Thursday, February 7, 2019

تفضيل الاقتراض الحكومي الخارجي واسطوانة عدم مزاحمة القطاع الخاص

نشر في صحيفة الغد يوم 6 شباط 2019
تحتاج الخزينة الأردنية قروضا جديدة سنوية بقيمة حوالي بليون دولار هي تقريبا قيمة عجز الميزانية بعد المنح والمساعدات. وفي الآونة الأخيرة تكررت مقولة ان الاقتراض الخارجي (أي من خارج السوق المصرفي الأردني ومن خارج أدوات الدين العام المحلية) أفضل لكي لا يزاحم القطاع الخاص قي القروض المحلية والتي يحتاجها لتمويل اعماله وتوسعه. وتبع ذلك الفرحة العارمة بالقرض الجديد من البنك الدولي. هذه المقولة تحتاج بعض التمحيص لأنها قد تنطوي على فرضيات خاطئة أهمها ان القدرة الاقراضية للسوق المحلي (بنوكا ومستثمرين) ثابتة ولا تزيد مع الطلب.

بداية هناك إيجابيات وسلبيات للاقتراض الخارجي والداخلي والاقتراض بالعملة المحلية مقابل العملة الصعبة يمكن تلخيصها بالآتي:

-        الاقتراض الخارجي بالدولار يساهم في رفع مستوى الاحتياطيات الأجنبية في البنك المركزي وهو ما لا يتحقق عبر الاقتراض المحلي بالدينار. لكن الاقتراض المحلي بالدولار يحقق نفس النتيجة إذا ما استقطب ودائع جديدة بالدولار من خارج الاردن.

-        عند الاقتراض محليا (بالدينار او الدولار) فان حوالي ثلث الفائدة المدفوعة تعود للخزينة كضرائب دخل على الجهاز المصرفي عكس القروض الخارجية التي تذهب فوائدها أرباحا لجهات خارج الأردن. وعليه فان كلفة القرض المحلي الحقيقية على الخزينة تقل بالثلث تقريبا عن سعر الفائدة المدفوع. وهذا يعني ان القرض المحلي الذي يدفع 6% فائدة مثلا يوازي قرضا اجنبيا بفائدة 4% من ناحية الكلفة الحقيقية على الحكومة.

-        كذلك فان الفوائد المدفوعة للاقتراض المحلي تذهب في جزء منها كقيمة مضافة للقطاع المصرفي (رواتب ومنافع موظفين وارباح بنوك) ولها تأثير مضاعف في الاقتصاد حيث يذهب جزء منها كنفقات في قطاعات اقتصادية أخرى مثل التامين والعقار وخدمات تقنية المعلومات وغيرها.

تبقى نقطة مزاحمة القطاع الخاص في الاقتراض المحلي وهي نقطة مهمة. فالبنوك المحلية حتما ستفضل اقراض الحكومة على اقراض القطاع الخاص لان الدين الحكومي بالدينار الأردني صفر المخاطرة مقارنة مع الدين للقطاع الخاص. وعليه فان ازدياد الاقتراض الحكومي بدون توسيع القدرة الاقراضية الكلية للجهاز المصرفي سيزيد من كلفة الاقتراض على القطاع الخاص. 

النقطة الأساسية هنا افتراض عدم توسع القدرة الاقراضية الكلية للجهاز المصرفي وثباتها. وافتراض ان الاقتراض الحكومي واقتراض القطاع الخاص يخضع لمعادلة صفرية بحيث يقل الاقتراض من قبل القطاع الخاص إذا زاد اقتراض الخزينة. هذه الفرضية خاطئة وليست واقعا لا فرار منه. 

في الأردن 16 بنك أردني و 9 بنوك غير اردنية بمجموع 25 بنكا. وتجاوز مجموع حقوق الملكية في القطاع المصرفي 6 بليون دينار في 2017 بنمو بنسبة 4% عن 2016. فيما تجاوزت موجودات القطاع المصرفي 49 بليون دينار في 2017 بنمو 1.5% عن 2016. منها أكثر من 22.5 بليون ديونا على القطاع الخاص و 10 بليون ديونا على القطاع العام. 

