Wednesday, August 7, 2019

عمى الألوان ما بين التقاعد المدني والضمان!

عمى الألوان ما بين التقاعد المدني والضمان!   



نشر في صحيفة الغد يوم 6 اب 2019 

تشرفت يوم 31 تموز بدعوة من اللجنة القانونية ولجنة العمل في مجلس النواب للحديث عن تعديلات قانون الضمان الاجتماعي المقترحة مع مجموعة من المهتمين بحضور السادة النواب وإدارة الضمان الاجتماعي. 

من ضمن ما تحدثت به في الاجتماع ان التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي في 2019 _اذا تم إقرارها_ ستكون التعديلات الثالثة على قانون الضمان خلال اقل من تسع سنوات. وحتما ستاتي إدارة الضمان بعدها لتقول ان الضمان الان قد وصل الى "بر الأمان". وهي بالمناسبة نفس الكلمات التي استخدمها دولة عمر الرزاز عندما اقرت تعديلات قانون الضمان الاجتماعي قبل حوالي تسع سنوات عندما كان مديرا للضمان. 

انتهزت فرصتي في الحديث امام اللجنة النيابية بالتأكيد انه لا يكفي الحديث عن دراسة اكتوارية تقول بتلاشي موجودات الضمان مع 2052 بدون الإفصاح عن كافة افتراضات هذه الدراسة الاكتوارية من معدل الحياة الى العائد المفترض على استثمارات الضمان الى اعداد المشتركين. ونوهت ان العائد الاستثماري على موجودات الضمان لأخر عشر سنوات كان اقل بكثير من العائد على سندات الخزينة الأردنية والدين الحكومي الأردني. فهل افترضت الدراسة استمرار هذه النتائج الاستثمارية الهزيلة مثلا؟ وماذا ستكون نتائجها لو افترضنا عائدا يساوي ما تحصله البنوك التجارية من سندات الخزينة الأردنية؟ 

كذلك اكدت ان الضمان الاجتماعي لا يفلس ابدا. لأنه يقتطع من كل موظف في الاقتصاد الرسمي شهريا ليدفع رواتب للمتقاعدين. ما يحصل _اذا تلاشت موجودات الصندوق_ هو حصول عجز لا افلاس كامل. واعترف اني كنت مخدوع بنفس سردية مؤسسة الضمان هذه وكنت اساوي بين تلاشي الموجودات وافلاس الضمان. مع ان الدراسة الاكتوارية يجب ان تفصح عن العجز المتوقع بعد نقطة تلاشي الموجودات وحجمه وعدد سنواته المتوقع. فهناك فرق بين عجز لعدة سنوات بعشرات الملايين وبين عجز ملياري. فاين التفاصيل؟ 

بدون افصاح كامل عن الدراسة الاكتوارية وكافة فرضياتها وتوقعاتها يجب ان ترد التعديلات المقترحة للضمان التي تخص تقليل رواتب العسكريين بنسبة 1% وزيادة الدين الحكومي سنويا بنسبة نصف بالمائة من رواتب العسكريين. وتلك التي تخص عدم تغطية موظفين تحت تغطية الضمان الاجتماعي. فهذه المقترحات تضر نمو الاقتصاد الوطني النظامي.

في الاجتماع لفت النظر الى ان مؤسسة الضمان والحكومة في الأردن تستنفران مجلس الامة كل بضع سنوات لإجراء تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي الذي تجاوز حجم موجودات صندوقه عشرة ونصف مليارات دينار _بعض الخبراء يقدر الموجودات بأكثر من 12 مليار اذا تم تقييم الأراضي بسعرها السوقي­_ والذي يحقق حاليا وفرا تأميني يتجاوز النصف مليار دينار سنويا بدون ان تقدم كامل تفاصيل الدراسات الاكتوراية وكامل افتراضاتها. وفي ذات الوقت لا تحرك الحكومة ساكنا لمعالجة موضوع التقاعد المدني والعسكري والذي يحقق عجزا سنويا صافيا يتجاوز المليار دينار سنويا منذ حوالي العشر سنوات تمول كلها بالديون الإضافية. 

