Wednesday, July 25, 2018

الاعلام الممول حكوميا: هل نقدر عليه في الأردن؟


25 تموز 2018

أطلقت هذا الشهر قناة المملكة الفضائية من عمان بتمويل حكومي لتكون مؤسسة مستقلة ممولة من الخزينة العامة الى جانب مؤسسة الإذاعة والتلفزيون. نتمنى لها التوفيق والنجاح في توسيع قاعدة مشاهديها وجلب الإيرادات من الإنتاج والسوشال ميديا لتكون تجربة مستدامة مثل البي بي سي المستقلة البريطانية التي يراد للقناة الاردنية الجديدة ان تكون مشابهة لها.  

نتمنى لها هذا النجاح لان خزينتنا العامة لا تستحمل أي ضغط مالي جديد. فقد كلف اطلاقها 30 مليون دينار هي مجمل مخصصاتها في 2016 و2017  و 2018 .


لنحسبها: الخزينة العامة تعاني عجز مزمن وكل إنفاق جديد هو حتما إنفاق يمول بالديون. على فرض كلفة اقتراض بنسبة 5% سنويا فان كلفة إطلاق فضائية المملكة بلغت حتى نهاية 2018 ثلاثين مليون دينار مع كلفة تمويل 1.5 مليون دينار بمجموع اجمالي 31.5 مليون. ونفترض ميزانية سنوية بحوالي 20 مليون دينار تقديرا للسنوات المقبلة الثلاث ثم 10 مليون حتى 2030. فيصبح المجموع التراكمي 74 مليون مع نهاية 2020 وكذلك 262 مليون مع نهاية 2030.
أضف الى ذلك 30 مليون دينار سنويا هي ميزانية مؤسسة الإذاعة والتلفزيون "القديمة" وتقديرا ستبقى كما هي حتى عام 2030. بمجموع تراكمي مع كلفة اقتراض 480 مليون دينار.
فيصبح المجموع التراكمي لكلفة تشغيل مؤسستي التلفزيون الأردني القديم وقناة المملكة الجديدة حتى 2030 حوالي 742 مليون دينار هي عمليا ديون ستضاف الى مديونية الاردن. ومن الكلفة حوالي 202 مليون فوائد ديون.

في العالم العربي أكثر من 725 قناة فضائية مجانية موجودة تحت تصرف الاردنيين. وهناك اغلبية هائلة من مشاهدي التلفزيون في العالم العربي (أكثر من 90%) لا يشاهدون الا القنوات الفضائية. ناهيك عن اليوتيوب والاعلام الاجتماعي الذي بات مصدرا أساسيا للترفيه والاخبار للكثيرين. وعليه نسأل: كم نسبة مشاهدة قنوات مؤسسة الإذاعة والتلفزيون لدى الأردنيين والمشاهدين العرب؟ هل تعلن دوريا ويحاسب القائمون عليها على نتائجهم؟

أتمنى التوفيق للمؤسستين وأتمنى حقا النجاح المالي الكبير للمؤسستين في القريب العاجل. فعدم النجاح لا سمح الله لا يعني الا زيادة في الدين وكلفة الدين على وطني واجياله الحالية واللاحقة.

طبعا لو اننا نظرنا الى الولايات المتحدة بدلا من بريطانيا وأوروبا كنموذج للإعلام الممول حكوميا لما كلفنا الخزينة بليون دولار إضافي مع نهاية 2030. فهناك _في أكبر اقتصاد عالمي_ لا يوجد تلفزيون حكومة او تلفزيون دولة. هناك فقط الناطق الرسمي للإدارة والمؤتمرات الصحفية الدورية في البيت الأبيض وطبعا حساب الرئيس على تويتر! أسلوب أرخص كثيرا وبنفس الفعالية! ويا حبذا لو اجلنا تمويل مؤسسة تلفزيونية جديدة _على النموذج البريطاني_ الي يوم تكون فيه إيرادات الحكومة المحلية كافية لتغطية النفقات الجارية على الأقل.

Monday, May 21, 2018

العبء المالي للنقابات المهنية على الاقتصاد: نقابة المحامين مثالا

ينشغل الأردنيون هذه الأيام بالمقترح الحكومي لتعديل قانون ضريبة الدخل الذي يحمل زيادات كبيرة نسبيا في العبء الضريبي على الشركات والافراد. وكانت النقابات المهنية قد رفضت مشروع القانون المقترح عبر بيان لمجلس النقباء في 9 أيار 2018 وهو موقف جيد كون مشروع القانون يزيد العبء على الملتزمين أصلا بدلا من التركيز على توسيع القاعدة الضريبية عبر تفعيل القانون الحالي وملاحقة غير الملتزمين.

