغد يوم 27 أيلول 2019

في الأسبوع الماضي قدم التلفزيون الأردني حلقة مع نقيب أصحاب المدارس الخاصة ومنسق حملة "زودتوها" بخصوص أقساط المدارس الخاصة وكلفتها. براي المتواضع اضاع البرنامج فرصا عديدة في الحوار للدخول في صميم المشاكل وإيجاد حلول وظهرت الحلقة كتراشق للنقاط من الطرفين: كل يركز على نقاطه بدون سماع او محاولة فهم الراي الاخر وبدون محاولة نقاش كل نقطة والتمحيص فيها.

اهم النقاط كانت كلفة التعليم في المدارس الخاصة. تحدث نقيب أصحاب المدارس الخاصة ان الأقساط هي علاقة تعاقدية ما بين الاهل والمدرسة لا يجب ان يتدخل فيها أحد. هذا صحيح عند تسجيل الأبناء والبنات اول مرة حيث يكون للأهل كامل الحرية في اختيار المدارس بحسب اقساطها وموقعها ومرافقها وسمعتها. اما بعد ان يمضي الطالب عدة سنوات دراسية في المدرسة فان تغيير المدرسة يصبح صعبا من ناحية نفسية وتعليمية ولوجستية. فمن يحمي الاهل من ارتفاعات مفاجئة وغير مبررة في الأقساط؟ هل تقبل النقابة ان تتصدر المشهد هنا وتضع حلا منطقيا يحصر أي تعديل في الأقساط بالطلبة الجدد بينما يضع حدا اقصى لارتفاع الأقساط سقفه نسبة التضخم الرسمية للطلبة القدامى؟ بحيث تكون المدرسة الخاصة ملزمة بنظام للرسوم يشمل كافة فترة التعليم (الصف الاول الى الثاني عشر). أي أن ولي الامر عندما يسجل ابنه او بنته للصف الاول يحصل على لائحة رسوم المدرسة لكل صف من الصف الاول حتى الصف الثاني عشر او اعلى صف عندها. ويحق للمدرسة زيادة سنوية على هذه اللائحة لا تتجاوز نسبة التضخم السنوية الرسمية كما يعلنها البنك المركزي. لكن المدرسة تستطيع زيادة رسومها كما تشاء للطلبة المستجدين الذين يسجلون فيها لأول مرة على شرط تقديم لائحة رسوم المدرسة لكل الصفوف لهولاء الطلبة المستجدين. المهم هنا ان كل ولي امر يعرف ان لائحة رسوم المدرسة التي يسجل فيها اولاده لن يطرأ عليها تغييرات مفاجئة كبيرة تجبره على نقل اولاده أثناء المراحل الدراسية.

في نفس الموضوع كانت نقطة حملة "زودتوها" ان التعليم رسالة اجتماعية أساسا ولا يجب ان يكون هدفها الربح. ان سلمنا جدلا ان كل قطاع التعليم لا يجب ان يهدف للربح، فلننظر الى وزارة التربية والتعليم كمثال وهي التي لا تهدف للربح و80 بالمئة من مدارسها ملك للوزارة بدون كلفة ايجار او كلفة الفرصة الضائعة للعقار. الوزارة تصرف حوالي المليار دينار سنويا مع تقديم خدمة اقل كثيرا من المطلوب بكلفة 680 دينار لكل طالب سنويا. فهل تقترح حملة "زودتوها" ان تمنع المدارس الخاصة والأهلية من تحقيق أي فائض او ربح تحت مسمى الرسالة التعليمية السامية؟ على فرض ان هذا حصل وتم منع تحقيق الربح للمدارس الربحية او تحقيق الفائض للمدارس غير الربحية او تم تحديده بنسبة قليلة نسبيا: من اين سياتي حافز انشاء مدارس جديدة او توسعة مرافق المدارس؟ فحتى المؤسسات التعليمية غير الربحية تحتاج الى تغطية الكلفة وتحقيق فائض لتوسعة المرافق وادامتها. وما الذي سيمنع أصحاب كثير من المدارس من اقفالها واستخدام العقار في مشاريع أخرى ربحية؟ وفي حال تحديد حد اقصى للربح هل ستحمي الحكومة المدارس من الخسارة وتعوضهم في حالة تحقيق خسائر؟

