Monday, September 8, 2014

مرونة قطاع الاسكان الاردني: ازدهار البناء في الشمال مثالا

قدوم الاشقاء اللاجئين من سوريا بعد 2011 الى الاردن (وخصوصا في محافظات الشمال) كان له اثر كبير على اسعار الايجار في المدن والبلدات التي تركز بها النزوح السوري. يمكن _ استنادا الى الارقام الرسمية_ تبيان ديناميكة زيادة الطلب على العقار والمساكن في الاردن على زيادة حركة بناء المساكن لتلبية هذه الزيادة في الطلب.

في 2012 زادت مساحات العقارات الحاصلة على رخص انشاء في الاردن بنسبة 6% (عن 2011) لتصل الى 12.9 مليون متر مربع. وفي 2013 ارتفع الرقم بنسبة 8% ليصل الى 13.99 مليون متر مربع. ومع منتصف العام 2014 ارتفعت مساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في الاردن بنسبة 13% عن الفترة المماثلة في 2013.

ارتفعت حصة اقليم الشمال من مجمل المساحات من 17% في 2011 الى 20% في 2012 و الى 24% في 2013 و 25% في منتصف 2014. وذلك بسبب نمو مساحات العقار الحاصلة على ترخيص في الشمال بوتيرة اعلى بكثير من اقليمي الوسط والجنوب. فقد زادت مساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في اقليم الشمال في 2012 بنسبة 26% عن 2011. فيما ارتفعت باقليم الوسط بنسبة 4.6% فقط وانخفضت باقليم الجنوب بنسبة 21%. وفي 2013 زادت مساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في اقليم الشمال بنسبة 26.4% عن 2012. فيما ارتفعت باقليم الوسط بنسبة 2.3% فقط وزادت باقليم الجنوب بنسبة 22% لذات السنة.

بالارقام المطلقة زادت المساحات المرخصة في 2012 على مستوى الاردن ب 746 الف متر مربع. كانت حصة اقليم الشمال من هذه الزيادة 541 الف متر مربع بنسبة 73% من مجمل الزيادة على مستوى الاردن مع ان حصة اقليم الشمال من مجمل البناء كانت 20.4% فقط تلك السنة. وفي 2013  زادت المساحات المرخصة على مستوى الاردن بمليون و78 الف متر مربع. كانت حصة اقليم الشمال من هذه الزيادة 695 الف متر مربع بنسبة 65% من مجمل الزيادة على مستوى الاردن مما رفع حصة اقليم الشمال من مجمل المساحات الى اكثر من 24% في 2013.

واضح اذن ازدهار نشاط البناء في اقليم الشمال بشكل كبير في اخر سنتين ونصف. ديناميكة العرض و الطلب في الشمال زادت من حركة البناء هناك بحوالي مليون و800 الف متر مربع باخر سنتين تقديرا (الفرق بين الرقم الفعلي والرقم الافتراضي لو نمت حركة البناء بالشمال بنفس نسبة نمو اقليم الوسط). اي ان مرونة السوق وقوى العرض والطلب ضخت في سوق الاسكان في اقليم الشمال اكثر من 300 مليون دينار اضافي لمواكبة زيادة الطلب على المساكن في الشمال.

الازدهار هذا امر ايجابي على عدة محاور منها:

-        اثبات فعالية ديناميكية العرض والطلب ساهمت باقدام الاهالي والشركات على الاستثمار بالبناء لمواكبة الطلب الكبير على المساكن الذي سببه ازدياد عدد المواطنين السوريين في محافظات شمال الاردن.

-        زيادة عرض الوحدات السكنية في الشمال سيساهم حتما في تخفيف الضغوط التصاعدية على مستوى الايجارات بنسب عالية غير منطقية وهو من مصلحة الباحثين عن عقار للاستئجار.

-        حركة البناء هذه تخلق بالضرورة فرص عمل جديدة وتنشط الحركة التجارية قطاعات اقتصادية مرنبطة (مفروشات بنوك اتصالات الخ)

يبقى ان السبب الرئيس براي لمرونة قطاع الاسكان الاردني هو انه ليس مدارا باسلوب مركزي بيروقراطي حكومي بل يحركه اساسا شركات وافراد قطاع خاص متنافسون راغبون بالربح. يعني بالعامية: " مش زي سكن كريم لعيش كريم" !