قيا لها من مفارقات عجيبة!
-         قلق وطني مستمر على صندوق الضمان القوي المتين لكن صمت القبور فيما يخص التقاعد المدني والعسكري الذي كبدنا أكثر من عشرة مليارات دينار ديونا في اخر عشر سنوات تشكل ثلث مديونيتنا وتقريبا كامل عجز الميزانية السنوي.
 -         نشاط محمود من قبل مؤسسة الضمان الاجتماعي في تطبيق القانون ومحاربة التهرب من الشمول بالضمان وملاحقة من يخالف شروط التقاعد المكبر وفي ذات الوقت نجد شللا حكوميا كاملا في التحقق من أي مخالفات في التقاعد المدني والعسكري مثل معلوليات جسيمة غير صحيحة.
 -         معلومات تحليلية جميلة من مؤسسة الضمان الاجتماعي منها مثلا ان اعلى 5% من المتقاعدين يحصلون على ربع حجم التقاعدات. لكنها منقوصة لأنها لا تذكر حصة اعلى 5% من المشتركين من اقتطاعات الضمان وكذلك ما يدفعونه للحكومة كضريبة دخل وحصتهم من ضرائب الدخل المدفوعة. وفي ذات الوقت تعتيم كامل على هيكلية مصاريف التقاعد المدني والعسكري. تفصيلا:

o       لا نعرف حصة اعلى 1% من متقاعدي التقاعد المدني والعسكري من اجمالي الرواتب التقاعدية. ولا نعرف حصة اعلى 5% ولا حصة اعلى 10%. ولا افصاح عن عدد سنوات _او اشهر_ اشتراكاتهم قبل استحقاق التقاعد المدني.
o       ولا نرى افصاحا عن كلفة التأمين الصحي للنخبة من متقاعدي التقاعد المدني في القطاع الخاص داخل وخارج الأردن سنويا وتراكميا. والتي تأتي من ميزانيات أخرى ولا تحسب ضمن نفقات التقاعد المدني. مع التشديد على انه لا اعتراض على تامين كامل لهم في المستشفيات الحكومية الأردنية. فاستخدام النخبة للمرافق الحكومية قد يساهم في تحست نوعيتها.
o       ولا نسمع بإفصاح عن نفقات نثرية لتلك النخبة من بعثات تعليمية خارج الأردن بدون تنافس واستحقاق لهم ولفروعهم أيضا تأتي من ميزانيات أخرى ولا تحسب ضمن نفقات التقاعد المدني القاصمة للميزانية. وكلها نفقات يمكن ضبطها بدون التأثير سلبا على الاقتصاد.

لما لا تتعلم الحكومة من الضمان الاجتماعي وتقوم بتحليل كامل وواف لموضوع التقاعد المدني والعسكري والمنافع المرتبطة به لأعلى 1% و 5% و 10% من مشتركيه تباعا. ولتعالج كل هدر بسبب مخالفة القوانين ومن أساسها رواتب المعلولية والتامين الصحي خارج المنظومة الحكومية. ولتكون لديها الشفافية الكاملة في هذا الموضوع يلحقه نقاش وطني موضوعي. ولتطمئن عموم المتقاعدين ان لا مساس فيمن كل منافعه لا تتجاوز 900 دينار شهريا مثلا. فالمقترح هنا فقط معالجة كلفة النخبة على الميزانية ووقف أي هدر سببه مخالفة قوانين او منافع غير منطقية.

ذلك ان اي توفير في فاتورة التقاعد (ولو بنسبة 10% فقط) سيكون له اثر كبير على الاقتصاد. فهذه اموال (أكثر من 100 مليون) ستخفض من الزيادة السنوية في الدين العام لتمويل بند التقاعد وبالتالي تخفض من عبء خدمة الدين سنويا.  كذلك ولأنها ستقتطع _غالبا_ من موسورين فانها لن تقلل من مستوى الانفاق في الاقتصاد وبالتالي لن يكون لها اي تأثير سلبي على الاقتصاد.
مع  الارادة.. توجد الحلول. والمقترحات هنا ليست غير مألوفة. فقد تم تطبيق امور مشابهة لها في دول اوروبية عدة مثل البرتغال واسبانيا واليونان. 