في ذات الموضوع اكد نقيب أصحاب المدارس الخاصة ان اغلبيتها لا تتجاوز اقساط التوجيهي فيها _خارج عمان_ 1500 دينار للتوجيهي. وكان النقيب قد صرح في السابق ان 90% منها معدل اقساطها اقل من الف دينار سنويا. وقال أيضا ان 3 الى 4% من المدارس (أي حوالي 120 مدرسة) هي مدارس غالية جدا في عمان تخدم تقديرا 15 الى 20 الف طالب من أبناء الطبقة الغنية والجاليات الأجنبية من أبناء الديبلوماسيين ورجال الاعمال الأجانب. وهنا بات لزاما على أي شخص يتصدى لهذا الموضوع تأكيد هذه الأرقام والتمحيص فيها عبر دراسات محايدة مع ضرورة ان تتعاون النقابة والوزارة في تقديم الإحصاءات والارقام اللازمة. لكي لا يكون أساس حملات أقساط المدارس نماذج مقتصرة على مدارس قليلة تخدم عددا قليلا من الطلاب لا تتجاوز نسبتهم 1% من اجمالي طلاب الأردن. ففي المقابلة التلفزيونية كررت المذيعة قصة انه كيف يعقل ان يكلف طالب الروضة 5000 دينار مع ان هذا الرقم لا يمثل اكثر من نصف بالمائة من كل المدارس الخاصة في الاردن. مع اغفالها ان الموظفين بهذه المدراس الغالية يحصلون عادة على خصومات قد تتجاوز 50% من اجمالي القسط لأبنائهم.

كذلك قال نقيب أصحاب المدارس الخاصة ان أقساط معظم المدارس الخاصة لم تزد في اخر 5 سنوات بسبب التباطؤ الاقتصادي وانتقال كثير من الطلبة الى القطاع الحكومي بحيث صارت المدارس الخاصة (كمجموع كلي) تعمل بنسبة 75% فقط من قدرتها الاستيعابية والمرخصة. وقال أيضا ان 30% من المدارس الخاصة يحجز عليها دوريا من الضريبة والضمان في دلالة واضحة على مشاكل سيولة وربما خسائر فيها. هذا الموضوع كان يستحق بحثا أكثر في المقابلة وهو ما لم يحصل. هل يتوقع النقيب ان بعض المدارس الخاصة في طريقها الى الاقفال؟ وما تأثير خروجها من العمل على باقي القطاع والطلاب ومستوى الأقساط والتنافس؟

بالنسبة لكلفة الكتب في المدارس الخاصة اقترح النقيب ان تباع كتب المنهاج الوطني مباشرة من الوزارة للطلاب بدون ان تكون المدارس وسيطا في العملية. بناء على هذا المقترح هل يمكن ان توفر الوزارة كتب المنهج الوطني مجانا للطلاب الأردنيين في المدارس الخاصة بما ان أهالي الطلاب يوفرون على الوزارة كلفة تعليم أبنائهم في مدارس الحكومة. وهذا سيحل مشكلة كلفة الكتب جذريا. وفيما يخص كتب المناهج الأجنبية لربما يكون الحل في توافق بين النقابة والأهالي بحيث يكون شراء الكتب من المدرسة اختياريا ان أراد الاهل توفيرها من مصدر اخر شريطة اعلام المدرسة بهذا في عطلة الصيف لكي لا تشتري كتبا فوق الحاجة.