نظريا يمكن زيادة الإقراض الحكومي بدون مزاحمة القطاع الخاص طالما ان ودائع القطاع المصرفي تزيد بوتيرة اعلى من المبلغ المقرض للقطاع الحكومي سنويا. كذلك فان زيادة راس مال القطاع المصرفي سيزيد كثيرا من قدرته على اقراض القطاع العام بدون أي تأثير على القطاع الخاص كون الإقراض للحكومة لا يزيد العبء على نسبة معدل كفاية راس المال بسبب قلة المخاطرة في الإقراض الحكومي. 

بحسب تحليل سابق عن التركز في القطاع المصرفي الأردني تبين ان سوقنا المصرفي في الاردن حاليا لا يعاني من تركز عال وفيه _في الوقت ذاته_ مجال لعمليات اندماج واستحواذ بين البنوك الصغيرة من دون تأثير سلبي على مقياس التركز. خصوصا ان اكثر من نصف البنوك تحقق أرباحا متواضعة مقارنة بحقوق الملكية.

نعلم كذلك ان البنك المركزي يحاول تشجيع اندماج البنوك الصغيرة منذ فترة طويلة بلا نجاح يذكر. ولربما
يكون عدم التشجيع الواضح لترخيص بنوك اردنية جديدة سببا في عدم نجاح سياسة تشجيع الاندماج بين البنوك الصغيرة. فهذا التوجه لعدم تشجيع انشاء بنوك اردنية جديدة يجعل رخصة البنك العامل في الاردن ذات قيمة عالية _بنظر مالكيها على الاقل_ مرتبطة بندرتها وعدم توفرها لداخلين جدد. 

ولربما يكون الطريق الانجح نحو تحفيز الاندماج بين البنوك في الاردن عبر فتح المجال وتشجيع انشاء بنوك تجارية واسلامية اردنية جديدة بدلا من سياسة عدم تشجيع اي ترخيص جديد. وهنا يجب التذكير بان البنوك لا تستخدم مصادر عامة محدودة كالترددات او المناجم او ابار النفط. لذلك لا تجد تحديدا لاي حد اقصى لعدد البنوك في الدول الصناعية الكبرى بل يترك العدد لقوى السوق في كل دولة مع تركيز البنوك المركزية والمنظمين والحكومات على الاطر التشريعية والتنظيمية والضريبية الصارمة للبنوك، أضافة الى التدخل السريع لمنع التركز ومنع ومعاقبة الممارسات الاحتكارية والمعادية للمنافسة.

هذا الاسلوب قد يكون ملائما للأردن لتحفيز السوق نحو الاندماج بين البنوك الصغيرة والمتوسطة والتي ستقلل من الكلف وتزيد الكفاءة وربما تجذب استثمارات وودائع جديدة في السوق المصرفي الأردني تزيد من قدرة القطاع على الإقراض الحكومي (بالدينار والدولار) وبذات الوقت الاستمرار في التوسع في اقراض القطاع الخاص. وههنا مقترحات اولية تقبل النقد والنقاش:

-        اعلان رسمي واضح عن ترحيب البنك المركزي في الاردن بأنشاء بنوك تجارية واسلامية اردنية جديدة شريطة ان تكون شركات مساهمة عامة براس مال لا يقل عن 300 مليون دينار مثلا وهو مبلغ اعلى من لراس مال ثاني أكبر بنك في الاردن. بمعنى ان لا تعطى التراخيص الا للبنوك الكبيرة منذ البداية.

-        الاعلان وبوضوح على ان الاردن لن يحدد الحد الاعلى للبنوك العاملة فيه وان الترخيص سيعطى لاي بنك جديد يستوفي شروط الترخيص. وهذا كفيل بتغيير نظرة البنوك الصغيرة الى قيمة الترخيص التي تملكه من شىء ثمين للغاية يكون _لوحده_ سبب لعدم التفكير بالاندماج مع بنوك اخرى الى مسالة روتينية بدون قيمة عالية.

