Friday, September 27, 2019

أهالي طلاب المدارس الخاصة ونقابة اصحابها: ما السبيل الى حلول جذرية؟

نشرت في صحيفة الغد يوم 27 أيلول 2019

في الأسبوع الماضي قدم التلفزيون الأردني حلقة مع نقيب أصحاب المدارس الخاصة ومنسق حملة "زودتوها" بخصوص أقساط المدارس الخاصة وكلفتها. براي المتواضع اضاع البرنامج فرصا عديدة في الحوار للدخول في صميم المشاكل وإيجاد حلول وظهرت الحلقة كتراشق للنقاط من الطرفين: كل يركز على نقاطه بدون سماع او محاولة فهم الراي الاخر وبدون محاولة نقاش كل نقطة والتمحيص فيها.

اهم النقاط كانت كلفة التعليم في المدارس الخاصة. تحدث نقيب أصحاب المدارس الخاصة ان الأقساط هي علاقة تعاقدية ما بين الاهل والمدرسة لا يجب ان يتدخل فيها أحد. هذا صحيح عند تسجيل الأبناء والبنات اول مرة حيث يكون للأهل كامل الحرية في اختيار المدارس بحسب اقساطها وموقعها ومرافقها وسمعتها. اما بعد ان يمضي الطالب عدة سنوات دراسية في المدرسة فان تغيير المدرسة يصبح صعبا من ناحية نفسية وتعليمية ولوجستية. فمن يحمي الاهل من ارتفاعات مفاجئة وغير مبررة في الأقساط؟ هل تقبل النقابة ان تتصدر المشهد هنا وتضع حلا منطقيا يحصر أي تعديل في الأقساط بالطلبة الجدد بينما يضع حدا اقصى لارتفاع الأقساط سقفه نسبة التضخم الرسمية للطلبة القدامى؟ بحيث تكون المدرسة الخاصة ملزمة بنظام للرسوم يشمل كافة فترة التعليم (الصف الاول الى الثاني عشر). أي أن ولي الامر عندما يسجل ابنه او بنته للصف الاول يحصل على لائحة رسوم المدرسة لكل صف من الصف الاول حتى الصف الثاني عشر او اعلى صف عندها. ويحق للمدرسة زيادة سنوية على هذه اللائحة لا تتجاوز نسبة التضخم السنوية الرسمية كما يعلنها البنك المركزي. لكن المدرسة تستطيع زيادة رسومها كما تشاء للطلبة المستجدين الذين يسجلون فيها لأول مرة على شرط تقديم لائحة رسوم المدرسة لكل الصفوف لهولاء الطلبة المستجدين. المهم هنا ان كل ولي امر يعرف ان لائحة رسوم المدرسة التي يسجل فيها اولاده لن يطرأ عليها تغييرات مفاجئة كبيرة تجبره على نقل اولاده أثناء المراحل الدراسية.

في نفس الموضوع كانت نقطة حملة "زودتوها" ان التعليم رسالة اجتماعية أساسا ولا يجب ان يكون هدفها الربح. ان سلمنا جدلا ان كل قطاع التعليم لا يجب ان يهدف للربح، فلننظر الى وزارة التربية والتعليم كمثال وهي التي لا تهدف للربح و80 بالمئة من مدارسها ملك للوزارة بدون كلفة ايجار او كلفة الفرصة الضائعة للعقار. الوزارة تصرف حوالي المليار دينار سنويا مع تقديم خدمة اقل كثيرا من المطلوب بكلفة 680 دينار لكل طالب سنويا. فهل تقترح حملة "زودتوها" ان تمنع المدارس الخاصة والأهلية من تحقيق أي فائض او ربح تحت مسمى الرسالة التعليمية السامية؟ على فرض ان هذا حصل وتم منع تحقيق الربح للمدارس الربحية او تحقيق الفائض للمدارس غير الربحية او تم تحديده بنسبة قليلة نسبيا: من اين سياتي حافز انشاء مدارس جديدة او توسعة مرافق المدارس؟ فحتى المؤسسات التعليمية غير الربحية تحتاج الى تغطية الكلفة وتحقيق فائض لتوسعة المرافق وادامتها. وما الذي سيمنع أصحاب كثير من المدارس من اقفالها واستخدام العقار في مشاريع أخرى ربحية؟ وفي حال تحديد حد اقصى للربح هل ستحمي الحكومة المدارس من الخسارة وتعوضهم في حالة تحقيق خسائر؟

