Sunday, December 30, 2018

استثناء مخالفات سير مع شمول قضايا الشيكات في مشروع العفو العام: نظرة حكومية جبائية بحتة!

نشر في صحيفة الغد يوم 30 كانون الاول 2018

تقدمت الحكومة بمشروع قانون للعفو العام يستثني من العفو معظم مخالفات السرعة فيما يشمل بالعفو العام كل قضايا الشيكات الا التي دفع أصحاب الحق فيها رسوما طائلة للحكومة. ولسان حالها في هذه الخطوة الغريبة غير المسبوقة انها تتسامح بحقوق ليست لها فيما تتعسف في تحصيل مخالفات السرعة حتى التي لم تتسبب باي حادث. 


بداية انا ضد العفو العام. واعتقد انه يجب ان يستبدل بأسلوب العفو الخاص _ حالة بحالة_ بحسب تفاصيل كل قضية وبحيث لا يعطى الا لمن امتثل للقضاء وابدى الندم وباشر بقضاء العقوبة وصار في قضيته اسقاط للحق الشخصي. اما أسلوب العفو العام باعتبار الجريمة كأنها لم تكن حتى لو كان الجاني هارب من وجه العدالة فهي دليل ضعف لا قوة. فالعفو عند المقدرة لا عند عدم القدرة على تنفيذ القانون! 

مشروع قانون العفو العام الذي قدمته الحكومة شمل كل قضايا الشيكات الا تلك المقرونة بالادعاء الشخصي. وكان الحكومة اعتبرت أن عدم الادعاء بالحق الشخصي في قضية الشيك هو بمثابة إسقاط للحق فيه. هذا خطأ جسيم وغريب. فقضية الشيك بلا رصيد لا تبدأ الا بتقديم الشيك بدون رصيد إلى المدعي العام من قبل صاحب الحق بعد ختمه من البنك. والبنوك تختم الشيكات وتبلغ البنك المركزي بالشيكات الراجعة ولكنها لا تتقدم من المدعي العام باي شكوى. حصرا هو حامل الشيك وصاحب الحق فيه الذي يقدم للمدعي العام الشيك بدون رصيد وهو فعل واضح لا لبس فيه لتثبيت الحق لا إسقاطه. 

الادعاء بالحق الشخصي في قضايا الشيكات يضمن لصاحب الحق ان يحصل على الفوائد القانونية على نقوده حتى السداد التام. والادعاء بالحق الشخصي يرتب على صاحب الحق تكاليف عالية تشمل رسوم الادعاء بالحق الشخصي والتي تتجاوز ٢ بالمية من قيمة الشيك بالإضافة إلى أتعاب محاماة من ٥ إلى ٢٥ بالمية حسب قيمة الشيك. لذلك فان كثيرين لا يقدمون ادعاء بالحق الشخصي ويكتفون بتقديم شكوى الشيك بلا رصيد لدى المدعي العام وكثيرون كذلك لا يرغبون بتحصيل الفائدة القانونية بل يكون كل ما يطلبونه سداد النقود او تقديم تسوية مقبولة للسداد. وهما الامران اللذان ينهيا الدعوى بحق من حرر الشيك بدون رصيد. 

في القانون الأردني الشيك أداة وفاء وليس أداة ائتمان. والقانون كذلك يجرم اصدار الشيك بدون رصيد حتى من قبل المفوض بالتوقيع عن الشركة الذي يكون مسؤولا جزائيا بصفته فاعلا عن جريمة الشيك بلا رصيد. وفي حالة المضي بالمقترح الحكومي الغريب فان كثيرا من الحقوق المالية ستضيع خصوصا تلك الناجمة عن شيكات من شركات ذات مسؤولية محدودة.
 
