Sunday, September 21, 2014

الصادم في كلفة الضمان والضريبة للعام القادم

يناقش مجلس النواب حاليا مشروع قانون معدل لضريبة الدخل. في مشروع القانون صارت الاعفاءات الضريبية على أول 10 آلاف دينار للفرد المكلف و10 آلاف دينار للمعالين و4 آلاف دينار مقابل فواتير الصحة والعلاج والتعليم. وحددت المادة 11 من مشروع قانون ضريبة الدخل بأنه يتم استيفاء الضريبة عن الدخل الخاضع للضريبة للشخص الطبيعي بنسبة (10 %) عن كل دينار من العشرة آلاف دينار الأولى، و15 % عن كل دينار من العشرة آلاف دينار التالية، فيما تصل الى 20 % عن كل دينار تليها. كذلك يرفع مشروع القانون نسبة الضريبة على الشركات من 14% الى 20%.
بالاضافة الى هذه الزيادة المقترحة في مشروع قانون ضريبة الدخل (والذي اذا اقر _لا سمح الله_ سيكوت ساريا في 2015) فان قانون الصمان الاجتماعي الساري يرفع نسبة الاقتطاع من الموظفين والشركات من 6.75% على الموظف الى 7% في 2015 و7.25% في 2016 و 7.5% في 2017 وعلى الشركات من 12.75% الى 13.25% في 2015 و13.75% في 2016 و 14.25% في 2017. اي ان مجمل عبء اقتطاع الضمان الاجتماعي (على الموظفين والشركات) سيرتفع من 19.5% من راتب الموظف في 2014 الى 20.25% في 2015 و 21% في 2016 و 21.75% في 2017.
قانون الضمان صار واقعا ويزيد كلفة التوظيف على الشركات بنسبة 0.75% سنويا لمدة 3 سنوات قادمة. ويزيد الاقتطاع من راتب الموظفين ليصبح 7.5% من الراتب يدفعها كل الموظفين بمختلف مستويات رواتبهم بسقف 3000 او 5000 دينار بحسب تاريخ الانضمام للضمان. هذه كلفة اضافية على الجميع، فالشركات ايضا يملكها _في الاغلب_ افراد.
في ملحق لهذا المقال تفصل تاثير النسب الضريبية المقترحة وقانون الضمان الساري على الاقتطاعات من موظفين برواتب مختلفة من 800 دينار شهريا حتى 5000 دينار شهريا. وكما يبين الملحق فان مجمل نسبة الاقتطاعات (ضريبة وضمان) تترواح ما بين 7% من اجمالي الراتب الى 21% من اجمالي الراتب (من دون حساب ما يقتطع من الشركة للضمان). ونسبة الزيادة في الاقتطاعات (اي العبء الضريبي والضماني) مقارنة مع 2014 تترواح بين 4% الى 35%.
اذن ، تلخيصا ، يقترح مشروع قانون ضريبة الدخل رفع عبء ضريبة الدخل على البنوك بنسبة 17% (من 30% الى 35%) وعلى الشركات التجارية والصناعية بنسبة 42% (من 14% الى 20%) بالاضافة الى زيادة قانون الضمان لتكاليف التوظيف على الشركات بنسبة واحد بالمئة تقريبا في 2015. كذلك ستزيد الاقتطاعات من رواتب الموظفين بنسب تتراوح بين 4% الى 35%.
رفع الضريبة واقتطاعات الضمان يناقض بالاساس احد اهداف الحكومة المعلنة وهو تسريع وتيرة النمو الاقتصادي في الاردن من 3% الى اكثر من 5%. حيث ان اثر رفع العبء الضريبي على تثبيط النمو الاقتصادي متفق عليه في مدرسيتين رئيسيتين في الاقتصاد (الكلاسيكيون والكينزيون). وقد بينت دراسة منشورة على صفحة البنك المركزي الاوروبي وشملت 26 دولة صناعية من 1965 الى 2007 ان زيادة العبء الضريبي (او عبء التامينات الاجتماعية كالضمان) بنسبة 1% من الاقتصاد تخفض _ على المستوى البعيد_ النمو الاقتصادي بنسبة 0.5% الى 1%. ونذكر هنا ان اقتطاعات اشتراكات الضمان شكلت ما نسبته 4% من الناتج المحلي الاجمالي في 2013 وزيادة الاقتطاعات بحوالي 5% في 2015 تعني زيادة في نسبة اقتطاعات الضمان من الناتج المحلي الاجمالي بنسبة الربع بالمائة تقريبا مما سيكون له اثر ملموس على تثبيط النمو الاقتصادي.
ولا ننسى كذلك ان مشروع القانون المقترح وزيادات اقتطاعات الضمان ستاتي مع زيادة اخرى في اسعار الكهرباء في 2015 تساهم ايضا في رفع الكلف والاسعار وتقليل الارباح وتثبيط النمو.