لا نستفيد ابدا من "تخويف" المنتجين والفاعلين اقتصاديا في الأردن دوريا على ضمانهم ومستقبله ونتعامى عن المشاكل الحقيقية التي تكبل النمو الاقتصادي وتزيد من عبء الدين العام. فمع عبء ضريبي يقارب 28% من حجم الاقتصاد بدون خدمات مقبولة للطبقة المتوسطة فان استمرار العبء او زيادته ستقتل الامل وسنجد ان كثيرا من الأردنيين سيفكر جديا في هجرات اقتصادية وندخل في حلقة مفرغة تتأكل فيها القاعدة الضريبية للدولة.

نحتاج بداية ان نعيد الثقة. والتمحيص في نفقات النخبة البيروقراطية وكلفتها بهدف تقليلها بعدالة وشفافية، سيكون لها اثر كبير في تقوية الثقة الشعبية في مستقبل الأردن الاقتصادي. فأول خطوة للاستثمار والنمو هي الثقة والتفاؤل. برأيي فان الشعب سيرحب بهذا التمحيص والتقليل: فهذه النخبة هي نفسها التي اوصلتنا الي حال نحتاج فيه صندوق النقد لتامين الدائنين طوال 30 عام من اخر 40 سنة!

معالجة ملف التقاعد _لا تعديل قانون الضمان الاجتماعي هو الأولوية_ للحكومة ان ارادت ان تحدث فرقا جوهريا في مالية الدولة. وهي _اي حكومة الرزاز_ التي أتت في حالة شعبية غير مسبوقة من التفاؤل بتغيير جذري للنهج. فهل تفعلها؟

Saturday, July 13, 2019

ملاحظات على هامش مقترحات تعديل قانون الضمان

ملاحظات على هامش مقترحات تعديل قانون الضمان
1 من 3 نشر في صحيفة الغد يوم 10 تموز 2019

بعد اقل من خمس سنوات على اخر تغيير لقانون الضمان الاجتماعي تقدمت الحكومة بمقترحات جديدة لتعديل جديد على القانون. قبل ان نتحدث في المقترحات الجديدة لربما من الاجدى توضيح بعض الأمور الحالية في القانون الحالي وتطبيقه.
 كذلك بات لزاما على الحكومة التي تريد تغيير قانون الضمان اربع مرات خلال عشر سنوات عرض احدث دراسة اكتوارية بكامل تفاصيلها وفرضياتها وبيان وما طرأ من تغييرات تستدعي استحداث أي تعديلات. 

تشكو إدارة الضمان الاجتماعي دوريا من زخم الاقبال على التقاعد المبكر من قبل المشتركين. وهذا امر صحيح. لتفسيره يجب الانتباه الى ان الضرائب المختلفة تساهم في تشكيل قرارات الافراد الاقتصادية. وعليه فان الكثيرين ممن تجاوزت اشتراكاتهم الوظيفية في الضمان الخمس وعشرين عاما _مثلا_ يدرسون وضعهم بتاني ويتقاعدون مبكرا. لان راتبهم الحالي بعد اقتطاع ضريبة الدخل واقتطاع الضمان الاجتماعي وكلفة المواصلات اليومية الى العمل يكون قريبا جدا من راتب التقاعد المبكر الذي استحقوه بحسب القانون. وبالتالي هم يشتغلون بدون مقابل عال. أضف الى ذلك ان تباطؤ النمو الاقتصادي منذ ثماني سنوات يساهم في رغبة الكثير من الشركات في تخفيف كلفها فيشجعون الافراد ذوي الرواتب العالية على التقاعد المبكر متى ما استحقوه والذي يكون أيضا قرارا منطقيا لطرفي المعادلة. ناهيك عن ان الكثيرين ممن يختارون التقاعد المبكر قد ينصرفون الى العمل غير الرسمي او يبحثون عن عمل جديد خارج الاردن.

هي اذن عاصفة مثالية: اقتطاعات ضريبة وضمان عالية وضرائب عالية على المحروقات ترفع كلفة المواصلات وتسحب السيولة من السوق وتقلل من القدرة الاستهلاكية والاستثمارية للشركات والافراد معا وتساهم في دفع الكثيرين الى القرار المنطقي في التقاعد المبكر. 