Monday, September 1, 2014

برنامج شبكة الالياف الضوئية الوطني: هل يصبح مشغل اتصالات حكومي مع احتكار؟

بدأ برنامج شبكة الألياف الضوئية الوطني في 2003 وباكورته كانت  شبكة الجامعات التي تربط 8 جامعات حكومية وهي تعمل منذ 30 حزيران 2004 ( الآن أصبحت الشبكة تحت إدارة شركة شبكة الجامعات الأردنية).

وبحسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فان العام 2014 سيشهد انجاز التالي:

-        البدء بمشروع اســتكمال شــبكة الألياف الضوئيــة الوطنية لربط المدارس ومديريات التربية و المؤسسات الحكومية و المستشفيات و المؤسسات الصحيـة فـــي مناطق الكرك ومعان و الطفيلة و عمان والزرقاء ومأدبا والبلقاء.

-        البدء بمشروع توريد و تركيب و تشــغيل  الأجهزة الخاصة باستكمال شـبكة الألياف الضوئية الوطنية لربط المدارس ومديريات التربية و المؤسسات الحكومية و المؤسسات الصحية في مناطق الوسط و الجنوب وفـــي مناطق الشمال المرحلة الثانية.

تلخيصا يهدف المشروع الى بناء شبكة واسعة من الالياف الضوئية لربط حوالي 5000 جهة حكومية (من مدارس ومستشفيات ومستوصفات) في الاردن. وفد رصدت الحكومة للمشروع حوالي 150 مليون دولار بحسب تصريحات من الوزارة. وسيتم تشغيل الشبكة وتقديم الدعم الفني لها عبر تمويل من الحكومة المركزية بعد ان تختار جهة لادارة هذه الشبكة عبر عطاء.

لا شك ان الاستثمار في انشاء شبكات الالياف الضوئية في المدن والقرى الاردنية هو ايجابي يامتياز. فشبكات الالياف الضوئية هي الوسيلة الامثل لتقديم خدمات الانترنت عالية السرعة والتي تشكل اساس الاقتصاد المعرفي.

لكن الرؤية الحالية تلغي المنافسة في تقديم خدمات الانترنت ونقل البيانات في القطاع الحكومي: خمسة الاف مؤسسة حكومية ستكون ملزمة بالحصول على خدمات الاتصالات من هذا المشغل الحكومي الجديد بدون وجود خيار للاعتماد على مشغلين اخرين مع ما قد يقدمونه من خيارات وتقنيات مضافة. كذلك فان هذا المشغل الجديد المملوك للحكومة سيولد وهو ضامن لسوق اسير (من 5000 جهة حكومية) لا تنافسه فيه اي شركة. صحيح ان هذا المشغل الحكومي الجديد سيكون مدارا من قبل جهة حصلت على حق الادارة بعطاء تنافسي لكن المشغل نفسه سيتمتع بالاحتكار.

بحجم استثمار راسمالي نهائي قد يتجاوز 180 مليون دينار ستكون الكلفة التشغيلية السنوية لادارة الشبكة الحكومية (المشغل الحكومي) ما بين 9 مليون دينار سنويا الى 13 مليون دينار سنويا (5% الى 7% من حجم الاستثمار). حيث تشمل الكلفة التشغيلية رواتب الموظفين والكهرباء ومصاريف الصيانة ورسوم تراخيص البرمجيات الخ. وعلى فرض عمر افتراضي لاجهزة الشبكة ب 15 سنة فان الكلفة السنوية الشاملة لتشغيل الشبكة ستكون حوالي 23 مليون دينار سنوي.وعليه فان ربط 5000 جهة حكومية بشبكة الالياف الضوئية سيكلف الحكومة 23 مليون دينار سنويا. وبلا منافسة.