وكذلك يجب ان لا ننسى نسب الضرائب في الاقليم والجوار. ففي عالم مترابط ومتنافس على جذب الاستثمارات نسب الضريبة لدى اي دولة لا يجدر ان تكون بمعزل عن نسب الضريبة في المحيط. فمثلا عندما رفعت ادارة كلنتون الضرائب على الافراد والشركات في 1993 تاكدت الادارة انذاك من ان تكون نسب الضريبة في اكبر اقتصاد في العالم واقعة على منتصف سلم نسب الضرائب في الدول الصناعية الكبرى.
ولتنذكر _ ولنذكر الحكومة _ ان الاتفاق الحكومي مع صندوق النقد ان يزيد تحصيل الضريبة بنسبة 1% من الاقتصاد ولا يحدد الاتفاق اسلوب هذه الزيادة. ومن الافضل هنا ان تكون زيادة التحصيل الضريبي عبر توسيع القاعدة الضريبية ومكافحة التهرب بدلا من طريق الاستسهال في رفع النسب الضريبية على الملتزمين اصلا وزيادة حافز التهرب والتجنب الضريبيين لغير الملتزمين.
نلاحظ ايضا ان هناك اجماع تام من جميع قطاعات الاعمال في الاردن على ابقاء التسب الضريبية الحالية كما هي. حيث انه تحت القانون الحالي والنسب الحالية زادت تحصيلات ضريبة الدخل في عامي 2011 و 2012 وانخفضت قليلا في 2013 بسبب تباطوء الاقتصاد.
نعول على مجلس الامة رفض رفع النسب الضريبية على كل القطاعات والابقاء على النسب الحالية. ومع هذا الرفض يمكن النظر الى وسائل اخرى اكثر منطقية وعدالة في معالجة العجز المالي الكبير في الميزانية ومنها:
-        مشكلة فاقد الكهرباء: بسبب سرقة الكهرباء تتفاقم في الاردن مشكلة فاقد الكهرباء منذ 2011. وقد تجاوز الفاقد السنوي حاجز 1700 جيجاوات ساعة في 2013 بكلفة اكثر من 200 مليون دينار. معالجة مشكلة سرقات الكهرباء بشكل جذري وتخفيضة بنسبة الربع سنويا يوفر 50 مليون دينار. حاليا فاقد الكهرباء الكلي في الاردن هو 3 اضعاف النسب المقبولة عالميا.

-        معالجة التهرب الضريبي من ضريبة المبيعات والدخل عبر رديات ضريبة المبيعات للاردنيين فقط (مقابل تقديم فواتير اصلية وبحد اقصى يساوي دعم السلع السنوي لكل فرد). هذا سيساهم في تقليل عبء ضريبة المبيعات على الطبقات المتوسطة والفقيرة وزيادة تحصيل ضريبة المبيعات والدخل من المتهربين.

-        كبح جماح الانفاق الحكومي والهدر في الجهاز الحكومي. ومعالجة جذرية لكلفة التقاعد المدني السنوية والتي تزيد العجز والمديوينة بليونا من الدنانير كل عام. وتكون البداية بمعالجة ملف تقاعد الوزراء والنواب باثر رجعي وباسلوب منطقي وعادل مما يزيد من ثقة المواطنين بالجهاز الحكومي.