-        اعلان الحكومة كذلك على تفضيل الاقتراض من القطاع المصرفي المحلي على الاقتراض الخارجي شريطة ان لا يزيد الاقتراض الحكومي الإضافي سنويا عن الزيادة في راس مال البنوك الأردنية في نفس السنة او عن نسبة معينة من الزيادة في الودائع لدى هذه البنوك لضمان عدم التقليل من رغبة البنوك في اقراض القطاع الخاص. وهذا الإعلان الحكومي سيكون نقطة جذب لمستثمرين جدد في القطاع المصرفي لجاذبية العائد.

الاعلان عن امكانية دخول بنوك جديدة الى السوق قد يكون لوحده كافيا _قبل دخول اي بنك جديد_ لتحفيز الاندماج بين البنوك الصغيرة التي ستقلق حتما من تأثير دخول بنوك جديدة برأسمال عال على حصتها السوقية وربحها. واذا ما دخلت بنوك جديدة السوق فهذا سياتي بمنافع عديدة من ضمنها تمتين القاعدة الرأسمالية الكلية للقطاع المصرفي الاردني وزيادة نسبة الاشخاص المستخدمين للخدمات المصرفية في الاردن. كذلك ستزيد فرص استخدام اساليب مبتكرة وجديدة للخدمات المصرفية تشمل _على سبيل المثال لا الحصر _ بنوك الانترنت التي لا تملك شبكة فروع بل تستخدم تحالفات مع شركات غير بنكية لتقديم الخدمات المصرفية بكلفة اقل وانتشار اكثر. كل هذا قد يزيد من جاذبية القطاع المصرفي الأردني لاستقطاب استثمارات فيه من مستثمرين أردنيين مقيمين او مغتربين ومن مستثمرين غير أردنيين. وأيضا استقطاب مزيدا من الودائع بالعملة المحلية والعملات الصغبة.

تلخيصا القدرة الاقراضية للقطاع المصرفي والسوق المحلي (بنوكا ومستثمرين) ليست ثابتة بل المفترض انها تزيد مع الطلب. ولهذا لا أساس للقول ان الاقتراض المحلي سيزاحم القطاع الخاص. لكن التوسع في الاستثمار في القطاع المصرفي الأردن مقيد بسياسات بنك مركزي لا تشجع على انشاء بنوك اردنية جديدة بحجة تشجيع اندماج البنوك. وهي سياسة لم تنجح لتاريخه. المطلوب سياسة جديدة تكون نتائجها استثمارات جديدة في القطاع المصرفي وعمليات اندماج تحصل بعوامل المنافسة.

Monday, January 28, 2019

عطلة الثلج والاجازات: كثيرون في الأردن يعطلون أكثر من الالمان


نشر في صحيفة الغد يوم 28 كانون الثاني 2019

قبل أسبوعين وافق مجلس النواب على زيادة عدد الاجازات في قانون العمل من 14 الى 18 يوما لمن تقل خدمتهم عن خمس سنوات ومن 21 الى 24 يوما لمن تزيد خدمتهم عن خمس سنوات. وبعده أعلن مجلس الوزراء عطلة ثلج رسمية _شملت العقبة ومعان والغور والتي لم تشهد لا ثلوجا ولا امطارا _ بسبب بعض تراكم للثلوج في أجزاء من مدن مثل عجلون والسلط وعمان.

وانطلقت بعدها نقاشات وكتابات كثيرة تتهم شركات القطاع الخاص التي اعترضت على إجازة الثلج بامتهان حقوق العمال والموظفين وتطرق الكثيرون الى اجراء مقارنات ومفارقات ما بين وضع الاجازات في الأردن وبين وضعها في دول العالم الصناعي المتقدم والتركيز على المانيا التي تتميز بانها أكثر دولة في أوروبا من ناحية اجازات عمالها وموظفيها.