يجب ان نعي ان التعليم الجيد مكلف. والقرينة على هذه الحقيقة كلفة أقساط مدارس اهلية نعلم انها غير ربحية مثل المدارس التابعة للمؤسسات الدينية والخيرية. فالمدارس الخاصة توظف 56 الف معلم وموظف وعلى فرض معدل كلفة رواتب 350 دينار شهريا فان معدل قسط 534 الف طالب في المدارس الخاصة يجب ان يكون 440 دينار سنويا فقط لتغطية كلفة الرواتب بدون حساب اي كلفة الأخرى من كلفة عقار وباصات وتدفئة وكهرباء وماء واثاث وصيانة مرافق وغيره.  فما بالك بمدارس تدفع لمعلميها اكثر من 2000 دينار كراتب شهري بحسب ما جاء في التقرير التلفزيوني؟  

الحلول مطلوبة وليست سهلة. تبدأ أولا واساسا في اصلاحات جذرية في التعليم الحكومي لتحسين نتائجه و إعادة الثقة فيه وجعله خيارا مقبولا من جديد للطبقة المتوسطة.  لا يجب ابدا ان نتجاهل التقصير الحكومي الفاضح في مستوى التعليم الحكومي واعفائها من انتقاد شديد موضوعي. فأساس المشكلة انهيار نوعية التعليم في المدارس الحكومية. كذلك تشمل الحلول الوصول الى حالة من التعاون الاوثق بين المدارس الخاصة والأهالي لضمان ان تستمر العملية التعليمية باطر من الشفافية والمنافسة القوية تضمن نوعية التعليم الجيدة والأسعار العادلة للجميع كل بحسب اختياره.

Friday, September 20, 2019

التعليم في الأردن: اقتصاديات المدارس الخاصة

 نشر في الغد في 19 ايلول 2019
 
مع تراجع مستوى وكفاءة التعليم الحكومي في الأردن باتت المدارس الخاصة في الأردن خيارا _ربما يكون خيارا وحيدا_ لكثير من العائلات. فالتعليم الجيد يبقى المساوي الأكبر وكل عائلة ستحاول ان توفر لأبنائها أفضل فرص تعليمية تقدر عليها ماديا. 

تراجع مستوى التعليم الحكومي مؤكد وقاس: حيث تبلغ نسبة نجاح التوجيهي في مدارس الحكومة 41% مقابل 91% لطلاب المدارس الخاصة. للأسف لا شفافية من الوزارة في هذه المسائل بل يضطر الباحث الى استنباط نسب النجح من عدة مؤشرات في عدة مواقع. وفيما يخص نسبة نجاح التوجيهي في مدارس الحكومة أخشى ان تكون نسبة 41% الاجمالية تغطي على مفارقة كبيرة بين نسب النجاح في مدارس الاناث مقابل مدارس الذكور. فقد تكون مثلا 60% عند البنات مقابل 20% عند الذكور. فهل تفصح الوزارة عن هذه التفاصيل؟ 

في 2018 وصل عدد المدارس الخاصة في الأردن الى 3211 مدرسة تشكل 46% من مجمل عدد المدارس. يدرس في المدارس الخاصة 534 الف طالب وطالبة مشكلين 28% من اجمالي عدد الطلاب ويعمل فيها حوالي أربعين الف معلم ومعلمة بنسبة 32% من اجمالي عدد المعلمين. معدل طلاب كل مدرسة خاصة يبلغ 167 طالب ومعدل عدد الطلاب في كل صف 20 طالب بمعدل 13 معلم ومعلمة لكل مدرسة. وتشير ارقام الوزارة ان حوالي نصف المدارس الخاصة تستخدم مباني مستأجرة. أي ان معظم المدارس الخاصة مدارس صغيرة جدا. 