-        الغاء دعم السلع من الخزينة واسنبداله برديات ضريبة المبيعات والدعم النقدي للطبقات الفقيرة.

-        اعادة هيكلة التعرفة الكهربائية في 2015 مع توحيد القطاعات التجارية كافة وتحديد اسعار تصاعدية مربوطة بالشرائح بدل الوضع الحالي غير المنطقي الذي تدفع فيه شركة السيارات الفارهة والمطعم والمول والفندق كلفة كهرباء اقل من المسجد والكنيسة والمستشفى والمدرسة. وهذا الاصلاح سيساهم في تحفيز كل القطاعات على الاستثمار في توفير الكهرباء وايضا في الطاقة البديلة.

المقترحات القصيرة البديلة اعلاه مفصلة ومحللة ومدعومة بالارقام الرسمية في مقالات اخرى. ويسرني ان اقدمها لكل مهتم. الحلول تبدأ بمعالجة المشاكل جذريا بدلا من استسهال تحصيل مزيدا من الاموال من الملتزمين بدفع الضرائب اصلا!  


ملحق المقال: ماذا تعني النسب الضريبية المقترحة لرواتب الموظفين والعمال في الاردن في العام 2015.
موظف اعزب او متزوج راتبه 800 دينار بالشهر.  لا ضريبة دخل عليه بالقانون القديم ولا ضريبة دخل عليه بالقانون المقترح. الزيادة الوحيدة دينارين بالشهر زيادة اقتطاع الضمان من 54 دينار الى 56 دينار شهري (بنسبة 7% من الراتب اقتطاع الضمان الاجتماعي). يبقى له 746 دينار.

موظف اعزب راتبه 1500 دينار بالشهر.  في 2014 ضريبة دخل 35 دينار واقتطاع ضمان اجتماعي 101.25 دينار. في 2015 ضريبة دخل 66.67 دينار شهري واقتطاع ضمان 105 دينار. مجمل الاقتطاع يصبح 171.67 دينار بنسبة زيادة 26% عن 2014.

 موظف متزوج راتبه 1500 دينار بالشهر.  بلا اطفال ومع تامين صحي. في 2014 لا ضريبة دخل واقتطاع ضمان اجتماعي 101.25 دينار. في 2015 لا ضريبة دخل واقتطاع ضمان 105 دينار. مجمل الاقتطاع يصبح 105 دينار بنسبة زيادة 4% عن 2014.

موظف اعزب راتبه 2000 دينار بالشهر.  في 2014 ضريبة دخل 70 دينار واقتطاع ضمان اجتماعي 135 دينار. في 2015 ضريبة دخل 133 دينار شهري واقتطاع ضمان 140 دينار. مجمل الاقتطاع يصبح 273 دينار بنسبة زيادة 33% عن 2014.

 موظف متزوج راتبه 2000 دينار بالشهر.  بلا اطفال في المدارس ومع تامين صحي. في 2014 لا ضريبة دخل واقتطاع ضمان اجتماعي 135 دينار. في 2015 ضريبة دخل 33.33 واقتطاع ضمان 140 دينار. مجمل الاقتطاع يصبح 173.33 دينار بنسبة زيادة 28% عن 2014.

موظف اعزب راتبه 3000 دينار بالشهر.  في 2014 ضريبة دخل 210 دينار واقتطاع ضمان اجتماعي 202.5 دينار. في 2015 ضريبة دخل 308 دينار شهري واقتطاع ضمان 201 دينار. مجمل الاقتطاع يصبح 518 دينار بنسبة زيادة 25% عن 2014.

 موظف متزوج راتبه 3000 دينار بالشهر.  بلا اطفال في المدارس ومع تامين صحي. في 2014 ضريبة دخل 70 واقتطاع ضمان اجتماعي 202.5 دينار. في 2015 ضريبة دخل 158.33 واقتطاع ضمان 201 دينار. مجمل الاقتطاع يصبح 368 دينار بنسبة زيادة 35% عن 2014.