فلنبدأ ببعض الحقائق. بحسب ثومسون رويترز _ وويكبيديا أيضا _ فان القانون الاتحادي الألماني يقرر التالي فيما يخص الاجازات: قانونا لكل عامل في القطاع الخاص يعمل خمسة أيام في الأسبوع 20 يوم إجازة سنويا تصبح 24 يوما لمن يعمل ستة أيام في الأسبوع. مع الإشارة الى ان كثيرا من الشركات تمنح 30 يوم إجازة كما تفعل الحكومة الألمانية مع موظفيها. وفي المانيا أيام عطل رسمية تتراوح بين 9 الى 14 يوم بحسب الولاية. تلخيصا، في المانيا 104 أيام عطل أسبوعية بالإضافة الى 30 يوم إجازة سنوية خاصة و 9 الى 14 يوم عطلة رسمية بمجموع 143 يوم الى 148 يوم. مع الإشارة الى ان القانون يسمح للقطاع الخاص ان ينخفض مجموع أيام العطل لديه الى 133 يوم في السنة بحسب قرار صاحب العمل.

فلننظر الان الى حالة العطل في الأردن بحسب القانون الحالي قبل تعديل مجلس النواب الأخير. العامل الذي يعمل خمسة أيام في الأسبوع وعمل في شركته أكثر من خمس سنوات يحصل على 21 يوم إجازة و 16 يوم عطلة رسمية و 104 يوم نهاية أسبوع في السنة بمجموع 141 يوم في السنة. والعامل الي لم يتجاوز عمله في شركته اكثر من خمس سنوات له 14 يوم إجازة و 16 يوم عطلة رسمية و 104 يوم نهاية أسبوع بمجموع 134 يوما في العام. أي ان مجموع عطل العامل الأردني اعلى من الحد الأدنى القانوني في المانيا بيوم الى 8 أيام قبل الزيادة الأخيرة في مجلس النواب. وبنفس الوقت فان مجموع عطل العامل الأردني الذي يعمل خمسة أيام في الأسبوع يقل عن المعدل المتعارف عليه في المانيا من يومين الى 14 يوم بحسب عدد سنوات الخدمة وبحسب ولاية العامل الالماني. 

لكننا يجب ان لا ننسى ان الدوام في شهر رمضان الفضيل يقل ساعتي عمل يوميا أي ربع يوم عمل كل يوم بمجموع خمسة أيام شهريا لمن يعمل خمسة أيام في الأسبوع. كذلك فان العامل المسيحي يحصل أيضا على يومي عطلة لعيد الفصح ويوم عطلة لاحد الشعانين ويوم ثان لعيد الميلاد. فيكون المجموع الإضافي ما يساوي خمسة أيام عطلة إضافية لمعظم العاملين في الأردن ترتفع الى تسعة أيام عطلة إضافية للعمال والموظفين المسيحيين. مع حساب هذه الأيام يصبح مجموع عطل العامل الأردني الذي يعطل يومين في الأسبوع من 139 الى 151 يوم (بحسب عدد سنوات الخدمة والدين!). وهو اعلى من الحد الأدنى القانوني في المانيا ب 6 أيام الى 18 يوم. وهو أيضا اعلى من المعدل المتعارف عليه في المانيا في كثير من الحالات واقل من المعدل المتعارف عليه هناك في بعض الحالات بحسب مدة الخدمة في الاردن  والولاية في المانيا.  

لاحظوا كذلك ان معدل العطل في المانيا ليس مفروضا بالقانون. القانون الاتحادي هناك يحدد الحد الأدنى الذي يقل عن واقع الحال في الأردن. المعدل العالي للعطل هناك سببه أساسا ازدهار المانيا ونجاحها الصناعي. فعلى الاغلب ان سبب ازدهار المانيا هو ليس كثرة إجازات الألمان بل ان العمل والإنتاج والازدهار هناك ادى إلى زيادة الإجازات والرفاهية في كثير من الشركات. فلم اسمع قط عن دولة ازدهرت بسبب زيادة أيام التعطيل! والا لكان الحل بسيطا في الأردن لتخفيض نسب البطالة وتحفيز الاقتصاد: زيدوا الاجازات! 

