Friday, April 18, 2014

قرارات وتعليمات غير منطقية: من الارجيلة الى المستشفيات!

الفترة الماضية كانت حافلة بقرارات واجتهادات تنظيمية من قبل الحكومة وامانة عمان.  للاسف شابها اخطاء او بعض التناقضات التي قد تكون غابت عن ذهن متخذي القرارات.


نظام المستشفيات  الخاصة للعام 2014
اشترط مشروع النظام الذي وضعه مجلس الوزراء يوم الاربعاء ان لا يتقدم لترخيص مستشفى خاص الا طبيب مرخص او مؤسسة عامة ذات نفع عام  او نقابة او جمعية او شركة نصفها على الاقل مملوك لطبيب.

وهنا التساؤل: ما المغزى من اشتراط ان يكون مالك المستشفى طبيبا؟ من المفهوم اشتراط ان يكون المدير او احد المدراء طبيبا وان يكون للمستشفى طاقم طبي مؤهل ومعتمد . لكن لماذا اشتراط ملكية الاطباء للمستشفيات وحصرها بهم؟

هذا شرط لا يفيد احدا ويقيد المنافسة بتحديده عدد من يستطيع الاستثمار في المستشفيات الخاصة. الاصل ان تشترط وجود ادارة طبية واعية ملتزمة باخلاق المهنة. ادارة تضع  هذه الاخلاق امام حسابات الربح والخسارة وتوزيع الارباح. ويكون ترخيص المستشفى السنوي مرتبطا بتوفر هذه الشروط بغض النظر من يملك المستشفى. اما منع المستثمرين المهتمين من الاستثمار في مستشفيات خاصة جديدة فهو يؤطر لتحديد عدد المستشفيات الخاصة وتقليل المنافسة بينها في الاسعار.


اعادة ترخيص محال الارجيلة
قررت الحكومة و امانة عمان تجديد تراخيص محال الارجيلة القائمة وعدم اصدار تراخيص جديدة. لربما كان القصد نبيلا من هذا القرار لكن هل تمت دراسة كل جوانبه؟

مع تجديد التراخيص القائمة (بلا فترة انتهاء واضحة بالمستقبل) وعدم منح تراخيص جديدة ، التاثير قد يكون برفع القيمة السوقية للتراخيص القائمة بشكل كبير. فلا محال جديدة تستطيع ان تدخل المنافسة والمحال القائمة حصلت على ضمانة الاستمرار بالعمل مع جائزة عدم تزايد المنافسة لها في المستقبل. هذه نوع من تاطير حكومي لاحتكارات وتكون بمثابة مكافأة مالية للحاصلين على رخص قائمة لمحال الارجيلة.

فاما ان تمنع الجميع او تسمح بالترخيص بشروط واضحة صحية متوائمة مع القانون و تسمحه لجميع من يلتزم ايضا. اما ان تمنع الترخيص الجديد مع الاستمرار بالتراخيص القائمة بدون فترة انتهاء واضحة محددة فهو يندرج تحت بند تحديد جانب العرض اي تشويه واضح واكيد للمنافسة وفيه مصلحة مالية للبعض على حساب اخرين.



الاساس في كل قطاع اقتصادي ان تعمل الحكومات على منع الاحتكارات والتشوهات في السوق. وان تعمل على ادخال المنافسة الحقة لكل قطاع فيه احتكارات او تشوهات. مع الاهتمام بديمومة وجود هذه المنافسة من خلال بيئة تشريعية عادلة على مسافة واحدة من جميع اللاعبين في السوق. اي قرار بيعد الواقع عن المنافسة المثالية (مثل منع دخول لاعبين جدد او وضع عوائق خروج للاعبين حاليين) هو قرار غير صائب وسيدفع الاقتصاد ثمنا له عبر اسعار اعلى للمستهلكين وتدني في كفاءة القطاعات الاقتصادية المختلفة.

Sunday, April 6, 2014

اضاءات على واقع الكهرباء في الاردن : من تقريري شركة الكهرباء الاردنية و شركة كهرباء اربد.