ماذا عن عبء الضمان الاجتماعي على الاقتصاد الأردني؟ بسبب القانون الأخير الذي رفع نسب الاقتطاعات سنويا فقد وصل مجموع اقتطاعات الضمان الاجتماعي في 2018 الى 1743 مليون دينار مشكلا 5.8% من حجم الاقتصاد مقابل نسبة 4.7% من حجم الاقتصاد في 2015 عندما بلغت الاقتطاعات 1254 مليون. اي ان عبء اقتطاعات الضمان الاجتماعي قد زاد بحوالي الربع كنسبة من الاقتصاد خلال ثلاث سنوات فقط. وهذا حتما يثبط النمو الاقتصادي ويبطء من خلق فرص العمل في الأردن. بالأرقام المطلقة فان تعديلات قانون الضمان عام 2014 سحبت سيولة إضافية من جيوب الشركات والافراد بما يقارب بليون دينار بين 2015 و منتصف 2019 وحتما ساهمت في تثبيط النمو الاقتصادي.

وقد بينت دراسة منشورة على صفحة البنك المركزي الاوروبي وشملت 26 دولة صناعية من 1965 الى 2007 ان زيادة العبء الضريبي (او عبء التأمينات الاجتماعية كالضمان) بنسبة 1% من الاقتصاد تخفض _ على المستوى البعيد_ النمو الاقتصادي بنسبة نصف الى واحد بالمائة. 

للتذكير هذا الامر التفت اليه صندوق النقد الدولي في ورقة بحثية صدرت عنه في تموز 2017 والتي تستنج انه _واستنادا الى تجارب دول كثيرة في العالم_ فان تخفيض نسب اقتطاع الضمان الاجتماعي يساهم في تحفيز التوظيف في الاقتصاد الرسمي وزيادة انتاج فرص العمل في الاقتصاد ويساهم أيضا في زيادة ملموسة على دخل الموظفين والعمال مع تأثيرات إيجابية ملموسة في جانب الطلب والنمو الاقتصادي.

قبل عام ونيف اقترحت حلا يقلل من عبء الضمان ويزيد من ديمومة صندوقه ف ذات الوقت. وذلك بان يعطى كل مشترك حالي في الضمان الاجتماعي الخيار (بدون أي اكراه) باسترداد ما يقتطع من الموظف للضمان مقابل تأجيل حقه بالتقاعد المبكر؟ سنة بسنة. أي يكون الخيار لأي مشترك بالضمان بتوقيع اتفاقية ملزمة مدتها سنة قابلة للتجديد برضى الطرفين يلتزم فيها الضمان الاجتماعي بإعادة ال 7.5% المقتطعة شهريا من راتب المشترك له طوال السنة مقابل ان يستغني الموظف عن حقه بالتقاعد المبكر لمدة سنة. فيحصل الموظف فعليا على 7.5% من راتبه زيادة على راتبه بعد الاقتطاع (الزيادة المحسوسة الفعلية تكون بنسبة 8.1% على الأقل) مقابل ان يؤجل حقه بالضمان المبكر لسنة. فاذا كان يستحق التقاعد المبكر على سن الخمسين يؤجل هذا الحق الى سن الواحد والخمسين. بهذا المقترح يعالج الضمان مشكلة مؤرقة له بتأخير التقاعد المبكر اختياريا لمن يرغب وبهذا يحسن فرص ديمومة صندوق الضمان للأجيال القادمة. وبذات الوقت يحصل من يرغب بتأجيل حقه في التقاعد المبكر على زيادة جيدة على راتبه الفعلي بنسبة تتجاوز 8% تصرف في الاقتصاد كاستهلاك او استثمارات صغيرة جديدة. 