الحديث عن زيادة العبء الضريبي الحكومي يقودنا الى النظر في العبء المالي الذي تفرضه النقابات المهنية نفسها على الشركات والافراد في الاقتصاد الأردني. وهو الامر الذي يشكل ضريبة فعلية مع الفرق بان من يحصله هو النقابات المهنية لا الحكومة. لنأخذ نقابة المحامين مثالا.
  
قانون نقابة المحامين ونظام تقاعد المحامين يفرضان الأعباء المالية التالية على الشركات والمحامين:
-        1825 دينار سنويا (خمسة دنانير يوميا) من كل شركة مساهمة عامة ومن فروعها وكل شركة مساهمة خاصة وكل شركة ذات مسؤولية محدودة يزيد رأسمالها عن عشرين ألف دينار وكل مؤسسة رأسمالها أكثر من خمسين ألف وكل شركة اجنبية وكل شركة في العقبة والبترا وفي المناطق التنموية او الحرة، كغرامة إذا لم تعين الشركات محام كوكيل او مستشار قانوني. طبعا هذا يفرض حتى لو لم يكون للشركة او عليها أي قضية في أي محكمة وحتى لو كانت الشركة بموظف واحد ومكتب صغير. وتحدد النقابة أيضا حدا اقصى لكل محام يمنعه من ن يكون مستشارا قانونيا لأكثر من خمس شركات منها كحد اقصى شركتين مساهمتين عامتين.

-        لتمويل صندوق تقاعد المحامين اضافت نقابة المحامين هذه الأعباء على المحامين عام 2014 بموجب النظام المعدل لصندوق التقاعد إضافة الى اشتراكات ومساهمات المشتركين في صندوق تقاعد المحامين وحصة الصندوق من رسوم الترافع:  

o       610 دنانير سنويا من كل محام له خمس وكالات شركات. ويرتفع المبلغ ل 710 لو كان منهم شركتين مساهمتين عامتين.
o       2% من دخل كل محام من مهنة المحاماة بحسب ما يقدمه لدائرة ضريبة الدخل. ونلاحظ ان هذا البند _لسبب ما_ غير مفعل.

 أي ان صندوق تقاعد المحامين يحمل كثير من الشركات الصغيرة عبئا ماليا قد يتجاوز ما يستحق عليها من ضريبة دخل في بعض الاحيان. ويحمل المحامين أيضا عبئا ماليا قد يتجاوز ما يستحق عليهم من ضريبة دخل للحكومة. مع ان المفترض بصندوق التقاعد النقابي ان يحصر مصادر إيراداته بالمشتركين به طوعيا لا بكل المحامين والشركات الخاضعة لإلزامية توكيل المحام. أضف الى ذلك فان تحديد الحصة السوقية لكل محام يقلل من فعالية المنافسة في السوق.

هي التقاعدات. هي مصدر الألم للاقتصاد الأردني وكابح جماح نموه:
-        فالحكومة المركزية تقترض وتفرض الضرائب الإضافية لتمويل عجز التقاعد المدني البالغ أكثر من بليون دينار سنويا. ومن المتقاعدين من لم يعمل بالقطاع العام أكثر من عدة أشهر ومن المتقاعدين ايضا من لم يتجاوز الخمسين ويعمل بعمل خاص ومن المتقاعدين أيضا من يدعي المعلولية ويأخذ بدلها مع انه صاغ سليم!

-        والنقابات المهنية تستفيض في زيادة الرسوم والضرائب الفعلية لتمويل صناديق تقاعدها بعدما وصلت مرحلة لا تكفي فيها اشتراكات المنتسبين وحدهم.

-        والضمان الاجتماعي أوصل نسبة الاقتطاع من الموظفين والشركات الى 21.75% من اجمالي الراتب بعد ان كانت 19.5% في 2014 وكانت 13% في بدايته. حيث بلغ مجموع اقتطاعات الضمان الاجتماعي 1254 مليون دينار في 2015 بنسبة 4.7% من حجم الاقتصاد وارتفع الى 1412 مليون دينار في 2016 بنسبة 5.15% من الاقتصاد و _تقديرا_ تجاوزت اقتطاعات الضمان 1500 مليون دينار في 2017 بنسبة 5.3% من الاقتصاد. أي ان عبء الضمان الاجتماعي ارتفع بستة بالعشرة بالمائة من الاقتصاد بين 2015 و2017. ونذكر هنا أيضا ان اقتطاعات اشتراكات الضمان _بحسب تعريف OECD _ هي ضرائب فعلية على الرواتب (Payroll Taxes) يجب حسابها من اجمالي العبء الضريبي في الاقتصاد.