بين يدي الان التقرير السنوي لشركة كهرباء اربد. وشركة كهرباء اربد مسؤولة عن شبكات التوزيع في محافظات الشمال (اربد وعجلون وجرش والمفرق) التي تبلغ حصتها حوالي 15% من استهلاك كل الاردن من الطاقة الكهربائية سنويا.


كما في شركة الكهرباء الاردنية (محافظات العاصمة والوسط) فان مشكلة فاقد الكهرباء في شركة كهرباء اربد تتفاقم سنويا منذ بداية 2011 بتاثير كبير على الاقتصاد الوطني وعلى مديونية الحكومة. و "فاقد الكهرباء" هو الفرق بين الكهرباء المجرروة من شركة الكهرباء الوطنية وبين الكهرباء المفوترة والمباعة للمشتركين. وينقسم هذا الفاقد الى فاقد تقني (خسارة طاقة كحرارة وصوت واهتزازات في اسلاك ومحولات التوزيع) وفاقد غير تقني (اي عمليا سرقات كهرباء). لندخل بالتفاصيل:


-        شكل فاقد الكهرباء في 2009 ما نسبته 11.01% من مجمل الطاقة المجرورة من قبل شركة كهرباء اربد. وانخفض كنسبة الى 9.86% في 2010 ثم عاد وارتفع الى 10.12% في 2011 وارتفع الى 11.08% في 2012 و 11.12% في 2013.

-        بالارقام المطلقة ارتفع الفاقد من 220 جيجاوات ساعة في 2009 الى 289 جيجاوات ساعة في 2013. وكلفة الفاقد في 2013 (على حساب كلفة توليد 12 قرشا لكل كيلو وات) تجاوزت 34 مليون دينار في 2013 لوحدها (تساوي 20% من مجمل مبيعات شركة كهرباء اربد من الكهرباء).

-        كما في شركة الكهرباء الاردنيىة حققت شركة كهرباء اربد نجاحا ممتازا في 2010 في مجال تخفيض الفاقد. ففي 2010 انخفض حجم فاقد الكهرباء بنسبة 1% عن الفاقد في 2009 وانخفضت نسبته من  اجمالي الطاقة المجرورة الى 9.86% في 2010 مقابل 11.01% في 2009.

-        انعكس الحال في 2011 و2012 و 2013. حيث زاد حجم الفاقد بالمطلق في 2011 بنسبة 11% عن 2010 (فيما كانت الزيادة في مبيعات الكهرباء اقل من 8% فقط). وعاد وزاد بنسبة 13% في 2012 (فيما كانت الزيادة في مبيعات الكهرباء حوالي 2% فقط). وارتفع بنسبة 6% في 2013 (بنسبة مساوية تقريبا للزيادة النسبية في مبيعات الكهرباء في 2013).

-        في 2011 فقدت الشركة 13% من الزيادة في الطاقة المجرورة عن مستوى 2010. وارتفعت نفس النسبة الى 41% في 2012. وانخفضت الى 12% في 2013. اي انه مقابل كل 10 كيلو وات اضافية جرتها الشركة في 2012 (عن مستوى 2011) فقدت الشركة منها 4.1 كيلووات ومقابل كل 10 كيلو وات اضافية جرتها الشركة في 2013 (عن مستوى 2012) فقدت الشركة منها 1.2 كيلووات. وهذا يعني ان نسبة الفاقد من الزيادة في الطاقة المجرورة اعلى من نسبة الفاقد من كل الطاقة المجرورة. وهو مؤشر على تفاقم مشكلة الفاقد ولو بشكل اقل في 2013 في شركة كهرباء اربد مقارنة مع شركة الكهرباء الاردنية.