التقط المجلس الاقتصادي والاجتماعي مشكورا هذا المقترح في اذار 2018 وطلب ردا من الضمان الاجتماعي الذي أجاب " انه من الناحية المالية البحتة، فان الأثر المالي للألية المقترحة سيكون تأثيرها إيجابيا على الوضع المالي للمؤسسة " ضمن فرضية ان الأغلبية تلجأ للتقاعد المبكر واضيف هنا ان الجميع سيتفق على الفائدة الإيجابية للعمال والموظفين والاقتصاد ككل. لكن لم يحصل شيء في هذا المضمار وعدنا الى نهج زيادة الاقتطاعات وتخفيض المنافع المقترح في مشروع تعديل القانون. 

هناك مشكلة أخرى في وضع الضمان الحالي تقلل كثيرا من مرونة سوق العمل. فتقاعد الموظف في القطاع الخاص يعتمد أساسا على راتب اخر خمس سنوات. وكأن القانون يفترض ان رواتب كل الموظفين تكون دوما في اتجاه تصاعدي وارتفاع مستدام! مع ان واقع الحال ان الكثيرين ممن كانت رواتبهم عالية في فترة النمو الاقتصادي القوي خسروا وظائفهم ولا يستطيعون العودة الى سوق العمل الحالي بنفس الرواتب العالية السابقة. فيضطرون حاليا الى عدم قبول الوظائف حاليا _ذات الرواتب الأقل_ كي لا يؤثروا سلبا على حسبة راتبهم التقاعدي عندما يستحقونه. وهذه تحتاج الى نظرة جديدة تأخذ بعين الاعتبار تقلبات الاقتصاد بين طفرة وانكماش وتقلبات سوق العمل بين سوق قوي وسوق ضعيف.




ملاحظات على هامش مقترحات تعديل قانون الضمان
2 من 3 نشر في صحيفة الغد يوم 11 تموز 2019

لننظر الان الى مقترحات مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي كما أتت من الحكومة مع ملاحظات عليها. مع التذكير بضرورة عرض أحدث دراسة اكتوارية بكامل تفاصيلها وفرضياتها قبل مناقشة أي تعديل مقترح.

يقترح التعديل إلغاء التقاعد المبكر لكل مشترك جديد باستثناء العسكريين. لربما ان مقترح الغاء التقاعد المبكر للمشتركين الجدد فيه منطق من الناحية الاكتوارية والاقتصادية. لكننا نذكر ان نفس المقترح كان قد قدم في ٢٠١٤ حيث اقترحت الحكومة تعديل قانون الضمان مع إلغاء التقاعد المبكر للمشتركين الجدد. في مجلس النواب تم رفض المقترح والإبقاء على التقاعد المبكر لكن بالمقابل رفع مجلس الامة عبء اقتطاع الضمان الاجتماعي (على الموظفين والشركات) من 19.5% من راتب الموظف في 2014 الى 20.25% في 2015 و 21% في 2016 و 21.75% في 2017. وعليه فان اقتراح الغاء التقاعد المبكر يجب ان يأتي أيضا مع تخفيض الاقتطاعات الى ما كانت عليه (19.5% بدلا من 21.75% حاليا). وهذه يساهم في تحفيز الاقتصاد نسبيا. 

يقترح مشروع القانون المعدل أيضا تحسين أساس حساب الراتب التقاعدي للعسكريين مع زيادة في الاقتطاعات التي ستدفعها الخزينة الى حد اقصى يصل الى 20.5% بدلا من 20% وهو الحد الأقصى في القانون الحالي تتحملها كاملة خزينة الدولة. وكذلك يقترح زيادة اقتطاع الضمان من راتب العسكريين من 5.5% الى 6.5%. أي ان المقترح يشمل زيادة عبء خزينة الدولة في بند رواتب العسكريين بنسبة نصف في المائة من الإجمالي وتقليل ما يأخذه العسكري من راتبه الى بيته بنسبة 1%! وهذه الكلفة الجديدة على الخزينة ستأتي حصرا من ديون و/او ضرائب جديدة. أي ان المقترح كله قرار انكماشي بامتياز خصوصا وان تامين العسكريين بالتحديد مكفول من الحكومة المركزية بنفس نص قانون الضمان فلما زيادة العبء على الخزينة في ظروف اقتصادية صعبة؟
 