موظف اعزب راتبه 5000 دينار بالشهر.  في 2014 ضريبة دخل 490 دينار واقتطاع ضمان اجتماعي 337.5 دينار. في 2015 ضريبة دخل 791 دينار شهري واقتطاع ضمان 350 دينار. مجمل الاقتطاع يصبح 1058 دينار بنسبة زيادة 28% عن 2014.

 موظف متزوج راتبه 5000 دينار بالشهر.  بلا اطفال في المدارس ومع تامين صحي. في 2014 ضريبة دخل 350 واقتطاع ضمان اجتماعي 337.5 دينار. في 2015 ضريبة دخل 541.75 واقتطاع ضمان 350 دينار. مجمل الاقتطاع يصبح 891.75 دينار بنسبة زيادة 30% عن 2014.

Monday, September 8, 2014

مرونة قطاع الاسكان الاردني: ازدهار البناء في الشمال مثالا

قدوم الاشقاء اللاجئين من سوريا بعد 2011 الى الاردن (وخصوصا في محافظات الشمال) كان له اثر كبير على اسعار الايجار في المدن والبلدات التي تركز بها النزوح السوري. يمكن _ استنادا الى الارقام الرسمية_ تبيان ديناميكة زيادة الطلب على العقار والمساكن في الاردن على زيادة حركة بناء المساكن لتلبية هذه الزيادة في الطلب.

في 2012 زادت مساحات العقارات الحاصلة على رخص انشاء في الاردن بنسبة 6% (عن 2011) لتصل الى 12.9 مليون متر مربع. وفي 2013 ارتفع الرقم بنسبة 8% ليصل الى 13.99 مليون متر مربع. ومع منتصف العام 2014 ارتفعت مساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في الاردن بنسبة 13% عن الفترة المماثلة في 2013.

ارتفعت حصة اقليم الشمال من مجمل المساحات من 17% في 2011 الى 20% في 2012 و الى 24% في 2013 و 25% في منتصف 2014. وذلك بسبب نمو مساحات العقار الحاصلة على ترخيص في الشمال بوتيرة اعلى بكثير من اقليمي الوسط والجنوب. فقد زادت مساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في اقليم الشمال في 2012 بنسبة 26% عن 2011. فيما ارتفعت باقليم الوسط بنسبة 4.6% فقط وانخفضت باقليم الجنوب بنسبة 21%. وفي 2013 زادت مساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في اقليم الشمال بنسبة 26.4% عن 2012. فيما ارتفعت باقليم الوسط بنسبة 2.3% فقط وزادت باقليم الجنوب بنسبة 22% لذات السنة.

بالارقام المطلقة زادت المساحات المرخصة في 2012 على مستوى الاردن ب 746 الف متر مربع. كانت حصة اقليم الشمال من هذه الزيادة 541 الف متر مربع بنسبة 73% من مجمل الزيادة على مستوى الاردن مع ان حصة اقليم الشمال من مجمل البناء كانت 20.4% فقط تلك السنة. وفي 2013  زادت المساحات المرخصة على مستوى الاردن بمليون و78 الف متر مربع. كانت حصة اقليم الشمال من هذه الزيادة 695 الف متر مربع بنسبة 65% من مجمل الزيادة على مستوى الاردن مما رفع حصة اقليم الشمال من مجمل المساحات الى اكثر من 24% في 2013.

واضح اذن ازدهار نشاط البناء في اقليم الشمال بشكل كبير في اخر سنتين ونصف. ديناميكة العرض و الطلب في الشمال زادت من حركة البناء هناك بحوالي مليون و800 الف متر مربع باخر سنتين تقديرا (الفرق بين الرقم الفعلي والرقم الافتراضي لو نمت حركة البناء بالشمال بنفس نسبة نمو اقليم الوسط). اي ان مرونة السوق وقوى العرض والطلب ضخت في سوق الاسكان في اقليم الشمال اكثر من 300 مليون دينار اضافي لمواكبة زيادة الطلب على المساكن في الشمال.