المانيا كمعظم دول العالم اقتصادها رأسمالي. أساس هذا الاقتصاد الرأسمالي ان القيمة المضافة لعمل الموظفين والعمال يجب ان تزيد عن كلفة رواتبهم بحيث تتوزع أرباحا وضرائب. بدون هذا الأساس لن يحصل استثمار في شركات ومصانع ومزارع ولا أي توسع في التشغيل وخلق فرص العمل. وتجدر هنا الملاحظة ان حوالي خمس القوى العاملة في المانيا لا يعملون بوظائف وعقود ثابتة ودائمة بل عبر نظام التشغيل الجزئي بسبب قوانين العمل هناك. وبالطبع فان رواتب ومنافع العمال في المانيا اعلى بكثير منها في الأردن وهذا ايضا ينطبق على أرباح الشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة هناك والتي هي أيضا اعلى بكثير من مثيلاتها في الأردن. 

لا خلاف ان نظم الإدارة الحديثة في كثير من الاعمال تعتمد على منتجات العمل لا أوقات الدوام لقياس إنتاجية العامل. وفي سبيل هذا تستخدم الدوام المرن والعمل من البيت وأنظمة حوافز حديثة. لكن كل هذا لا يعني زيادة أيام العطل الكلية. ففي التعطيل يتوقف العمل والإنتاج. ولنتذكر ان كثيرا من الاعمال أساسها الوجود في مكان العمل مثل موظف الاستقبال في الفندق او الطباخ والنادل في المطعم او الميكانيكي في المشغل. 

كما اسلفت في مقال سابق فان الفرق بين عطلة نهاية اسبوع مدتها يومان وبين عطلة نهاية أسبوع يوم واحد هو 52 يوم عطلة بالتمام والكمال. وعليه يجب الاخذ بعين الاعتبار ان كانت الشركة الأردنية تعطل يومين في الأسبوع او يوم ونصف او يوم في الأسبوع. وبدلا من زيادة الاجازة بالمطلق للجميع _كما قررها مجلس النواب_ يجب ان تقتصر زيادة أيام الاجازة على من يعمل ستة أيام في الأسبوع لا من يعمل خمسة أيام في الأسبوع. وهذا القرار الان بين يدي مجلس الاعيان.
 
أخيرا لا يستوي الحديث عن اللامركزية وتعظيم دور التنمية المحلية مع قرار تعطيل مركزي من دولة رئيس الوزراء. عطل الأحوال الجوية الطارئة يجب ان تكون على مستوى المحافظة والمدن فيها بحسب الظروف الجوية لكل محافظة ولواء. كذلك يجب أن يكون القرار بعدم الذهاب إلى مراكز العمل لا التعطيل الكلي. لان الكثيرون يستطيعون العمل من البيت في يوم الثلجة بدون اية مشاكل.

Thursday, January 24, 2019

العفو العام وكلفة السجون والأرقام غير المنطقية



نشر في صحيفة الفد يوم 23 كانون الثاني 2019

750 دينار شهريا كلفة كل سجين في مراكز الإصلاح والتأهيل في الأردن. هذا الرقم تكرر كثيرا في مناقشات العفو العام كسبب اخر للتوسع في العفو العام من منظور توفير النفقات على الخزينة. بوجود ما يزيد عن 17500 سجين في الأردن يستنتج ان الكلفة الاجمالية السنوية تبلغ 157 مليون دينار ونصف. 

بداية انا ضد العفو العام الذي يساوي بين النزيل الذي قضى جزءا كبيرا من محكوميته في السجن وبين المجرم الفار من وجه العدالة الذي لم يبد ندما ولم يقض يوما في السجن. وأتمنى لو ان الاهتمام ينصب على التأهيل والإصلاح وإخراج السجناء اللذين أبدوا الندم وقضوا جزءا من العقوبة وحصلوا على صلح واسقاط للحقوق الشخصية من اللذين أجرموا بحقهم. بمعنى اخر لربما كان الأفضل جملة كبيره من قرارات العفو الخاص _حالة بحالة _ لا عفو عاما لا يميز بين من ندم واستقام وبين من بقي على اجرامه. بحيث يقتصر أي عفو عام على القضايا ذات الصبغة السياسية وقضايا الراي والتعبير. وعلى هامش العفو لربما يجب ان يطلب من أي نائب او عين يصوت على مشروع قانون للعفو العام الكشف عن أية قضايا عليه والامتناع عن التصويت على أية بنود في العفو تحقق له او لعائلته منافع شخصية. فالأصل ان التشريع للمصلحة العامة لا الخاصة. 