هناك من يريدون ان يلغوا عقوبة السجن في قضايا الشيكات بلا رصيد. نذكر هؤلاء ان القانون الأردني تغير كثيرا. فقبل عقود كان الشيك بلا رصيد يتسبب بتوقيف محرر الشيك فورا وقبل صدور الحكم في القضية. في الوقت الحالي لا يوقف محرر الشيك بدون رصيد ابدا وقضية الشيك تأخذ ما بين سنة الى سنتين قبل ان يصبح الحكم قطعيا بعد الاعتراض والاستئناف. والمدة هذه غالبا كافية لمحرر الشيك للسداد او اقتراح تسويات مناسبة. وان اردتم تغيير القانون وإلغاء عقوبة السجن (أقصاها حالية سنة واحدة فقط) فليتم عبر تعديل القانون مع تاريخ نفاذ لاحق للقانون لا عبر عفو عام بأثر رجعي يضيع حقوق الناس.
 
مشروع قانون العفو العام المقترح عجيب في انه اول مشروع قانون عفو عام يشمل قضايا الشيكات حتى التي لم يحصل عليها مصالحة او تسديد! هذا يهدم أساس من أسس واعراف التجارة في الأردن وقد يتسبب في زيادة الجرائم عندما يعلم الناس ان قانون العفو العام قد فرط في حقوقهم بدون أي سبب وجيه.

مرة اخرى من غير المعقول ان تقترح الحكومة ان لا تعفي مخالفات سير سرعة بسيطة وبذات الوقت تقترح إعفاء جريمة الشيك بدون رصيد _والتفريط بحقوق الناس_ الا اذا تم الادعاء بالحق الشخصي مع دفع رسومه الباهظة. واضح ان الحافز التحصيلي طاغ تماما على تفكير من كتب مشروع قانون العفو العام! نتمنى على السادة النواب الانتباه لهذه النقطة وتعديل مشروع القانون بحيث لا تضيع حقوق الناس اللذين لم يخالفوا قانونا بل اعتمدوا على سيادة القانون لضمان حقوقهم.

Monday, December 24, 2018

زيادة أيام الاجازة في الأردن: هل نتفق بداية على عطلة نهاية الأسبوع؟


نشرت في صحيفة الغد يوم 23 كانون الاول 2018

نقلت تقارير صحفية ان لجنة العمل النيابية اقترحت ان يزيد عدد الاجازات في قانون العمل من 14 الى 18 يوما لمن تقل خدمتهم عن خمس سنين ومن 21 الى 24 يوما لمن تزيد خدمتهم عن خمس سنين. هذا المقترح خلافي لأنه _براي_ يتغاضى عن عدة حقائق مهمة في الأردن.

بداية فان قانون العمل الأردني (المادة 56 و60) يحدد الاجازة الأسبوعية بيوم الجمعة ويقرر ان لصاحب العمل تشغيل الموظف لمدة ستة أيام أسبوعيا ثماني ساعات يوميا (بحد اقصى 48 ساعة عمل أسبوعيا). على الرغم من ذلك فان الكثير من الشركات في الأردن نكتفي بخمسة أيام او خمسة أيام ونصف بمجموع 40 ساعة او 44 ساعة أسبوعيا.
الفرق بين عطلة نهاية اسبوع مدتها يومان وبين عطلة نهاية أسبوع يوم واحد هو 52 يوم عطلة بالتمام والكمال. وعليه لربما يكون من الأفضل في حالة اقتراح زيادة أيام الاجازات ان يؤخذ بعين الاعتبار ان كانت الشركة تعطل يومين في الأسبوع او يوم ونص او يوم في الأسبوع. بدلا من زيادة الاجازة بالمطلق للجميع.

لنتذكر ان في الأردن 16 يوم عطلة رسمية: وعليه فان مجموع العطل _في الوضع الحالي_ يصل الى 30 يوم عمل او 37 يوم عمل (لمن زادت خدمتهم في الشركة عن خمس سنوات). وبالتالي فان مجموع كل أيام العطلة لمن يعطل يومين في الأسبوع يتراوح ما بين 134 و141 يوم سنويا بنسبة 37% الى 39% من مجمل أيام السنة. اما من يعطل يوما واحدا في الأسبوع ويعمل ستة أيام متواصلة فان مجموع كل أيام العطلة له يتراوح ما بين 82 و89 يوم سنويا بنسبة 22% الى 24% من مجمل أيام السنة. وهذا بدون حساب عطل الأحوال الجوية والاجازات المرضية وتخفيض ساعات الدوام في شهر رمضان الفضيل.