الازدهار هذا امر ايجابي على عدة محاور منها:

-        اثبات فعالية ديناميكية العرض والطلب ساهمت باقدام الاهالي والشركات على الاستثمار بالبناء لمواكبة الطلب الكبير على المساكن الذي سببه ازدياد عدد المواطنين السوريين في محافظات شمال الاردن.

-        زيادة عرض الوحدات السكنية في الشمال سيساهم حتما في تخفيف الضغوط التصاعدية على مستوى الايجارات بنسب عالية غير منطقية وهو من مصلحة الباحثين عن عقار للاستئجار.

-        حركة البناء هذه تخلق بالضرورة فرص عمل جديدة وتنشط الحركة التجارية قطاعات اقتصادية مرنبطة (مفروشات بنوك اتصالات الخ)

يبقى ان السبب الرئيس براي لمرونة قطاع الاسكان الاردني هو انه ليس مدارا باسلوب مركزي بيروقراطي حكومي بل يحركه اساسا شركات وافراد قطاع خاص متنافسون راغبون بالربح. يعني بالعامية: " مش زي سكن كريم لعيش كريم" !

Monday, September 1, 2014

برنامج شبكة الالياف الضوئية الوطني: هل يصبح مشغل اتصالات حكومي مع احتكار؟

بدأ برنامج شبكة الألياف الضوئية الوطني في 2003 وباكورته كانت  شبكة الجامعات التي تربط 8 جامعات حكومية وهي تعمل منذ 30 حزيران 2004 ( الآن أصبحت الشبكة تحت إدارة شركة شبكة الجامعات الأردنية).

وبحسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فان العام 2014 سيشهد انجاز التالي:

-        البدء بمشروع اســتكمال شــبكة الألياف الضوئيــة الوطنية لربط المدارس ومديريات التربية و المؤسسات الحكومية و المستشفيات و المؤسسات الصحيـة فـــي مناطق الكرك ومعان و الطفيلة و عمان والزرقاء ومأدبا والبلقاء.

-        البدء بمشروع توريد و تركيب و تشــغيل  الأجهزة الخاصة باستكمال شـبكة الألياف الضوئية الوطنية لربط المدارس ومديريات التربية و المؤسسات الحكومية و المؤسسات الصحية في مناطق الوسط و الجنوب وفـــي مناطق الشمال المرحلة الثانية.

تلخيصا يهدف المشروع الى بناء شبكة واسعة من الالياف الضوئية لربط حوالي 5000 جهة حكومية (من مدارس ومستشفيات ومستوصفات) في الاردن. وفد رصدت الحكومة للمشروع حوالي 150 مليون دولار بحسب تصريحات من الوزارة. وسيتم تشغيل الشبكة وتقديم الدعم الفني لها عبر تمويل من الحكومة المركزية بعد ان تختار جهة لادارة هذه الشبكة عبر عطاء.

لا شك ان الاستثمار في انشاء شبكات الالياف الضوئية في المدن والقرى الاردنية هو ايجابي يامتياز. فشبكات الالياف الضوئية هي الوسيلة الامثل لتقديم خدمات الانترنت عالية السرعة والتي تشكل اساس الاقتصاد المعرفي.

لكن الرؤية الحالية تلغي المنافسة في تقديم خدمات الانترنت ونقل البيانات في القطاع الحكومي: خمسة الاف مؤسسة حكومية ستكون ملزمة بالحصول على خدمات الاتصالات من هذا المشغل الحكومي الجديد بدون وجود خيار للاعتماد على مشغلين اخرين مع ما قد يقدمونه من خيارات وتقنيات مضافة. كذلك فان هذا المشغل الجديد المملوك للحكومة سيولد وهو ضامن لسوق اسير (من 5000 جهة حكومية) لا تنافسه فيه اي شركة. صحيح ان هذا المشغل الحكومي الجديد سيكون مدارا من قبل جهة حصلت على حق الادارة بعطاء تنافسي لكن المشغل نفسه سيتمتع بالاحتكار.