مع اختيار ما يقارب الربع مليون عائلة في الأردن لخيار التعليم الخاص صارت كلفة التعليم موضوعا مؤرقا للغاية في ظل التباطؤ الاقتصادي المزمن. ويطالب كثير من الأهالي ان تتدخل وزارة التربية والتعليم وتكبح جماح كلفة التعليم الخاص.  لنلاحظ هنا ان الواقع الصعب دفع كثير من الناس لان يطلبوا من نفس الجهاز البيروقراطي الذي اساء إدارة التعليم الحكومي ان يزيد من تدخله في التعليم الخاص. هل يتوقعون نتائج أفضل؟   

في موضوع أقساط المدارس وكلفة التعليم لا بد من تحليل موضوعي متجرد. والبداية هنا من تأكيد انه لا يوجد تعليم بلا كلفة. في التعليم الحكومي يتحمل دافع الضرائب كلفة التعليم بمعدل حوالي 680 دينار سنويا عن كل طالب حيث بلغت ميزانية وزارة التربية والتعليم 980 مليون دينار في 2019. بينما يتحمل ولي الامر كلفة تعليم أبنائه في المدارس الخاصة. 

في كلفة التعليم الخاص لنأخذ مثالا نظريا من واقع الأرقام المعلنة. مدرسة صغيرة خارج عمان في بلدة متوسطة الحجم. عدد طلابها 200 طالب (اعلى من المعدل العام) وعدد معلميها 13 معلمة (اقل من المعدل) ومع اربعة من الموظفين (حارس عاملة نظافة محاسب ومدير). بمجموع 17 موظف. على فرض معدل راتب شهري لكل موظف 250 دينار فقط تكون كلفة الرواتب سنويا حوالي 59 الف دينار مع كلفة الضمان. وعلى فرض كلفة كهرباء وماء وتدفئة وايجار مدرسة وكافة المصاريف الأخرى بحوالي 30 الف دينار فقط سنويا تكون الكلفة الاجمالية حوالي 89 الف دينار سنويا. لتغطية الكلفة يجب ان يكون معدل أقساط الطالب فيها 438 دينار.  على فرض هامش ربح لمالكي المدرسة بنسبة 25% سيتجاوز معدل القسط السنوي للطالب 545 دينار. ولربما يفسر هذا مشاكل ضعف رواتب المعلمات في المدارس الخاصة الصغيرة في البلدات الصغيرة في المحافظات. فالقسط لا يمكن ان يكون عاليا والا لما سجل فيها الطلبة وبنفس الوقت المدرسة صغيرة جدا ولا يوجد فيها اقتصاديات الحجم الكبير.  
  
ماذا لو كانت مدرسة كبيرة في مدينة كبيرة كالزرقاء بعدد طلاب 1200؟ عدد المعلمين 70معلما منهم الخبير صاحب الراتب العالي نسبيا. مع 40 موظف (عمال نظافة وحراس وسائقين ومحاسبين وإدارة). على فرض معدل راتب شهري 550 دينار تكون كلفة الرواتب سنويا حوالي 831 الف دينار. وعلى فرض كلفة كهرباء وماء وتدفئة وايجار مدرسة وكافة المصاريف الأخرى بحوالي 310 الف تصل الكلفة الاجمالية الى مليون و 141 الف دينار سنويا. لتغطية الكلفة فقط يجب ان يكون معدل أقساط الطالب فيها 951 دينار.  اضف هامش ربح بنسبة 15% سيصل القسط السنوي للطالب الى 1093 دينار. وهذا معدل لجميع الطلاب من الصف الأول للتوجيهي. 

في المقابل هناك مدارس عديدة _خصوصا في عمان الغربية_ بمعدل أقساط عال جدا يتجاوز الستة الاف دينار تدر أرباحا وفيرة لمالكيها. والبعض سيشير الى ان أسعار عقارات واراضي بعض هذه المدارس يتجاوز العشرة ملايين دينار. وبما ان سعر عقارها مرتفع فتزيد معه تكلفة الفرصة الضائعة لمالكها. فما الربح المنطقي لمالك عقار يتجاوز سعره السوقي عشرة ملايين دينار مثلا؟ 

لا خلاف اذن ان المدارس الخاصة تختلف كلفها كثيرا بحسب موقعها الجغرافي. ولا خلاف ان من نجحت منها في خلق سمعة طيبة عن مستواها ونتائج طلابها وعنوانها قريب من تركز الطبقة الغنية في عمان تحقق لمساهميها أرباحا وفيرة لقدرتها على وضع أقساط عالية بهامش ربح كبير. ولا خلاف أيضا ان بعض المدارس تخالف قوانين العمل والضمان الاجتماعي. لكن في ذات الوقت نعرف عن كثير من المدارس ملتزمة بكل القوانين وتدفع رواتب جيدة وتعطي أبناء العاملين فيها خصومات سخية تصل الى 50% او اكثر من الأقساط. 