لنبسط الامر. فليكن مقترح زيادة أيام الاجازات مقصورا فقط على من يعملون ستة أيام في الأسبوع او خمسة أيام ونصف. حتى لا نصل الى مرحلة يكون فيها مجموع أيام العطلة لمن يعطلون يومين في الأسبوع 40% من كل السنة! ولنتذكر ان القانون صريح بان أسبوع العمل ستة أيام بمجموع 48 ساعة أسبوعيا ويوم عطلة وحيد هو يوم الجمعة. ولربما تتسبب زيادة أيام الاجازات في القانون _في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة_ في دفع كثيرا من الشركات للتوقف عن العمل بيومي عطلة أسبوعية والعودة الى يوم واحد فقط في الأسبوع.
للتذكير فان 14 يوم إجازة يوفرون حاليا لاي موظف خيار الخصول على ثلاث اجازات مريحة بعدد تسعة أيام مرتين و سبعة أيام مرة واحدة. فالموظف يمكن ان يطلب إجازة من الاحد الى الخميس (5 أيام) لتصبح اجازته عمليا من الجمعة الى الاحد اللاحق (5 أيام مع عطلتي نهاية أسبوع). وان 21 يوم إجازة تتحول الى أربع اجازات مريحة كل واحدة منها تسعة أيام بدون حساب العطل الرسمية.

بقي ان المقارنات مع دول معينة من شمال أوروبا في الإجازات غير منطقي. فشتان ما بين دول مزدهرة غنية انتبهت الى مشكلة تناقص اعداد القوى العاملة وبين بلد فقير يعاني أكثر من ثلث شبابه من البطالة المزمنة.
هو اذن مطلب منطقي جدا بان تقتصر زيادة أيام الاجازة على من يعمل ستة أيام في الأسبوع لا من يعمل خمسة أيام في الأسبوع. مع التشديد على ان تكون الاجازات المرضية مقرونة بتقرير طبي من الطبيب المعتمد لدى الشركة كما في القانون الحالي.

Thursday, December 13, 2018

سياحة المؤتمرات في عمان: مقترحات لتحفيزها

سياحة المؤتمرات في عمان: مقترحات لتحفيزها. 

نشر في صحيفة الغد يوم  13 كانون الاول 2018

في مقال سابق نشر في الغد بتاريخ 7 تشرين الثاني تم تحليل انخفاض ربحية وإيرادات فنادق عمان وافترضت فيه عدة أسباب للانخفاض منها الازدياد الكبير في العرض والمنافسة مع دخول فنادق كبيرة جديدة الى السوق وزيادة المعروض من الغرف في عمان خارج الفنادق المرخصة مثل خدمات الشقق المفروشة والغرف المقدمة عبر Airbnb بالإضافة الى التباطؤ الاقتصادي بشكل عام.
 
براي هناك حاجة ماسة لتحفيز سياحة المؤتمرات في عمان خاصة والأردن بشكل عام للوصول للقطاع السياحي في العاصمة الى نسب النمو الكبيرة التي يشهدها القطاع السياحي عموما. وهذا التحفيز قد يكون عبر بعض الخطوات البسيطة التي لا تحتاج نفقات مالية او استثمارات جديدة.

بداية يجب التذكير بمزايا عمان المعروفة فيما يخص سياحة المؤتمرات خصوصا. عاصمتنا حلوة امنة وطقسها جميل ومعتدل في معظم أشهر السنة ويتوفر فيها بنية تحتية سياحية راقية من مطار مرتبط بمدن كثيرة بخطوط مباشرة وفنادق فخمة كبيرة ومطاعم وأسواق ودور سينما ومتاحف ومواقع اثرية عريقة.