يقترح مشروع تعديل القانون أيضا اعفاء بعض الشركات المشكلة حديثا و\او القديمة من شمول موظفيها في كل او بعض تأمينات الضمان لمدة خمس سنوات. ومع ان هذا يزيل عبئا عن الشركات المؤسسة حديثا لكنه بذات الوقت يحرم هؤلاء الموظفين من اشتراك الضمان وتجميع سنوات اشتراك في الضمان والتي هي أساس الكثير من منافع الضمان. فيكون الاقتراح هنا "كرما" من جيوب الموظفين لا من جيب الضمان ولا الحكومة ولا أصحاب العمل. الحل بتخفيض في كلفة الضمان على الجميع لا بحرمان الموظفين او بعضهم من الشمول بتغطية الضمان. او إيجاد أسلوب اخر يشجع على تشغيل الشباب العالطل عن العمل لأول مرة بدون الكرم على حسابهم!

لتحفيز انشاء الشركات والتوظيف لربما يجب التفكير بإعفاء الشركات ذات الطبيعة المعرفية والعاملة في مجال الاقتصاد المعرفي والرقمي من شرط رخصة المهن لفترة عدة سنوات كون موظفيها يستطيعون العمل من بيوتهم او من المقاهي عبر الانترنت. حيث ان شركة براس مال خمسون الف دينار مثلا تكون كلفة رخصة المهن عليها لأول سنة اكثر من 10% من راس المال كونها تشترط استئجار مكتبا وديكور واثاث قبل اصدار رخصة المهن التي تطلبها البنوك لفتح حساب بنكي. موضوعيا فان عبء رخصة المهن على الشركة الخدمية الناشئة الصغيرة أكثر بكثير من عبء اقتطاعات ضمان موظفيها في السنوات الأولى لها.  

يجب ان نتذكر هنا ان دولة الرزاز في 2010 __عندما كان مديرا للضمان_ قال بعد تعديل قانون الضمان الاجتماعي في 2010 ان "قانون الضمان الاجتماعي أوصلنا الى بر الأمان". ومن ثم عدنا وعدلنا القانون مرتين بقانون مؤقت وقانون دائم في 2014 وها هي حكومة الدكتور الرزاز نفسه تطلب تعديلا جديدا في 2019!           

ملاحظات على هامش مقترحات تعديل قانون الضمان
3 من 3 نشر في صحيفة الغد يوم 12 تموز 2019

يقول المثل ان العاقل هو من يتعلم من تجارب واخطاء غيره. ولربما يجب علينا النظر الى تركيبة التأمينات الاجتماعية في اميركا ومن ثم التمحيص بوضع الضمان الاجتماعي والحماية التأمينية عندنا في الأردن.

في الولايات المتحدة كل عامل في الاقتصاد الرسمي ودافع للضرائب خاضع حكما وفعليا لتامين الضمان الاجتماعي. بينما تغطي شبكة الضمان الاجتماعي عندنا في الأردن فقط 65% من القوى العاملة بحسب تصريح الضمان الاجتماعي نفسه.

عبء الضمان الاجتماعي في اميركا _ الاقتصاد الأكبر في العالم_ 12.4% من الراتب (يتقاسمه مناصفة صاحل العمل والموظف) بحد اقصى محدد فيما عبئه عندنا للقطاع الخاص 21.75% من الراتب وأيضا بحد اقصى يتحمل صاحل العمل ثلثي الاقتطاع والموظف الثلث الباقي.

سن التقاعد المبكر في اميركا 62 سنة فيما يبلغ سن التقاعد العادي 67 سنة مع حوافز إضافية لمن يعمل لغاية السبعين. مع مساواه النساء والرجال في سن التقاعد. بينما في الأردن التقاعد المبكر على الخمسين وسن التقاعد العادي للنساء 55 عاما و 60 عاما للرجال. مع مراعاة ان متوسط الحياة في اميركا اعلى منه في الأردن.  ومع ملاحظة أيضا ان النساء في الأردن أصبحن يورثن رواتبهن بحسب اخر تعديل للقانون ومتوسط معدل الحياة عند النساء اعلى منه عند الرجال بحوالي خمس سنوات.