وهنا يأتي التساؤل: ما السبيل الى ضمان العدالة لجميع الأطراف في التعليم الخاص؟ وما دور الوزارة والحكومة. في حكومة سابقة بدا الحديث عن تصنيف للمدارس تحدد فيه الحكومة السقف الأعلى للأقساط والحد الأدنى لرواتب المعلمين بحسب تصنيف كل مدرسة. المشكلة في هذا الطرح هو افتراض ان بيروقراطية وزارة التربية والتعليم التي قادت قطاع التعليم الحكومي الى حالة صعبة قادرة على إدارة ملف المدارس الخاصة بطريقة أفضل من المنافسة الحقيقية وضمان ديمومة المنافسة.
الأنسب لربما يكون في ان توفر الحكومة او دائرة الإحصاءات او نقابة المعلمين او حتى نقابة مالكي المدارس الخاصة معلومات وافية عن كل مدارس الأردن بحيث تساعد أهالي الطلبة على اختيار مدارس أبنائهم وتساهم بضمان استمرار المنافسة بين كل المدارس في تقديم الخدمة الأفضل بالسعر المناسب. 

وتكون هذه المعلومات الإحصائية عن كل المدارس متوفرة على الانترنت لمن يطلبها تشمل مثلا:
-         نسب نجاح طلاب المدرسة في الامتحانات المختلفة
-         مجموع رواتب معلميها و مجموع رواتب موظفيها والوسيط والمعدل للرواتب
-         أقساط كل مدرسة لكل صف ونسب الطلاب الحاصلين على خصومات وبعثات. والمعدل الفعلي العام للأقساط في المدرسة.
فالمنافسة أفضل من التدخل الحكومي في تحديد أقساط المدارس. حيث ان تحديد الأقساط بطريقة مركزية اعتباطية قد يقلل من المنافسة عبر تثبيط الرغبة في انشاء مدارس جديدة. 
وقد يكون المطلوب أيضا ان تتدخل الوزارة في تحديد الزيادة السنوية في الأقساط للطلاب القدامى بحد اقصى يكون نسب التضخم الرسمية بحيث تحمي أولياء امور الطلبة القديمين من زيادات غير متوقعه تتجاوز نسب التضخم. مع عدم التدخل في تحديد أقساط الطلبة المستجدين وجعله خاضع المنافسة والخيار الحر للأهل والمدرسة. هذا يضمن عدالة الزيادة السنوية للمدرسة وللعائلات وكذلك عدم حرمان المدرسة من جني نتائج نجاحها وسمعتها بزيادة الرسوم بنسب التضخم للطلبة القدامى وبحسب وضعها التنافسي للطلبة المستجدين. 

وفي المدن المكتظة التي تواجه اكتظاظا في المدارس الحكومية وندرة في بعض الاحياء يجب الاستثمار في مدارس حكومية جديدة تساهم في زيادة الخيارات المتوفرة للطلبة واهلهم. وربما يكون عبر أسلوب الشراكة بين القطاع العام والخاص. 

أخيرا نستفيد كلنا من تشجيع مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات لإنشاء مؤسسات تعليمية غير هادفة للربح تنشئ المزيد من المدارس الأهلية غير الربحية مع خضوعها لنفس القوانين التي تحكم المدارس الخاصة لضمان المنافسة العادلة. وتركيز الحكومة على التزام كل المدارس بقوانين العمل والضمان الاجتماعي والضريبة.