في ذات الموضوع اكد نقيب أصحاب المدارس الخاصة ان اغلبيتها لا تتجاوز اقساط التوجيهي فيها _خارج عمان_ 1500 دينار للتوجيهي. وكان النقيب قد صرح في السابق ان 90% منها معدل اقساطها اقل من الف دينار سنويا. وقال أيضا ان 3 الى 4% من المدارس (أي حوالي 120 مدرسة) هي مدارس غالية جدا في عمان تخدم تقديرا 15 الى 20 الف طالب من أبناء الطبقة الغنية والجاليات الأجنبية من أبناء الديبلوماسيين ورجال الاعمال الأجانب. وهنا بات لزاما على أي شخص يتصدى لهذا الموضوع تأكيد هذه الأرقام والتمحيص فيها عبر دراسات محايدة مع ضرورة ان تتعاون النقابة والوزارة في تقديم الإحصاءات والارقام اللازمة. لكي لا يكون أساس حملات أقساط المدارس نماذج مقتصرة على مدارس قليلة تخدم عددا قليلا من الطلاب لا تتجاوز نسبتهم 1% من اجمالي طلاب الأردن. ففي المقابلة التلفزيونية كررت المذيعة قصة انه كيف يعقل ان يكلف طالب الروضة 5000 دينار مع ان هذا الرقم لا يمثل اكثر من نصف بالمائة من كل المدارس الخاصة في الاردن. مع اغفالها ان الموظفين بهذه المدراس الغالية يحصلون عادة على خصومات قد تتجاوز 50% من اجمالي القسط لأبنائهم.

كذلك قال نقيب أصحاب المدارس الخاصة ان أقساط معظم المدارس الخاصة لم تزد في اخر 5 سنوات بسبب التباطؤ الاقتصادي وانتقال كثير من الطلبة الى القطاع الحكومي بحيث صارت المدارس الخاصة (كمجموع كلي) تعمل بنسبة 75% فقط من قدرتها الاستيعابية والمرخصة. وقال أيضا ان 30% من المدارس الخاصة يحجز عليها دوريا من الضريبة والضمان في دلالة واضحة على مشاكل سيولة وربما خسائر فيها. هذا الموضوع كان يستحق بحثا أكثر في المقابلة وهو ما لم يحصل. هل يتوقع النقيب ان بعض المدارس الخاصة في طريقها الى الاقفال؟ وما تأثير خروجها من العمل على باقي القطاع والطلاب ومستوى الأقساط والتنافس؟

بالنسبة لكلفة الكتب في المدارس الخاصة اقترح النقيب ان تباع كتب المنهاج الوطني مباشرة من الوزارة للطلاب بدون ان تكون المدارس وسيطا في العملية. بناء على هذا المقترح هل يمكن ان توفر الوزارة كتب المنهج الوطني مجانا للطلاب الأردنيين في المدارس الخاصة بما ان أهالي الطلاب يوفرون على الوزارة كلفة تعليم أبنائهم في مدارس الحكومة. وهذا سيحل مشكلة كلفة الكتب جذريا. وفيما يخص كتب المناهج الأجنبية لربما يكون الحل في توافق بين النقابة والأهالي بحيث يكون شراء الكتب من المدرسة اختياريا ان أراد الاهل توفيرها من مصدر اخر شريطة اعلام المدرسة بهذا في عطلة الصيف لكي لا تشتري كتبا فوق الحاجة.