كذلك يبين تقريرا الشركتين نجاحا في تخفيف الكلفة الكلية لانارة الشوارع في الاردن. فقد بلغ استهلاك انارة الشوارع في محافظات الشركتين (عمان والزرقاء ومادبا والبلقاء وعجلون وجرش والمفرق واربد) 228 جيجاوات ساعة في 2013 بانخفاض 6% عن 2012. وفي 2012 انخفض استهلاك انارة الشوارع عن 2011 بنسبة 2% ايضا. وتقديرا كلفة انارة الشوارع في هذه المحافظات الثمانية تتجاوز 27 مليون دينار سنويا. ولهذا قد يكون من الحكمة الاستثمار في تقنيات توفير الطاقة في مجال انارة الشوارع.

ويبين تقريرا الشركتين ايضا نموا في استهلاك المصانع من الطاقة الكهربائية في 2013 بنسبة 1% في مناطق شركة الكهرباء الاردنية وبنسبة 15% في محافظات الشمال التابعة لشركة كهرباء اربد. وهو شيء ايجابي ويؤشر على زيادة انتاجية المصانع في 2013.

على جانب سلبي يبين تقريرا الشركتين نموا في استهلاك قطاع مضخات المياه (شرب وزراعي) بنسبة 8% في 2013 ليصل الى 960 جيجاوات ساعة (مع ان استهلاك هذا القطاع انخفص بنسبة 1% في 2012). حيث تتجاوز الكلفة الكلية لهذا القطاع 115 مليون دينار سنويا ويشكل استهلاك مضخات المياه 21% من مجمل الطاقة المستهلكة في شركة كهرباء اربد وحوالي 6% في شركة الكهرباء الاردنية. ولربما يحتاج هذا القطاع الى حلول خاصة تشمل استخدام مصادر طاقة متجددة مربوطة مباشرة بمضخات المياه، لتخفيف استهلاك الكهرباء.

بلغت مبيعات شركة الكهرباء الاردنية للمساجد والكنائس والمستشفيات مبلغ 53 مليون دينار في 2013 مقابل 42 مليون دينار في 2012 (اي بزيادة 26%). هذا على الرغم من انخفاض استهلاك اماكن العبادة والمستشفيات  من الطاقة الكهربائية بنسبة 2.5% لتصل الى 281 جيجاوات في 2013 مقابل 288 جيجاوات في 2012. والسبب ان هذا القطاع يدفع ثالث اعلى اثمان للكهرباء في الاردن بعد شركات الاتصالات والبنوك. وهنا نرى بالحالة الغريبة في الاردن التي تدفع فيها المدرسة والمستشفى والمسجد والكنيسة اثمان كهرباء اعلى من الفندق والمطعم والمول ووكالة السيارات الفارهة! فيما دفعت البنوك وشركات الاتصالات 52 مليون دينار اثمان للكهرباء في 2013 لشركة الكهرباء الاردنية (7% من ايرادات المبيعات مع ان استهلاكهم لا يشكل اكثر من 3% من استهلاك الطاقة الكهربائية).


ونذكر هنا بان المنطق والعدل يقول ان يكون الدعم في الكهرباء _كما في المشتقات النفطية_ ايضا لمستحقيه فقط. وعليه يجب اعادة دراسة الشرائح القطاعية كلها لضمان هكذا نتيجة (ايصال الدعم لمستحقيه). فممكن مثلا توحيد القطاعات التجارية كافة مع ادراج شرائح استهلاك باسعار تصاعدية مما يشجع جميع القطاعات على الاستثمار في الحلول التقنية للترشيد والطاقة البديلة.

اخيرا بعض القرارات الادارية للشركتين فيها غرابة شديدة: البلد تعيش مشكلة طاقة كبيرة سببت ارتفاع الاسعار على المستهلكين واستدانة الحكومة لحوالي بليون سنويا لدعم القطاع ومشكلة فاقد الكهرباء تتفاقم. فيما تقرر الهيئة العامة لشركة الكهرباء الاردنية الاستدانة من الاحتياطي الاجباري لتوزع ارباحا بقيمة 5.6 مليون دينار على الرغم من خسارتها 10.6 مليون دينار في 2013. وها هي شركة كهرباء اربد ستوزع ارباحا بقيمة 6 مليون دينار وهي اكثر من ارباح 2013 (ستمول الفرق من الارباح المدورة). اليس الافضل استثمار هذه الاموال في شبكات الشركتين وفي حلول تقنية تقلل من الفاقد الكهربائي. وهكذا تبقى حقوقا للمساهمين وتساعد في تعظيم الارباح مستقبلا. ولربما ان الاوان لمؤسسة الضمان الاجتماعي وهي المساهم الاكبر في شركة كهرباء اربد ان تغير هذه القرارات وان تنظر نظرة شمولية كونها مساهم كبير في كل القطاعات الاقتصادية التي تتاثر سلبا من ازمة قطاع الكهرباء الاردني.