وبما ان المشغل الحكومي سيكون مدارا وممولا بشكل مركزي من ميزانية الحكومة فان خمسة الاف مؤسسة حكومية لن تشعر بكلفة ربطها بالانترنت عالي السرعة وستعتبرها مجانية وبنفس لن يكون لها حق الاعتراض على نوع الخدمة المقدمة لانه لا منافسة في الموضوع. وبنفس الوقت ان المشغل الحكومي الجديد _المعفي من ضغوطات المنافسة_ سيعفى ايضا من ضغوطات تقديم الخدمة الافضل. فزبائنه "مجبورون به" وهو "مجبور بهم"! كذلك بدون اي نوع من المنافسة من يضمن ان يكون المشغل الحكومي الجديد خيارا ذا جدوى اقتصادية طالما لا نعلم كم سيكلف ربط نفس الجهات الحكومية في سوق تنافسي؟ خصوصا ان الحكومة (الحالية او حكومات مستقبلية) قد تخضع لاغراءات توظيف موظفين في المشغل الحكومي لا على اساس الحاجة لهم بل بسبب ضغوطات مختلفة فنصل مرحلة يكون فيها المشغل الحكومي _المتمتع بالاحتكار والتمويل المضمونين_ بلا اي فعالية اقتصادية.

مرة اخرى الموضوع ليس فرق بين مشغل حكومي بقطاع عام او مشغل قطاع خاص. الاهم والاساس هو توفر المنافسة الفاعلة الحقيقية في كل قطاع اقتصادي. وضمان وجود المنافسة وديمومتها هو من اهم ادوار اي حكومة.

ولان الاستثمار في شبكات الالياف الضوئية هو شيء ايجابي بالمطلق فلربما تكون المقترحات التالية هي الطريق نحو تعظيم منافع هذا الاستثمار وتفادي مشاكل الاحتكار:

-        فتح باب المنافسة لاستخدام شبكة الالياف الضوئية الوطنية لكافة مشغلي شبكات الاتصالات السلكية والاسلكية بالاردن مقابل دفع ايجار سنوي للحكومة من قبل اي مشغل يرغب ياستخدامها كجزء من تقديم خدمات الاتصالات الخاصة به.  ويكون تحديد الايجار للالياف الضوئية باسلوب العطاءات التنافسية.

-        فتح باب المنافسة لخدمة وتوصيل الخمسة الاف مؤسسة حكومية عبر عطاءات تنافسية سنوية لضمانة ان تكون الكلفة السنوية هي الامثل. مع التفكير بضرورة ان يقدم خدمة الربط اكثر من مشغل اتصالات لكل جهة حكومية لضمان استمرارية الخدمة ومرونتها.

-        ولا مانع طبعا ان اصرت الحكومة على وجود مشغل حكومي لشبكة الألياف الضوئية الوطني ان يشارك هذا المشغل الحكومي في المنافسة لتقديم الخدمة للجهات الحكومية.

ضمان المنافسة وديمومتها _ مع بقاء 5000 جهة حكومية في ديناميكة السوق التنافسية بدلا من تسويرهم باحتكار _ افضل من ضمان احتكار لمشغل حكومي ممول مركزيا بلا اي ضغوط تنافسية.

فلنتذكر: في قطاع الاتصالات استبدلنا فيه _ كبلد _ احتكار المؤسسة الحكومية بسوق تنافسية بالكامل فيها استثمارات خارجية مباشرة ومشغلين من القطاع خاص (يتحملون كافة مخاطر الاستثمار من دون اي ضمانة حكومية). وبسبب المنافسة استفاد المستخدمون من تخفيض اسعار الخدمات وتعدد الخيارات وانتشار الاستخدام بشكل واسع. واستفادت الخزينة من تحصيلات ضريبية كبيرة. ولنتذكر: ان الخصخصة في قطاع الاتصالات اتت بالتزامن مع ادخال المنافسة وضمان استمرارية المنافسة الفاعلة وبلا اي ضمان لربح اي مساهم. لان اساس قصة النجاح هي المنافسة وديمومتها.

Thursday, August 28, 2014

تفنيد مسوغات الاحتكار في تامين العاملين في المنازل: رد على الرد الحكومي

بعد المقال في خبرني عن احتكار تامين العاملين بالمنازل (احتكار جديد وايضا برعاية حكومية: تامين العاملين في المنازل( قامت وزارة الصناعة والتجارة مشكورة بنشر موقفها في الصحافة بخصوص موافقتها على استنثاء الاتفاقية من بنود المادتين الخامسة والسادسة من قانون المنافسة رقم 33 لسنة 2004 واللتان تمنعان اي احتكار. وجاء قرار الوزارة بعد تقدم النقابة بطلب استثناء سندا لاحكام المادة السابعة من قانون المنافسة رقم 33 لسنة 2004 وتعديلاته والذي يتضمن طلب الموافقة على استثناء احدى الممارسات التي يبررها النفع العام من تطبيق احكام المادة (5/أ) من ذات القانون ، المتمثلة بقيام النقابة باختيار شركة تامين واحدة من خلال عطاء تنافسي والزام مكاتب الاستقدام بالتعاقد معها دون غيرها لغايات تأمين العاملات والخادمات في المنازل.