بحجم استثمار راسمالي نهائي قد يتجاوز 180 مليون دينار ستكون الكلفة التشغيلية السنوية لادارة الشبكة الحكومية (المشغل الحكومي) ما بين 9 مليون دينار سنويا الى 13 مليون دينار سنويا (5% الى 7% من حجم الاستثمار). حيث تشمل الكلفة التشغيلية رواتب الموظفين والكهرباء ومصاريف الصيانة ورسوم تراخيص البرمجيات الخ. وعلى فرض عمر افتراضي لاجهزة الشبكة ب 15 سنة فان الكلفة السنوية الشاملة لتشغيل الشبكة ستكون حوالي 23 مليون دينار سنوي.وعليه فان ربط 5000 جهة حكومية بشبكة الالياف الضوئية سيكلف الحكومة 23 مليون دينار سنويا. وبلا منافسة.

وبما ان المشغل الحكومي سيكون مدارا وممولا بشكل مركزي من ميزانية الحكومة فان خمسة الاف مؤسسة حكومية لن تشعر بكلفة ربطها بالانترنت عالي السرعة وستعتبرها مجانية وبنفس لن يكون لها حق الاعتراض على نوع الخدمة المقدمة لانه لا منافسة في الموضوع. وبنفس الوقت ان المشغل الحكومي الجديد _المعفي من ضغوطات المنافسة_ سيعفى ايضا من ضغوطات تقديم الخدمة الافضل. فزبائنه "مجبورون به" وهو "مجبور بهم"! كذلك بدون اي نوع من المنافسة من يضمن ان يكون المشغل الحكومي الجديد خيارا ذا جدوى اقتصادية طالما لا نعلم كم سيكلف ربط نفس الجهات الحكومية في سوق تنافسي؟ خصوصا ان الحكومة (الحالية او حكومات مستقبلية) قد تخضع لاغراءات توظيف موظفين في المشغل الحكومي لا على اساس الحاجة لهم بل بسبب ضغوطات مختلفة فنصل مرحلة يكون فيها المشغل الحكومي _المتمتع بالاحتكار والتمويل المضمونين_ بلا اي فعالية اقتصادية.

مرة اخرى الموضوع ليس فرق بين مشغل حكومي بقطاع عام او مشغل قطاع خاص. الاهم والاساس هو توفر المنافسة الفاعلة الحقيقية في كل قطاع اقتصادي. وضمان وجود المنافسة وديمومتها هو من اهم ادوار اي حكومة.

ولان الاستثمار في شبكات الالياف الضوئية هو شيء ايجابي بالمطلق فلربما تكون المقترحات التالية هي الطريق نحو تعظيم منافع هذا الاستثمار وتفادي مشاكل الاحتكار:

-        فتح باب المنافسة لاستخدام شبكة الالياف الضوئية الوطنية لكافة مشغلي شبكات الاتصالات السلكية والاسلكية بالاردن مقابل دفع ايجار سنوي للحكومة من قبل اي مشغل يرغب ياستخدامها كجزء من تقديم خدمات الاتصالات الخاصة به.  ويكون تحديد الايجار للالياف الضوئية باسلوب العطاءات التنافسية.

-        فتح باب المنافسة لخدمة وتوصيل الخمسة الاف مؤسسة حكومية عبر عطاءات تنافسية سنوية لضمانة ان تكون الكلفة السنوية هي الامثل. مع التفكير بضرورة ان يقدم خدمة الربط اكثر من مشغل اتصالات لكل جهة حكومية لضمان استمرارية الخدمة ومرونتها.

-        ولا مانع طبعا ان اصرت الحكومة على وجود مشغل حكومي لشبكة الألياف الضوئية الوطني ان يشارك هذا المشغل الحكومي في المنافسة لتقديم الخدمة للجهات الحكومية.