Thursday, March 27, 2014

تحليل ارقام شركة الكهرباء الاردنية: مشكلة فاقد الكهرباء تتفاقم

بين يدي نتائج شركة الكهرباء الاردنية للعام 2013 وهي واحدة من ثلاث شركات لتوزيع كهرباء في الاردن (بالاضافة لشركة كهرباء اربد وشركة توزيع الكهرباء). و شركة الكهرباء الاردنية مسؤولة عن شبكات التوزيع في محافظات الوسط (عمان والزرقاء والبلقاء ومادبا) التي تبلغ حصتها حوالي ثلثي استهلاك كل الاردن من الطاقة الكهربائية سنويا.

مشكلة فاقد الكهرباء في شركة الكهرباء الاردنية تتفاقم سنويا منذ بداية 2011 بتاثير كبير على الاقتصاد الوطني وعلى مديونية الحكومة. و "فاقد الكهرباء" هو الفرق بين الكهرباء المجرروة من شركة الكهرباء الوطنية وبين الكهرباء المفوترة والمباعة للمشتركين. وينقسم هذا الفاقد الى فاقد تقني (خسارة طاقة كحرارة وصوت واهتزازات في اسلاك ومحولات التوزيع) وفاقد غير تقني (اي عمليا سرقات كهرباء). لندخل بالتفاصيل:

-        شكل فاقد الكهرباء في 2009 ما نسبته 14.3% من مجمل الطاقة المجرورة. وانخفض كنسبة الى 12.9% في 2010 ثم عاد وارتفع الى 13.2% في 2011 وارتفع الى 13.7% في 2012 و 13.8% في 2013.

-        بالارقام المطلقة ارتفع الفاقد من 1168 جيجاوات ساعة في 2009 الى 1365 جيجاوات ساعة في 2013. وكلفة الفاقد في 2013 (على حساب كلفة توليد 12 قرشا لكل كيلو وات) تجاوزت 163 مليون دينار في 2013 لوحدها.

-        حققت الشركة نجاحا ممتازا في 2010 في مجال تخفيض الفاقد. ففي 2010 انخفض حجم فاقد الكهرباء بنسبة 4% عن الفاقد في 2009 وانخفضت نسبته من  اجمالي الطاقة المجرورة الى 12.9% في 2010 مقابل 14.3% في 2009.

-        انعكس الحال في 2011 و2012 و 2013. حيث زاد حجم الفاقد بالمطلق في 2011 بنسبة 8% عن 2010 (فيما كانت الزيادة في مبيعات الكهرباء اقل من 6% فقط). وعاد وزاد بنسبة 11% في 2012 (اي حوالي ضعف الزيادة في مبيعات الكهرباء التي كانت اقل من 6% فقط). وارتفع بنسبة 2% في 2013 (اكثر من ثلاث اضعاف الزيادة في مبيعات الكهرباء التي كانت حوالي نصف بالمائة فقط).

-        في 2011 فقدت الشركة 17% من الزيادة في الطاقة المجرورة عن مستوى 2010. وارتفعت نفس النسبة الى 22% في 2012. وعادت وارتفعت الى 35% في 2013. اي انه مقابل كل 10 كيلو وات اضافية جرتها الشركة في 2013 (عن مستوى 2012) فقدت الشركة منها 3.5 كيلووات! وهذا انذار بتفاقم مشكلة الفاقد. مع انه في 2010 استطاعت ان تقلل القافد كنسبة وفي المطلق ايضا (عندما انخفض الفاقد 43 جيجاوات ساعة).