اما ان نبقى بهذه الحلقة المفرغة وننهك الاقتصاد لتمويل التقاعدات بأشكالها، او ان نبدأ الحلول الجذرية المطلوبة لتحفيز الاقتصاد لنمو مستدام. في سياق النقابات المهنية واعبائها المالية الحل بسيط: الغاء الزامية الانتساب للنقابات وجعلها نقابات اختيارية. وحصر قدرتها على تحصيل الأموال في المنتسبين لها فقط بدون أي قدرة على فرض "ضرائب فعلية" على الشركات والافراد في الاقتصاد الاردني. وهذا التغيير من صلاحية مجلس النواب الذي يجب ان يعدل قوانين النقابات المهنية نحو هذا الإصلاح الجذري.

وفي صناديق التقاعد كلها، الحل يبدا بإجبار كل القائمين عليها بالقيام بدراسات اكتوارية كاملة كل ثلاث سنوات مثلا مع نشر نتائج الدراسات الاكتوارية كاملة بتفصيل افتراضاتها وعدم السماح لاي صندوق تقاعد بتحصيل اية أموال من غير المشتركين به.

كل الحلول الناجعة لاقتصادنا الأردني تدور في فلك واحد: كسر الاحتكارات وإطلاق المنافسة الحقة.

Wednesday, March 21, 2018

مقترح لتخفيض اقتطاعات الضمان الاجتماعي بدون التأثير سلبا على ديمومته



مقترح لتخفيض اقتطاعات الضمان الاجتماعي بدون التأثير سلبا على ديمومته

نشر في الغد يوم 21 اذار 2018

في ورقة بحثية صدرت عن صندوق النقد الدولي في تموز 2017 يبحث الصندوق في تأثير كلفة اقتطاعات الضمان الاجتماعي في الأردن على واقع البطالة والتوظيف في القطاع غير الرسمي (اقتصاد الظل) في الأردن.

تستنج الورقة انه _واستنادا الى تجارب دول كثيرة في العالم_ فان تخفيض نسب اقتطاع الضمان الاجتماعي يساهم في تحفيز التوظيف في الاقتصاد الرسمي وزيادة انتاج فرص العمل في الاقتصاد ويساهم أيضا في زيادة ملموسة على دخل الموظفين والعمال مع تأثيرات إيجابية ملموسة في جانب الطلب والنمو الاقتصادي.

في ذات الوقت تشدد الورقة البحثية من صندوق النقد الدولي على ان أي تخفيض في كلفة اقتطاع الضمان الاجتماعي يجب ان يقابله اصلاح في نظام الضمان الاجتماعي للتأكد من ديمومته وقدرته على الالتزام بكل المطلوبات المستقبلية.

حاليا بحسب قانون الصمان الاجتماعي الساري فان نسبة الاقتطاع من الموظفين والشركات تبلغ 21.75% من اجمالي الراتب بعد ان كانت 19.5% في 2014. منها 7.5% عبء مباشر على الموظف و 14.25% يدفعه صاحب العمل. وننذكر هنا ان رفع اقتطاعات الضمان في 2015 و 2016 و 2017 يناقض بالأساس احد اهداف الحكومة المعلنة وهو تسريع وتيرة النمو الاقتصادي في الاردن. وقد بينت دراسة منشورة على صفحة البنك المركزي الاوروبي وشملت 26 دولة صناعية من 1965 الى 2007 ان زيادة العبء الضريبي (او عبء التأمينات الاجتماعية كالضمان) بنسبة 1% من الاقتصاد يخفض _ على المستوى البعيد_ النمو الاقتصادي بنسبة 0.5% الى 1%.

في الأردن بلغ مجموع اقتطاعات الضمان الاجتماعي 1254 مليون دينار في 2015 بنسبة 4.7% من الاقتصاد وارتفع الى 1412 مليون دينار في 2016 بنسبة 5.15% من الاقتصاد و _تقديرا_ تجاوزت اقتطاعات الضمان 1500 مليون دينار في 2017 بنسبة 5.3% من الاقتصاد. أي ان عبء الضمان الاجتماعي ارتفع بستة بالعشرة بالمائة من الاقتصاد بين 2015 و2017. ونذكر هنا أيضا ان اقتطاعات اشتراكات الضمان
هي ضرائب فعلية على الرواتب (Payroll Taxes) يجب حسابها من اجمالي العبء الضريبي في الاقتصاد.