ضمان المنافسة وديمومتها _ مع بقاء 5000 جهة حكومية في ديناميكة السوق التنافسية بدلا من تسويرهم باحتكار _ افضل من ضمان احتكار لمشغل حكومي ممول مركزيا بلا اي ضغوط تنافسية.

فلنتذكر: في قطاع الاتصالات استبدلنا فيه _ كبلد _ احتكار المؤسسة الحكومية بسوق تنافسية بالكامل فيها استثمارات خارجية مباشرة ومشغلين من القطاع خاص (يتحملون كافة مخاطر الاستثمار من دون اي ضمانة حكومية). وبسبب المنافسة استفاد المستخدمون من تخفيض اسعار الخدمات وتعدد الخيارات وانتشار الاستخدام بشكل واسع. واستفادت الخزينة من تحصيلات ضريبية كبيرة. ولنتذكر: ان الخصخصة في قطاع الاتصالات اتت بالتزامن مع ادخال المنافسة وضمان استمرارية المنافسة الفاعلة وبلا اي ضمان لربح اي مساهم. لان اساس قصة النجاح هي المنافسة وديمومتها.

Thursday, August 28, 2014

تفنيد مسوغات الاحتكار في تامين العاملين في المنازل: رد على الرد الحكومي

بعد المقال في خبرني عن احتكار تامين العاملين بالمنازل (احتكار جديد وايضا برعاية حكومية: تامين العاملين في المنازل( قامت وزارة الصناعة والتجارة مشكورة بنشر موقفها في الصحافة بخصوص موافقتها على استنثاء الاتفاقية من بنود المادتين الخامسة والسادسة من قانون المنافسة رقم 33 لسنة 2004 واللتان تمنعان اي احتكار. وجاء قرار الوزارة بعد تقدم النقابة بطلب استثناء سندا لاحكام المادة السابعة من قانون المنافسة رقم 33 لسنة 2004 وتعديلاته والذي يتضمن طلب الموافقة على استثناء احدى الممارسات التي يبررها النفع العام من تطبيق احكام المادة (5/أ) من ذات القانون ، المتمثلة بقيام النقابة باختيار شركة تامين واحدة من خلال عطاء تنافسي والزام مكاتب الاستقدام بالتعاقد معها دون غيرها لغايات تأمين العاملات والخادمات في المنازل.

واستندت الوزارة في قرار الموافقة على منح الاستثناء رقم (86)لسنة 2014 انها وبعد دراسة طلب الاستثناء تبين لها العديد من الايجابيات لهذه الممارسة . وفصلتها كالتالي:

اولا: تجاوز السلبيات التي يواجهها القطاع والمتمثلة في عدم التزام شركات التامين بمنافع بوليصة التأمين عن حدوث حادث او وفاة للعاملة ومماطلة شركات التأمين بالتعويض عند حدوث وفاة

الرد: كيف يكون تركيز وتحديد كل بوليصات التامين بشركة واحدة حلا لعدم التزام بعض شركات التامين سابقا ببوليصات التامين؟ بالمناسبة بعض شركات التامين ايضا تماطل في تامين الحياة او تامين السيارات او التامين الصحي. هل الحل يكون ايضا باحتكار تحدده الوزارة في قطاع تامين السيارات والحياة والصحة؟

ثانيا: اشارت الدراسة التي قامت بها الوزارة الى "ان القرار ياتي لتحقيق منافع عديدة منها الحصول على تغطيات افضل للمنتفعين من البوليصة الى جانب السهولة في تطبيق منافع التأمين الموجودة في البوليصة كتحديد المستشفيات مسبقا في حالة علاج العاملات مما يخدم الشخص المؤمن عليه ، بالاضافة الى عدم تحمل صاحب المنزل والعاملة واي تكاليف او اعباء مالية اضافية جراء اضافة تامين حالات الهروب الى بوليصة التأمين "
الرد: الحصول على تغطيات افضل يكون حله بتحديد شروط دنيا لبوليصة تامين العاملات بالمنزل ولا يكون باحتكار لشركة واحدة. فتامين السيارات مثلا شروطه الدنيا موحدة لجميع شركات التامين. فكل المذكور اعلاه حله بالشروط الدنيا او الموحدة لبوليصة التامين ولا يكون بحصر التامين بشركة واحدة فقط.