-        فاقد الكهرباء نزيف مالي واضح للخزينة والاقتصاد. كلفته في شبكة شركة الكهرباء الاردنية لوحدها في 2011 تقدر ب 145 مليون دينار ارتفعت الى حوالي 163 مليون دينار في 2013.

-        نسبة الفاقد المقبولة عالمية تتراوح ما بين 5-6% والفاقد في قبرص مثلا حوالي 6%. لو وصل الفاقد الكهربائي في شركة الكهرباء الاردنية لهذا المستوى في 2013 لوفر الاقتصاد الاردني اكثر من 92 مليون دينار سنويا.

الطريق واضحة تماما لنا كاردنيين: معالجة مشكلة خسائر قطاع الكهرباء ومديونية شركة الكهرباء الوطنية لا يتطلب فقط زيادة مضطردة في اثمان الكهرباء لمدة 4 سنوات قادمة بل كذلك جهد حقيقي (حكومي ومن شركات الكهرباء) لتخفيض مشكلة فاقد الكهرباء المتفاقمة والتي ربما تحتاج الى تغيير في التشريعات لتغليظ عقوبات سرقة الكهرباء. فهناك علاقة واضحة بين رفع اسعار الكهرباء في 2012 وفي 2013 وبين زيادة حجم الفاقد الكهربائي بالمطلق وكنسبة. ورفع الاسعار من دون حلول جذرية لمشكلة الفاقد سيعني زيادة حجم المشكلة والدخول في حلقة مفرغة تزيد فيها اثمان الكهرباء على من لا يسرق الكهرباء لتعويض استهلاك وهدر من يسرق الكهرباء! 




Monday, March 3, 2014

لفظ " الهنود الحمر " : مسيء وعنصري اميركيا.. وخارج السياق وبلا اساس اردنيا

للاسف صار البعض يستسهل استخدام كلمات " الهنود الحمر " في الاردن للدلالة على هواجس هوياتية اساسها سياسي وديموغرافي ومرتبطة بهواجس " الوطن البديل " الذي يختلف تعريفه باختلاف مستخدمي المصطلح. المشكلة ان المصطلح خارج السياق ومهين وبلا اي اساس.

تاريخيا اتت كلمات " الهنود الحمر" من الخطأ التاريخي الذي وقع فيه كريستوفر كولمبس عندما اعتقد انه وصل الهند الشرقية والمحيط الهندي بوصوله قارة اميركا: "الهنود" نسبة للهند و"الحمر" تعبيرا عن لون البشرة المائل الى الحمرة. 

الان المصطلح مرفوض اميركيا ويعتبر عنصريا مهينا. وتم استبداله بمصلح الاميركيين الاصليين (Native American) او الاميركيين الهنود (American Indians)  وهما تعريفان مقبولان لدى غالبية الاشخاص المنحدرين من تلك الاصول بحسب التعداد السكاني الاميركي والذي بين ان 87% من هذه المجموعة الاثنية يستخدمون واحدا من هذين التعريفين للدلالة على نفسهم. فاساس التعاريف الهوياتية ان تكون مقبولة ومستخدمة من قبل اصحابها.
 
من قرر ان مصطلح " الهنود الحمر" له مقاربة في الاردن و ومن انساقوا وراء توصيفه اخطاؤا مرتين. مرة في استخدام مصطلح عنصري مرفوض ومرة ثانية في اسقاط واقع وتاريخ الاميركيين الاصليين على الاردن بلا اي داعي او دقة بل ببعض من السماجة. 

بعد موجات الهجرة الاوروبية الى القارة الاميركية تققهرت الثقافة واللغات والاديان المحلية امام الثقافة الاوروبية واللغات الاوروبية والديانة المسيحية. وبعد حرب الاستقلال الاميركية صارت الجمهورية الاميركية واقع اوروبي مسيحي هو المسيطر على الارض (وارث للسيطرة البريطانية) بلا اي قوة سياسية او اقتصادية او ثقافية تذكر لجماعات الاميركيين الاصليين. 