يجب ان نعي ان التعليم الجيد مكلف. والقرينة على هذه الحقيقة كلفة أقساط مدارس اهلية نعلم انها غير ربحية مثل المدارس التابعة للمؤسسات الدينية والخيرية. فالمدارس الخاصة توظف 56 الف معلم وموظف وعلى فرض معدل كلفة رواتب 350 دينار شهريا فان معدل قسط 534 الف طالب في المدارس الخاصة يجب ان يكون 440 دينار سنويا فقط لتغطية كلفة الرواتب بدون حساب اي كلفة الأخرى من كلفة عقار وباصات وتدفئة وكهرباء وماء واثاث وصيانة مرافق وغيره.  فما بالك بمدارس تدفع لمعلميها اكثر من 2000 دينار كراتب شهري بحسب ما جاء في التقرير التلفزيوني؟  

الحلول مطلوبة وليست سهلة. تبدأ أولا واساسا في اصلاحات جذرية في التعليم الحكومي لتحسين نتائجه و إعادة الثقة فيه وجعله خيارا مقبولا من جديد للطبقة المتوسطة.  لا يجب ابدا ان نتجاهل التقصير الحكومي الفاضح في مستوى التعليم الحكومي واعفائها من انتقاد شديد موضوعي. فأساس المشكلة انهيار نوعية التعليم في المدارس الحكومية. كذلك تشمل الحلول الوصول الى حالة من التعاون الاوثق بين المدارس الخاصة والأهالي لضمان ان تستمر العملية التعليمية باطر من الشفافية والمنافسة القوية تضمن نوعية التعليم الجيدة والأسعار العادلة للجميع كل بحسب اختياره.

Friday, September 20, 2019

التعليم في الأردن: اقتصاديات المدارس الخاصة

 نشر في الغد في 19 ايلول 2019
 
مع تراجع مستوى وكفاءة التعليم الحكومي في الأردن باتت المدارس الخاصة في الأردن خيارا _ربما يكون خيارا وحيدا_ لكثير من العائلات. فالتعليم الجيد يبقى المساوي الأكبر وكل عائلة ستحاول ان توفر لأبنائها أفضل فرص تعليمية تقدر عليها ماديا. 

تراجع مستوى التعليم الحكومي مؤكد وقاس: حيث تبلغ نسبة نجاح التوجيهي في مدارس الحكومة 41% مقابل 91% لطلاب المدارس الخاصة. للأسف لا شفافية من الوزارة في هذه المسائل بل يضطر الباحث الى استنباط نسب النجح من عدة مؤشرات في عدة مواقع. وفيما يخص نسبة نجاح التوجيهي في مدارس الحكومة أخشى ان تكون نسبة 41% الاجمالية تغطي على مفارقة كبيرة بين نسب النجاح في مدارس الاناث مقابل مدارس الذكور. فقد تكون مثلا 60% عند البنات مقابل 20% عند الذكور. فهل تفصح الوزارة عن هذه التفاصيل؟ 

في 2018 وصل عدد المدارس الخاصة في الأردن الى 3211 مدرسة تشكل 46% من مجمل عدد المدارس. يدرس في المدارس الخاصة 534 الف طالب وطالبة مشكلين 28% من اجمالي عدد الطلاب ويعمل فيها حوالي أربعين الف معلم ومعلمة بنسبة 32% من اجمالي عدد المعلمين. معدل طلاب كل مدرسة خاصة يبلغ 167 طالب ومعدل عدد الطلاب في كل صف 20 طالب بمعدل 13 معلم ومعلمة لكل مدرسة. وتشير ارقام الوزارة ان حوالي نصف المدارس الخاصة تستخدم مباني مستأجرة. أي ان معظم المدارس الخاصة مدارس صغيرة جدا. 

مع اختيار ما يقارب الربع مليون عائلة في الأردن لخيار التعليم الخاص صارت كلفة التعليم موضوعا مؤرقا للغاية في ظل التباطؤ الاقتصادي المزمن. ويطالب كثير من الأهالي ان تتدخل وزارة التربية والتعليم وتكبح جماح كلفة التعليم الخاص.  لنلاحظ هنا ان الواقع الصعب دفع كثير من الناس لان يطلبوا من نفس الجهاز البيروقراطي الذي اساء إدارة التعليم الحكومي ان يزيد من تدخله في التعليم الخاص. هل يتوقعون نتائج أفضل؟   

في موضوع أقساط المدارس وكلفة التعليم لا بد من تحليل موضوعي متجرد. والبداية هنا من تأكيد انه لا يوجد تعليم بلا كلفة. في التعليم الحكومي يتحمل دافع الضرائب كلفة التعليم بمعدل حوالي 680 دينار سنويا عن كل طالب حيث بلغت ميزانية وزارة التربية والتعليم 980 مليون دينار في 2019. بينما يتحمل ولي الامر كلفة تعليم أبنائه في المدارس الخاصة. 