يحسب راتب التقاعد في اميركا على حساب معدل اعلى 35 عاما من اشتراكات الضمان. فيما عندنا اخر خمس سنوات هي المهمة فقط مما يزيد من إمكانية التلاعب وكذلك يقلل من مرونة سوق العمل بمنع من كانت روابهم عالية في فترة ما من قبول رواتب اقل لاحقا. 

اميركا استحدثت نظام التوفير للتقاعد الاختياري الذي يحوي على حوافز ضريبية عالية. والنظام المعروف ب 401K ليس حكوميا بل يعطي منافع ضريبية لكل أميركي يوفر في حساب التقاعد الخاص به. وهذا الحساب التوفيري تدخل فيه أيضا مساهمات من أصحاب العمل مقابل منافع وحوافز ضريبية كذلك. ويكون لكل موفر حق اختيار اين تستثمر اماله الخاصة للتقاعد سواء في ودائع او سندات او صناديق استئمار أسهم وغيرها.

في اميركا عبء اقتطاعات الضمان الاجتماعي كنسبة من حجم الاقتصاد يصل الى حوالي 4% مع تغطية شبه شاملة لكل عامل في الاقتصاد الرسمي فيما ستتجاوز نسبة العبء عندنا في الأردن في 2019 حاجز 6% من حجم الاقتصاد مع عدم تغطية اكثر من ثلث عمال وموظفي الاردن.
يتوقع الضمان الاجتماعي الأميركي دخوله في العجز _لأول مرة منذ انشائه في الاربعينات_ مع حلول العام 2034 ضمن المعطيات الحالية. قبلها سيحتاج اما الى تعديل القانون لتقليل المنافع و\او زيادة الاقتطاعات. مع ملاحظة ان اقتطاعه الحالي منخفض نسبيا ولديهم مرونة كافية في رفع الاقتطاع عند الحاجة مع بقاء عبء الضمان بنسبة مقبولة من حجم الاقتصاد ومن رواتب العمال. في الأردن نقطة التلاشي الحالية لكل صندوق الضمان بحسب ما اعلن الضمان _ضمن المعطيات الحالية_ تأتي بعد حوالي 25 سنة. مع التنويه ان عبء الضمان في الأردن عال جدا. ومع التأكيد أيضا ان نظام الإعفاءات الضريبية لتشجيع العمال على التوفير لتقاعدهم في اميركا اتى بسبب قناعة واضعي السياسات هناك الصحيحة ان كل صناديق التقاعد ذات المنافع المحددة مسبقا ستحتاج دوما الى تعديلات في المنافع والاقتطاعات لضمان ديمومتها. مما يحتم تشجيع الناس ضريبيا على التوفير والاستثمار لتقاعدهم.

الضمان الاجتماعي في اميركا ممنوع من الاستثمار الا في سندات الخزينة الحكومية ولا يستثمر في الأسهم وسندات الشركات. في الأردن يستثمر الضمان الاجتماعي في الودائع والسندات والأسهم والعقار والقروض. حيث بلغ عائد الاستثمار على حقوق الملكية في 2017 3% و 2% في 2016 بحسب الميزانيات المنشورة لصندوق استثمار الضمان.  وكان العائد الاستثماري الصافي بنسبة 4.6 % في عام 2014، و 2.5 % في عام 2013 مقابل نسب ضئيلة جدا بلغت 1.4 % في عام 2012 و0.7 % في عام 2011. والسبب في التحسن كان أساسا ازدياد حصة السندات من محفظة الضمان الاجمالية بعد عام 2013.

نقطة العائد الاستثماري تحتاج الى وقفة مراجعة. فعائد الاستثمار الصافي لمحفظة الضمان منذ حوالي العشر سنوات يأتي اقل كثيرا من معدل العائد على السندات الحكومية الأردنية التي لا يوجد فيها أي مخاطرة من ناحية ان السندات بالدينار ومقرضة للحكومة. أي ان باقي استثمارات صندوق الضمان من اسهم وعقارات وشركات كان عائدها السنوي قليلا جدا مع ان كلفة ادارتها اعلى بكثير من كلفة إدارة محفظة السندات.