عود على بدء في موضوع كلفة السجون. ركز من روجوا لعفو عام واسع على الفائدة المالية من العفو بتخفيف كلفة المساجين وكرروا رقم الكلفة الشهرية بواقع 750 دينار وهو الرقم الذي استوقفني أكثر من مرة وحاولت الوصول الى تفاصيل الدراسة التي خرجت بهذا الرقم بدون جدوى. وعليه طبقت عليه اختبار "العقلانية والمنطقية" لتمحيصه: 

في الأردن وبحسب مسوحات وأرقام دائرة الإحصاءات العامة فان 47% من الاسر الأردنية يبلغ معدل دخلها 352 دينار شهريا (70 دينار للفرد). فهل يعقل ان تكون كلفة السجين الواحد في الأردن أكثر من عشرة اضعاف دخل الفرد لنصف سكان الأردن؟ وبين نفس المسح ان 85% من الاسر في الأردن دخلهم اقل من 825 دينار شهريا (107 دنانير للفرد). فهل يعقل ان تكون كلفة السجين الواحد في الأردن أكثر من سبعة اضعاف دخل الفرد ل 85% من الاردنيين؟

عدت وطبقت مقارنة ثانية مع نفقات وزارة التربية والتعليم المسؤولة عن مليونين من الطلاب في كل مدارس الأردن. بلغ اجمالي نفقات الوزارة في 2018 _بحسب ارقام الميزانية الرسمية _ 905 مليون دينار شاملا النفقات الجارية والرأسمالية. أي ان كل طالب يكلف الوزارة 452 دينار سنويا (37 دينار شهريا). فهل يعقل ان تكون كلفة السجين 20 صعف كلفة تعليم الطلاب في المدارس الحكومية مع الاخذ بعين الاعتبار كوادر المدارس الكبيرة من معلمين ومشرفين وإداريين ونفقات صيانة الاف المدارس؟ 

تمحصت أكثر في الميزانية وخصوصا ميزانية الامن العام. وتبين ان بند "ارزاق السجون" بلغ خمسة ملايين و750 ألف دينار في 2018. وعليه تكون الكلف المباشرة لنزلاء السجون 328 دينار سنويا لكل نزيل (اي 27 دينار شهريا). طبعا هناك نفقات رواتب الجهاز واستهلاكات المباني والاليات وصيانتها وغيرها من النفقات الإدارية. لكن هل تصل كل هذه الى 26 ضعف الكلفة المباشرة؟ والاهم ان النفقات الثابتة في السجون (كرواتب مرتبات الامن العام وادامة المباني وصيانتها وغيرها) على الاغلب ستبقى ثابتة سواء كان السجن فيه مائة نزيل او ألف؟

بانتظار نشر تفاصيل الدراسة كاملة اعتقد ان كلفة النزيل قد تكون 750 دينار سنويا لا شهريا. وان ثمة خطا في نقل المعلومة تلقفه البعض بدون تمحيص لأنه يناسب ما يدعون اليه. يا حبذا لو تنشر الحكومة _عبر احدى منصاتها الجديدة! _ تفاصيل دقيقة ليكون الجميع على بينة. ونعود ونذكر ان البعض استخدم حجة تخفيف كلفة السجون للدفع بالعفو العام متناسين ان العفو العام يشمل عفوا عن الهاربين من وجه العدالة وعن كل مجرم لم تكتشف جريمته بعد. 

أخيرا علق وزير مالية سابق على ذات الموضوع على تويتر بالتالي وانقله هنا حرفيا:"اللي تقوله صحيح. وال ٧٥٠ مش معروف كيف انحسبت.  بعدين على هذه الحسبة، كلفة السجناء السنوية ٢٠٠ مليون، يعني ٠،٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي و٣٥٪ من موازنة الأمن العام الفعلية."