من يستخدم مصطلح " الهنود الحمر " في السياق الاردني يكون عادة يتخوف _او يخوف ويحذر_ من تضاءل نسبة المواطنين الاردنيين الذين تمتد جذورهم في البلد الى ما قبل تاسيس الامارة في 1921 او تهمشيهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وهو كلام فارغ تماما لانه يسقط تاريخ اميركي على سياق اردني لا يمت له بصلة. والاسباب جلية وكثيرة: 

-        على عكس اميركا والدولة الحديثة فيها (التي تماهت مع هوية المهاجرين البيض الاوروبيين) فان الدولة الحديثة في الاردن تاسست بعد الحرب الاولى وكانت مقولبة بالكامل بهوية سكان البلد وبدون هجرات مختلفة لغويا او ثقافيا. فمثلا لبس الجيش العربي عند تاسيسه الشماغ والعقال بدل الطاقية العسكرية الانجليزية. وكانت اللغة الرسمية اللغة العربية منذ البداية.

-        ايضا على عكس اميركا لا يشكل "الاردنيون الاصليون" اقلية اثنية او لغوية او دينية في الاردن بل يشكلون نسبة لا تقل عن 50% من المواطنين على اضعف التقديرات. فارقام الانتداب البريطاني تفيد ان عدد سكان شرقي الاردن في 1921 بلغ حوالي 230000 (مائتان وثلاثون الف نسمة) نصفهم تقريبا فلاحون والنصف الاخر بدو. وعلى فرض ان معدل الزيادة السنوية الطبيعية في شرقي الاردن بين 1921 و2014 كان بحدود 3 بالمائة سنويا فان عدد الشرق اردنيين في العام 2014 سيكون بحدود ثلاثة ملايين ونصف. وهذا الرقم لا يشمل الهجرات من الحجاز وسوريا الى شرقي الاردن بعد تأسيس الامارة بسبب ازدياد الامن مع تأسيس سلطة مركزية مدعومة من الجيش البريطاني.

-        على العكس من اميركا ايضا فان الهجرات السكانية الى الاردن منذ تاسيس الدولة لم تكن هجرات مختلفة ثقافيا او لغويا خصوصا مع التشابه السكاني الكبير بين فلسطين والاردن. فبحسب ارقام الانتداب البريطاني في 1922 انقسم سكان شرق الاردن الى بدو بنسبة 50% وفلاحين 50%. فيما شكل البدو 15% من اهل فلسطين والفلاحون  55% واهل المدن 30%.

-        الفقر والتهميش الاقتصادي والتعليمي بالاردن لا ينقسم عموديا بحسب الاصول والمنابت بل موجود بشكل افقي طبقاتي في المجتمع. ايضا بعكس الحال في اميركا من منظور الاميركيين الاصليين.

-        ايضا على عكس حال اميركا مع الاميركيين الاصليين فان الاردنيين من اصول شرق اردنية (ولهجاتهم وثقافاتهم) ليسوا مهمشين او محددين باي حال من الاحوال بل لهجتهم هي السائدة في الخطاب الرسمي وهم عديدون في جميع اجهزة الدولة وسلطاتها الثلاث والمجالات الاقتصادية والاجتماعية.


لكل ما سبق فان كلمات مثل "نصير هنود حمر" هي خاطئة وتهويلية وعنصرية وبلا اي داع. والاجدى ان نمتنع جميعا عن استخدامها او تشجيع من يستخدمها. خصوصا انها للاسف تصدر عن اناس يعتبرون انفسهم من المقصودين بالكلمات. 


وتبقى دولة القانون والمؤسسات الديموقراطية المدنية هي الاساس لدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها بلا تمييز ولا تهويل ولا تخويف. فدولة القانون والمؤسسات هي اللبنة الاساس لشعب يعتز بما يجمعه _وبما يمايزه_ ثقافيا وهوياتيا بلا تشنج. يكون فيها الاعتزاز والتعريف بالارث الاجتماعي والثقافي للجميع طبيعيا وسلسا ومرغوبا به.