في كلفة التعليم الخاص لنأخذ مثالا نظريا من واقع الأرقام المعلنة. مدرسة صغيرة خارج عمان في بلدة متوسطة الحجم. عدد طلابها 200 طالب (اعلى من المعدل العام) وعدد معلميها 13 معلمة (اقل من المعدل) ومع اربعة من الموظفين (حارس عاملة نظافة محاسب ومدير). بمجموع 17 موظف. على فرض معدل راتب شهري لكل موظف 250 دينار فقط تكون كلفة الرواتب سنويا حوالي 59 الف دينار مع كلفة الضمان. وعلى فرض كلفة كهرباء وماء وتدفئة وايجار مدرسة وكافة المصاريف الأخرى بحوالي 30 الف دينار فقط سنويا تكون الكلفة الاجمالية حوالي 89 الف دينار سنويا. لتغطية الكلفة يجب ان يكون معدل أقساط الطالب فيها 438 دينار.  على فرض هامش ربح لمالكي المدرسة بنسبة 25% سيتجاوز معدل القسط السنوي للطالب 545 دينار. ولربما يفسر هذا مشاكل ضعف رواتب المعلمات في المدارس الخاصة الصغيرة في البلدات الصغيرة في المحافظات. فالقسط لا يمكن ان يكون عاليا والا لما سجل فيها الطلبة وبنفس الوقت المدرسة صغيرة جدا ولا يوجد فيها اقتصاديات الحجم الكبير.  
  
ماذا لو كانت مدرسة كبيرة في مدينة كبيرة كالزرقاء بعدد طلاب 1200؟ عدد المعلمين 70معلما منهم الخبير صاحب الراتب العالي نسبيا. مع 40 موظف (عمال نظافة وحراس وسائقين ومحاسبين وإدارة). على فرض معدل راتب شهري 550 دينار تكون كلفة الرواتب سنويا حوالي 831 الف دينار. وعلى فرض كلفة كهرباء وماء وتدفئة وايجار مدرسة وكافة المصاريف الأخرى بحوالي 310 الف تصل الكلفة الاجمالية الى مليون و 141 الف دينار سنويا. لتغطية الكلفة فقط يجب ان يكون معدل أقساط الطالب فيها 951 دينار.  اضف هامش ربح بنسبة 15% سيصل القسط السنوي للطالب الى 1093 دينار. وهذا معدل لجميع الطلاب من الصف الأول للتوجيهي. 

في المقابل هناك مدارس عديدة _خصوصا في عمان الغربية_ بمعدل أقساط عال جدا يتجاوز الستة الاف دينار تدر أرباحا وفيرة لمالكيها. والبعض سيشير الى ان أسعار عقارات واراضي بعض هذه المدارس يتجاوز العشرة ملايين دينار. وبما ان سعر عقارها مرتفع فتزيد معه تكلفة الفرصة الضائعة لمالكها. فما الربح المنطقي لمالك عقار يتجاوز سعره السوقي عشرة ملايين دينار مثلا؟ 

لا خلاف اذن ان المدارس الخاصة تختلف كلفها كثيرا بحسب موقعها الجغرافي. ولا خلاف ان من نجحت منها في خلق سمعة طيبة عن مستواها ونتائج طلابها وعنوانها قريب من تركز الطبقة الغنية في عمان تحقق لمساهميها أرباحا وفيرة لقدرتها على وضع أقساط عالية بهامش ربح كبير. ولا خلاف أيضا ان بعض المدارس تخالف قوانين العمل والضمان الاجتماعي. لكن في ذات الوقت نعرف عن كثير من المدارس ملتزمة بكل القوانين وتدفع رواتب جيدة وتعطي أبناء العاملين فيها خصومات سخية تصل الى 50% او اكثر من الأقساط. 