لا شك ان اقتطاعات الضمان الاجتماعي عبء كبير على الشركات والافراد الملتزمين بالقانون والذين هم أيضا فاعلين في الاقتصاد الرسمي ودافعين للضرائب. ولا شك أيضا _بحسب الاجماع الأكاديمي_ ان هذه الاقتطاعات الكبيرة تثبط النمو الاقتصادي وتزيد من ظاهرة الاقتصاد غير الرسمي حيث يعمل الكثيرون بدون الاشتراكات بالضمان او دفع الضريبة. أخيرا هي تقلل أيضا من حجم الوظائف الجديدة المحدثة في الاقتصاد.

لكننا أيضا يجب ان نهتم بديمومة الضمان وسلامته للمتقاعدين الحاليين والاجيال القادمة. ومؤسسة الضمان الاجتماعي دائمة الحديث عن التقاعد المبكر واثره السلبي على صندوق الضمان وكذلك على الاقتصاد ككل. ولربما تكون الفرصة هنا بمقترح يساهم في تقليل الاقبال على التقاعد المبكر مع تخفيف الاثار السلبية لاقتطاعات الضمان الاجتماعي العالية.

ماذا لو كان لكل مشترك في الضمان الاجتماعي الخيار (بدون أي اكراه) بان يعفى من اقتطاع الموظف للضمان مقابل تأجيل حقه بالتقاعد المبكر؟ سنة بسنة. أي ان يذهب أي مشترك بالضمان ويوقع اتفاقية ملزمة مدتها سنة قابلة للتجديد برضى الطرفين يلتزم فيها الضمان الاجتماعي بإعادة ال 7.5% المقتطعة شهريا من راتب المشترك له طوال السنة مقابل ان يستغني الموظف عن حقه بالتقاعد المبكر لمدة سنة. فيحصل الموظف فعليا على 7.5% من راتبه زيادة على راتبه بعد الاقتطاع (الزيادة المحسوسة الفعلية تكون بنسبة 8.1% على الأقل) مقابل ان يؤجل حقه بالضمان المبكر لسنة. فاذا كان يستحق التقاعد المبكر على سن الخمسين يؤجل هذا الحق الى سن الواحد والخمسين.

بهذا المقترح يعالج الضمان مشكلة مؤرقة له بتأخير التقاعد المبكر اختياريا لمن يرغب وبهذا يحسن فرص ديمومة صندوق الضمان للأجيال القادمة. وبذات الوقت يحصل من يرغب بتأجيل حقه في التقاعد المبكر على زيادة جيدة على راتبه الفعلي بنسبة تتجاوز 8%. 

تقديرا تتجاوز الاقتطاعات من رواتب الموظفين المشتركين بالضمان 500 مليون دينار سنويا. لو اختار
أصحاب 20% من الرواتب هذا الخيار لحصلوا على 100 مليون دينار سنويا زيادة على رواتبهم. ستصرف هذه الأموال من قبل الموظفين في الاقتصاد وستحسن حياتهم محفزة الاقتصاد بذات الوقت مع تأثير إيجابي على النمو. وهذا أيضا سيؤثر إيجابا على العائد الاستثماري لمحفظة الضمان الذي يستثمر معظم موجوداته في الاقتصاد الأردني. على هذا الصعيد فان موجودات محفظة الضمان تجاوزت 9.27 بليون دينار مع نهاية 2017 بزيادة 948 مليون دينار عن 2016 حيث حققت صافي دخل استثماري تجاوز 343 مليون وصافي وفر تأميني (الاشتراكات المقبوضة ناقص التقاعدات المدفوعة) تجاوز _تقديرا_ 600 مليون دينار في 2017.

المهم ان يكون الامر اختياريا بين الموظفين أنفسهم وبين الضمان الاجتماعي عبر اتفاقيات تجدد سنويا دون تدخل الشركات التي يعمل فيها الموظفون بالأمر.  مقترح مربح للجميع: للموظفين ولمؤسسة الضمان الاجتماعي وللاقتصاد الوطني وكل من له مصلحة بنموه وازدهاره بمن فيهم أصحاب العمل والشركات الخاصة.
هل يدرس الضمان هذا المقترح من الناحية الاكتوارية؟