وعمان كذلك تتمتع حاليا بميزة جديدة _بسبب الأحوال السياسية الإقليمية_ تتلخص بكونها من المدن القليلة في العالم العربي التي يستطيع كل مواطنو دول الشرق الأوسط السفر اليها من دون تحديد من دولهم. وهذا امر مهم جدا لسياحة المؤتمرات التي تشكل بندا فائق الأهمية في مزيج المنتج السياحي لاي بلد لأنها تجذب بالعادة كبار المدراء والمهنيين اللذين يصرفون بنسب اعلى من معدل سياح المجموعات السياحية المنظمة.

من عدة تجارب شخصية بحكم طبيعة عملي لا يزال وضع الجنسيات المقيدة (التي تحتاج موافقة مسبقة للحصول على تأشيرة دخول الى الأردن) من اهم عوائق النمو في سياحة المؤتمرات في عمان. فقد شهدت بنفسي عدم تمكن بعض رجال الاعمال من القدوم الى مؤتمرات في الأردن بسبب صعوبة الحصول على تأشيرة. وهذا يصب في مصلحة مدن إقليمية أخرى تتفوق في سياحة المؤتمرات على عمان بشكل واضح كمدينة دبي مثلا. فالأردن عنده 59 دولة جنسياتها مقيدة معظمها من دول اسيا وافريقيا. وعدد سكان هذه الدول يتجاوز البليون والنصف نسمة ونحن نخسر كثير من السياحة المحتملة من عندهم بسبب تعقيدات الحصول على التأشيرة.

طبعا لست بصدد اقتراح ان نلغي كل موضوع الجنسيات المقيدة. بل اقترح ان ننظر الى تجارب دول تستفيد من تأشيرات دول ومناطق أخرى لتنظيم دخول السياح اليها. فالمكسيك مثلا لا تطلب تأشيرة دخول مسبقة من أي سائح يحمل على جواز سفره تأشيرة سفر سارية للولايات المتحدة الأميركية. وهنا قد يكون من الحكمة السماح للسياح من الجنسيات المقيدة الحصول على تأشيرة دخول للأردن في المطار تماما كالجنسيات غير المقيدة شريطة ان يكون لديهم تأشيرات سفر سارية للاتحاد الاوروبي او المملكة المتحدة او الولايات المتحدة او كندا وهي دول معروفة بصعوبة الحصول على تأشيرات السفر اليها بالعموم. منطق هكذا قرار ان أي شخص من دولة ما من الجنسيات المقيدة لن يختار ان يكون مهاجرا غير شرعي في الأردن عند توفر خيار ان يكون مهاجرا غير شرعي في اميركا او أوروبا او كندا!

نقطة بسيطة أخرى هي تمديد مواعيد عمل مواقع اثرية جذابة في عمان الى ما بعد الغروب. فموقع جبل القلعة مثلا يقفل مع غروب الشمس مع انه بسهولة يمكن فتح اجزاء كبيرة منه في الليل لمنفعة السياح. فكثير من اللذين يحضرون المؤتمرات يرغبون عادة بتمضية عدة ساعات في استكشاف المدينة التي حضروا اليها بدون ان يمددوا زيارتهم بيوم او اكثر. فزيارة جبل القلعة ليلا بعد اجتماعات مؤتمر ما ستساهم في زيادة سياحة الاثار لاحقا من نفس رواد المؤتمرات. خصوصا ان جبل القلعة محبوب جدا لدى السواح بسبب عراقة الموقع الذي يحتوي على طبقات متعددة من التاريخ بسبب تعاقب الحضارات عليه. فالموقع يحوي معبدا وثنيا وكنيسة اثرية من العهد البيزنطي ومسجد من العصر الاموي.

هي مقترحات لإجراءات سهلة التنفيذ بدون كلفة تذكر قد تكون كفيلة في تحفيز سياحة المؤتمرات في عمان بشكل ملحوظ في السنوات القادمة. فلنفعلها ... ولنتأكد انها معروفة لدى القائمين على السياحة الأردنية والمؤتمرات الإقليمية والدولية.