وهنا يأتي التساؤل: ما السبيل الى ضمان العدالة لجميع الأطراف في التعليم الخاص؟ وما دور الوزارة والحكومة. في حكومة سابقة بدا الحديث عن تصنيف للمدارس تحدد فيه الحكومة السقف الأعلى للأقساط والحد الأدنى لرواتب المعلمين بحسب تصنيف كل مدرسة. المشكلة في هذا الطرح هو افتراض ان بيروقراطية وزارة التربية والتعليم التي قادت قطاع التعليم الحكومي الى حالة صعبة قادرة على إدارة ملف المدارس الخاصة بطريقة أفضل من المنافسة الحقيقية وضمان ديمومة المنافسة.
الأنسب لربما يكون في ان توفر الحكومة او دائرة الإحصاءات او نقابة المعلمين او حتى نقابة مالكي المدارس الخاصة معلومات وافية عن كل مدارس الأردن بحيث تساعد أهالي الطلبة على اختيار مدارس أبنائهم وتساهم بضمان استمرار المنافسة بين كل المدارس في تقديم الخدمة الأفضل بالسعر المناسب. 

وتكون هذه المعلومات الإحصائية عن كل المدارس متوفرة على الانترنت لمن يطلبها تشمل مثلا:
-         نسب نجاح طلاب المدرسة في الامتحانات المختلفة
-         مجموع رواتب معلميها و مجموع رواتب موظفيها والوسيط والمعدل للرواتب
-         أقساط كل مدرسة لكل صف ونسب الطلاب الحاصلين على خصومات وبعثات. والمعدل الفعلي العام للأقساط في المدرسة.
فالمنافسة أفضل من التدخل الحكومي في تحديد أقساط المدارس. حيث ان تحديد الأقساط بطريقة مركزية اعتباطية قد يقلل من المنافسة عبر تثبيط الرغبة في انشاء مدارس جديدة. 
وقد يكون المطلوب أيضا ان تتدخل الوزارة في تحديد الزيادة السنوية في الأقساط للطلاب القدامى بحد اقصى يكون نسب التضخم الرسمية بحيث تحمي أولياء امور الطلبة القديمين من زيادات غير متوقعه تتجاوز نسب التضخم. مع عدم التدخل في تحديد أقساط الطلبة المستجدين وجعله خاضع المنافسة والخيار الحر للأهل والمدرسة. هذا يضمن عدالة الزيادة السنوية للمدرسة وللعائلات وكذلك عدم حرمان المدرسة من جني نتائج نجاحها وسمعتها بزيادة الرسوم بنسب التضخم للطلبة القدامى وبحسب وضعها التنافسي للطلبة المستجدين. 

وفي المدن المكتظة التي تواجه اكتظاظا في المدارس الحكومية وندرة في بعض الاحياء يجب الاستثمار في مدارس حكومية جديدة تساهم في زيادة الخيارات المتوفرة للطلبة واهلهم. وربما يكون عبر أسلوب الشراكة بين القطاع العام والخاص. 

أخيرا نستفيد كلنا من تشجيع مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات لإنشاء مؤسسات تعليمية غير هادفة للربح تنشئ المزيد من المدارس الأهلية غير الربحية مع خضوعها لنفس القوانين التي تحكم المدارس الخاصة لضمان المنافسة العادلة. وتركيز الحكومة على التزام كل المدارس بقوانين العمل والضمان الاجتماعي والضريبة.

Sunday, September 15, 2019

مشكلة التعليم في الأردن: يا وزارة ويا نقابة قابلوا دافع الضرائب

نشر في صحيفة الغد يوم 15 ايلول 2019 
لنبدأ بالحقيقة الصادمة وهي نسبة نجاح التوجيهي في مدارس الحكومة مقابل المدارس الخاصة والتي بلغت 91% لطلاب المدارس الخاصة بينما لم تتجاوز 41% لطلاب مدارس الحكومة. للأسف _وضمن نهج التعتيم على الفشل الحكومي_ هذا الرقم لا يعلن بصراحة سنويا بل يحتاج المحلل الى استنتاجه من ارقام موجودة في تقريرين مختلفين واحد في وزارة التربية والثاني في دائرة الموازنة العامة: في التقرير الإحصائي للعام الدراسي 2018/2017 المنشور في 2019 نجد ان عدد طلاب مدارس الحكومة قد شكل 72% من مجمل الطلاب بينما شكل طلاب المدارس الخاصة ما نسبته 28%. وفي ميزانية 2019 لوزارة التربية والتعليم المنشورة على موقع دائرة الموازنة العامة نجد ان نسبة نجاح طلاب مدارس الحكومة في التوجيهي للعام 2017 كانت 41%. وعليه تكون نسبة نجاح طلاب المدارس الخاصة (على فرض انهم أيضا يشكلون 28% من طلاب التوجيهي) 91% لتكون نسبة النجاح العامة لجميع الطلاب 55% بحسب ما أعلنت الوزارة.