ناهيك هنا عن معضلة التأكد من نجاعة قرارات الاستثمار وقبول الراي العام لها. ولنا في الضجة لتي صارت حول شراء الضمان لأراض من رئيس وزراء سابق مثالا على ردة فعل الراي العام او تغطية خسائر الملكية الأردنية مثلا الى جانب الخزينة. ويشمل توجس الراي العام أيضا قرارات تعيينات مجالس الإدارة في الشركات التي يستثمر فيها الضمان الاجتماعي.

ان جل النمو في محفظة الضمان في السنوات الأخيرة اتى من الفائض التأميني السنوي لا من العائد الاستثماري للمحفظة. وعليه يجب ان نركز في وضع الحلول الجذرية للعائد الاستثماري الهزيل نسبيا بدلا من تغيير قانون الضمان كل بضع سنوات وزيادة عبء الاقتطاعات.

بداية اقترح بكل جدية ان تسحب الحكومة مقترح مشروع تعديل قانون الضمان الحالي صيانة لما تبقى من الثقة وان يكون هناك حوارا وطنيا ساملا لسنة او اكثر فيما يخص الإصلاحات الجذرية للضمان الاجتماعي في الأردن. لان صندوق الضمان حاليا في حالة صحية جيدة ويوجد وقت كاف لتعديلات جذرية تعالج كل النواقص في الوضع الحالي. واقترح هنا بعض المقترحات التي تحتمل الخطأ والصواب والمقصود بها بدء نقاش موضوعي بهذا الامر الهام جدا لمستقبل البلد واقتصاده. 

-        بداية أي تعديل قادم على الضمان الاجتماعي يجب ان يقتصر على المشتركين الجدد لا المشتركين حاليا في الضمان الاجتماعي. مع التفكير بإمكانية اختيار المشتركين الحاليين الخضوع طوعيا لبنود القانون الجديد اذا أرادوا ذلك.

-         تقليل نسبة اقتطاع الضمان من 21.75% الحالية الى اقل من 12% مع تزامن ذلك برفع سن التقاعد المبكر الى 58 سنة والتقاعد العادي الى 62 سنة مع وجود حوافز للتقاعد على سن ال 65 او 67. ومع مساواه سن التقاعد للنساء والرجال.

-         حساب معدل الراتب لغايات حساب راتب التقاعد استنادا الى اعلى 15 سنة او 20 سنة من اشتراكات الموظف.

-         إيجاد حوافز ضريبية لأصحاب العمل والموظفين (من ضريبة الدخل او استحداث رديات ضريبة مبيعات) لكل من يرغب في التوفير لتقاعده الخاص بنظام يشبه تجارب الدول الأخرى مع وضع قيود على السحب من حساب التقاعد الخاص قبل سن الستين مثلا.

-         تأطير أسس استثمار الفائض التأميني للضمان الاجتماع بأسلوب لا يحتمل التأويل او النقاش:

o       مثلا بان يذهب 50 الى 70% من الفائض التأميني السنوي في سندات حكومية اردنية بالدينار او بالدولار تكون نسب عائدها اعلى من معدل نسب العائد لكل السندات الحكومية المصدرة في كل عام.
o       وان يستثمر 15 الى 25% من الفائض التأميني السنوي في الشركات المساهمة العامة بحسب وزنها من مؤشر سوق عمان المالي. أي ان يكون الاستثمار بنظام الصناديق المتابعة للمؤشرات index fund
o       وان يستثمر 10 الى 20% من الفائض التأميني السنوي في العقارات الأردنية المدرة للدخل او الأراضي السليخة عبر مناقصات شفافة دورية وتشمل جميع محافظات المملكة مرجحة بحسب عدد السكان.
o       وان يستثمر 5% من الفائض التأميني السنوي في سندات حكومات عالمية بالعملة الصعبة. مثل سندات حكومة المانيا او كندا او بريطانيا او اميركا.

هي اذن بعض المقترحات التي تستجلب تجارب عالمية مع الالتفات الى توصيات المؤسسات الدولية المستندة الى تجارب دول عديدة ودراسات اقتصادية محكمة. اتنمى ان لا تسلق التعديلات سلقا وان لا نصل الى نتيجة جديدة تزيد فيها اقتطاعات الضمان مرة أخرى مسببة مزيدا من التثبيط للاقتصاد الاردني.