ثالثا: وتقول الوزارة ايضا ان فرض الاحتكار يعني "سهولة التعامل مع شركة واحدة لتكون المرجعية الوحيدة للعاملات داخل الممملكة وضمان سرعة الحصول على التعويضات المحددة في بوليصة التأمين"   

الرد: هذه جديدة تماما! كيف يصبح فرض شركة واحدة فقط على المستهلكين فيه سهولة التعامل وضمان سرعة التعويضات؟ على العكس: يمكن الافتراض ان من يوظفون عاملات المنازل هم في الاغلب من الطبقة الغنية او الوسطى العليا. وارباب تللك العائلات لهم علاقات قديمة مع شركات تامين في القطاع لتامين سيارتهم وكذلك _ للكثير منهم_ للتامين الصحي وتامين الحياة لشركاتهم واعمالهم. بالتالي الخدمة التامينية ستكون افضل لهم اذا طلبوها من شركات يتعاملون معها سنويا اصلا ويدفعون لها اقساطا بالاف الدنانير. فاي شركة تامين ستفكر مليا قبل محاولة التنصل او تعطيل منافع بوليصة تامين او تقديم خدمة سيئة لزبائن قديمين يؤمنون عندها ايضا سيارتهم واعمالهم.

رابعا : تقول الوزارة انها وجدت "ان طرح عطاء تنافسي من قبل النقابة لشركات التأمين على عاملات المنازل سيوفر قدرا كافيا من المنافسة بين هذه الشركات لتقديم عروض افضل من حيث السعر وجودة الخدمات "
الرد: فلنتذكر ان نقابة أصحاب مكاتب استقدام واستخدام العاملين في المنازل من غير الأردنيين هي نقابة لمؤسسات قطاع خاص وان شركة التامين هي شركة قطاع خاص. من حق النقابة ان تتفق مع من تشاء فيما يخص مكاتبها واعضاءها ولكن لا حق لها في فرض رايها على من يؤمن عاملة المنزل عنده عند تجديد تصريح العمل والاقامة. اي ان هكذا اتفاقية حصرية مع شركة تامين واحدة يمكن هضمها _بصعوبة شديدة_ لو اقتصرت فقط على عاملات المنازل الجدد اللواتي ياتين الى الاردن كل سنة عبر المكاتب الاعضاء في النقابة. فيكون هذا قرارا للمكاتب فيما بخص اعمالهم. لكن ان يتوسع الاختيار الحصري للنقابة ليشمل 40 الف عاملة تجدد اقامتها سنويا فهو فرض احتكار يخالف كل الادبيات الاقتصادية.

الحل المقترح مرة اخرى: اشتراط التامين وشروط البوليصة امران جيدان. السيء في هذا القرار هو تثبيت سعر بوليصة التامين وحصر الخدمة بشركة تامين واحدة فقط. لذلك يجب على وزارة العمل ان تصوب الوضع باسلوب سهل وبسيط:

-        وضع نص واضح وموحد لبوليصة التامين وتكون هذه البوليصة الموحدة لازمة للحصول على تصريح العمل.

-        السماح لكل شركات التامين التي تريد ان تقدم هذه الخدمة التامينية بتقديمها.

-        تحديد حد اعلى لسعر بوليصة التامين للمواطنين مع السماح لشركات التامين المتنافسة بتخفيض الاسعار اذا ارادت. فمثلا عاملة منزل تعمل في نفس البيت لاكثر من 10 سنوات سيكون احتمال هروبها اقل من عاملة منزل جديدة وشركات التامين قد تعطي خصم على بوليصة التامين في هكذا حالة.

لان القصة اساسا ليست بقطاع عام او قطاع خاص. الاهم توفر المنافسة الفاعلة الحقيقية في كل قطاع اقتصادي. وضمان وجود المنافسة وديمومتها هو من اهم ادوار اي حكومة.