هو امر جلي وواضح ان وضع التعليم في مدارس الحكومة في الأردن يحتاج معالجات وحلول جذرية تتطلب تعاون النقابة مع الحكومة وإدخال طرف ثالث هو دافع الضرائب الأردني. فقد بلغت ميزانية وزارة التربية والتعليم 980 مليون دينار في 2019. أي ان وزارة التربية والتعليم تأخذ من دافع الضرائب الأردني حوالي 680 دينار سنويا عن كل طالب يدرس في مدارسها. وهذا يقارب معدل أقساط كثير من المدارس الخاصة على مستوى الاردن خارج مناطق عمان الغربية. وعلى الرغم من ميزانية هائلة فان النتائج غير جيدة اطلاقا. 

وصل العدد الإجمالي للمدارس الحكومية الى 3835 مدرسة. منها 16% لا يتجاوز عدد الطلاب فيهم 100 طالب و 22% منهم عدد الطلاب فيهم من 101 الى 200 طالب. وهذا يعني ان 38% من مجمل مدارس الحكومة معدل الطلاب فيها _تقديرا_ اقل من 110 او 120 طالبا.  المفارقة الغريبة ان ربع طلاب مدارس الحكومة يدرسون في مدارس الفترتين بسبب الاكتظاظ (5% من مدارس الوزارة يزيد طلابها عن ألف طالب) بينما 38% من مدارسها لا يتجاوز معدل الطلاب فيها 120 طالبا. وهو مؤشر على قلة المدارس الحكومية في المدن الكبيرة وعددها الفائض في القرى والتجمعات السكانية البعيدة.

كذلك تستأجر الوزارة 806 من مداسها تشكل 21% من مجمل مدارس الحكومة. وتقديرا فان كلفة استئجار هذه المدارس يزيد عن عشرة ملايين دينار سنويا. تضاف الى أكثر من 43 مليون دينار تصرفها الوزارة سنويا نفقات ادامة وتشغيل لمجمل مدارسها بمجموع يتجاوز 53 مليون دينار سنويا.

فوصلنا الى الوضع التالي:

-         نظام تعليمي حكومي يفشل فيه 60 بالمية من الطلاب مقابل نظام تعليم في المدارس الخاصة يكلف غالبية الاهل تقريبا نفس الكلفة مع نسب نجاح تتجاوز التسعين بالمائة.

-         اكتظاظ كبير في مدارس يرغم الطلاب فيها على نظام الفترتين مقابل أكثرية من المدارس شبه الخاوية وغير الحاصلة على كامل احتياجاتها من معلمين واداريين وموارد.

-         هدر كبير في الموارد بسبب توزيعها على عدد أكبر بكثير من العدد المثالي للمدارس وبذات الوقت ضعف الانفاق على كل مدرسة.

هذه المشاكل المتراكمة الهائلة يتحمل وزرها أساسا كل وزير تربية وتعليم تعاقب على الوزارة منذ عشرين سنة على الأقل متكافلا ومتضامنا في تحمل المسؤولية مع كل مجلس وزراء مر على الأردن بذات الفترة. والحلول يجب ان تكون جذرية. واغفالها مسؤولية كل من تبوا منصب وزارة التربية والتعليم وكل حكومة مرت ورحلت المشاكل. بدلا من تحميل وزر الوضع البائس الحالي للمعلمين حصرا.

لربما قد يشمل الحل الجذري إجراءات جراحية منها التالي: 

-         اغلاق كل مدرسة مستأجرة وقليلة الطلاب (اقل من 150 طالب مثلا) ونتائجها التعليمية سيئة مع نهاية العام الدراسي الحالي. ونقل معلميها الى مدارس حكومية أخرى في نفس اللواء. وبذات الوقت إعطاء الاهل مبلغ نقدي سنوي عن كل طالب ليكون بدل مواصلات للمدارس الابعد والاحسن او حتى لإدخال أبنائهم في مدارس خاصة. مثلا 50 دينار شهريا عن كل طالب بدل مواصلات للمدارس الابعد والأفضل بأجمالي 450 دينار كل سنة دراسية لكل طالب. والتوفير في النفقات التشغيلية من اغلاق المدرسة لربما قد يكفي ويزيد عن بدل المواصلات لكل طالب فيها.

-         في المرحلة الثانية اغلاق كل مدرسة غير مستأجرة بل مملوكة للوزارة وقليلة الطلاب ونتائجها سيئة بنفس الإجراءات أعلاه من نقل المعلمين لمدارس أخرى وإعطاء الاهل مبلغ نقدي سنوي عن كل طالب ليكون بدل مواصلات للمدارس الابعد والاحسن.

-         ان إعطاء الاهل بدل مواصلات سنوي مجزي سيكون حافز لهم لقبول ارتياد أبنائهم مدارس ابعد لكنها أفضل من الناحية التعليمية لأبنائهم. كذلك فان بدل المواصلات قد يخلق فرص عمل جديدة لأصحاب وسائل النقل بحيث يقومون بنقل الطلاب يوميا. ونقل المعلمين الى مدارس أخرى في ذات اللواء يضمن عدم تأثرهم سلبا.

-         من إيجابيات هذا الحل الجذري والجراحي توفير نفقات استئجار وادامة المدارس المغلقة وتحويلها وتركيزها على باقي المدارس وبالتالي تحسين نوعية التعليم فيها.

-         وفي حالات اخلاء مدارس مملوكة للوزارة يمكن تأجير هذه العقارات لمؤسسات حكومية أخرى تحتاج هذه المباني او حتى تأجيرها للقطاع الخاص. بحيث يساهم عائد التأجير في رفد ميزانية الوزارة بموارد تساعدها في تحسين رواتب المعلمين وبناء المدارس للوصول الى وضع تكون فيه كل المدارس بنظام الفترة الواحدة وأيضا كلها مملوكة للوزارة.

تخيلوا ان نصل مرحلة تكون فيها أصغر مدرسة حكومية فيها ما لا يقل عن 350 او 400 طالب ومتوفر فيها طاقم تعليمي واداري كامل وموارد تعليمية وافرة. كم سيتغير حال التعليم وقتها؟

طبعا فان تقليل عدد المدارس سيعني الحاجة لطواقم تعليمية اقل وهذا يتم بدون الاستغناء عن أي معلم بل فقط بعدم استبدال من يصل سن التقاعد حتى نصل الى عدد مثالي وميزانية تعليم مثالية تدفع رواتب جيدة للمعلمين وتضمن بيئة تعليمية ناجعة لكل الطلاب. 

أخيرا وفيما يخص التعاطف الشعبي الكبير مع مطالب المعلمين لرفع رواتبهم المتدنية. فان مصداقية الحكومات المتدنية جدا هي سبب مهم في الدعم الشعبي للمطالب. فلا يستوي الحديث عن التقشف والوضع الصعب للميزانية الذي لا يقدر على زيادات المعلمين مع نفقات غير منطقية في الميزانية تشمل تلفزيونين رسميين _لا يشاهدهما الا القلة_ يكلفان 50 مليون دينار سنويا. ونفقات جارية تشمل تامين صحي لكل نائب وعين ووزير عامل ومتقاعد وفروعهم في المستشفيات الخاصة _وخارج الأردن للبعض_ حيث يستمر نهج الضبابية الرسمي في عدم الإفصاح عن الكلفة السنوية والتراكمية لهذا التامين واخفاءه ببراعة في بنود الميزانية المختلفة. ناهيك عن كلف تقاعداتهم والمنح التعليمية وغيرها من المنافع. 

ان أوان الحديث الجدي الصريح بين كل الأطراف: الحكومة ونقابة المعلمين ودافع الضرائب الاردني. لان دافع الضرائب قد يمل من وضع لا يصان فيه ماله ويختار التقاعد خارج الاردن حاملا ضرائبه معه!