واستندت الوزارة في قرار الموافقة على منح الاستثناء رقم (86)لسنة 2014 انها وبعد دراسة طلب الاستثناء تبين لها العديد من الايجابيات لهذه الممارسة . وفصلتها كالتالي:

اولا: تجاوز السلبيات التي يواجهها القطاع والمتمثلة في عدم التزام شركات التامين بمنافع بوليصة التأمين عن حدوث حادث او وفاة للعاملة ومماطلة شركات التأمين بالتعويض عند حدوث وفاة

الرد: كيف يكون تركيز وتحديد كل بوليصات التامين بشركة واحدة حلا لعدم التزام بعض شركات التامين سابقا ببوليصات التامين؟ بالمناسبة بعض شركات التامين ايضا تماطل في تامين الحياة او تامين السيارات او التامين الصحي. هل الحل يكون ايضا باحتكار تحدده الوزارة في قطاع تامين السيارات والحياة والصحة؟

ثانيا: اشارت الدراسة التي قامت بها الوزارة الى "ان القرار ياتي لتحقيق منافع عديدة منها الحصول على تغطيات افضل للمنتفعين من البوليصة الى جانب السهولة في تطبيق منافع التأمين الموجودة في البوليصة كتحديد المستشفيات مسبقا في حالة علاج العاملات مما يخدم الشخص المؤمن عليه ، بالاضافة الى عدم تحمل صاحب المنزل والعاملة واي تكاليف او اعباء مالية اضافية جراء اضافة تامين حالات الهروب الى بوليصة التأمين "
الرد: الحصول على تغطيات افضل يكون حله بتحديد شروط دنيا لبوليصة تامين العاملات بالمنزل ولا يكون باحتكار لشركة واحدة. فتامين السيارات مثلا شروطه الدنيا موحدة لجميع شركات التامين. فكل المذكور اعلاه حله بالشروط الدنيا او الموحدة لبوليصة التامين ولا يكون بحصر التامين بشركة واحدة فقط.

ثالثا: وتقول الوزارة ايضا ان فرض الاحتكار يعني "سهولة التعامل مع شركة واحدة لتكون المرجعية الوحيدة للعاملات داخل الممملكة وضمان سرعة الحصول على التعويضات المحددة في بوليصة التأمين"   

الرد: هذه جديدة تماما! كيف يصبح فرض شركة واحدة فقط على المستهلكين فيه سهولة التعامل وضمان سرعة التعويضات؟ على العكس: يمكن الافتراض ان من يوظفون عاملات المنازل هم في الاغلب من الطبقة الغنية او الوسطى العليا. وارباب تللك العائلات لهم علاقات قديمة مع شركات تامين في القطاع لتامين سيارتهم وكذلك _ للكثير منهم_ للتامين الصحي وتامين الحياة لشركاتهم واعمالهم. بالتالي الخدمة التامينية ستكون افضل لهم اذا طلبوها من شركات يتعاملون معها سنويا اصلا ويدفعون لها اقساطا بالاف الدنانير. فاي شركة تامين ستفكر مليا قبل محاولة التنصل او تعطيل منافع بوليصة تامين او تقديم خدمة سيئة لزبائن قديمين يؤمنون عندها ايضا سيارتهم واعمالهم.

رابعا : تقول الوزارة انها وجدت "ان طرح عطاء تنافسي من قبل النقابة لشركات التأمين على عاملات المنازل سيوفر قدرا كافيا من المنافسة بين هذه الشركات لتقديم عروض افضل من حيث السعر وجودة الخدمات "
الرد: فلنتذكر ان نقابة أصحاب مكاتب استقدام واستخدام العاملين في المنازل من غير الأردنيين هي نقابة لمؤسسات قطاع خاص وان شركة التامين هي شركة قطاع خاص. من حق النقابة ان تتفق مع من تشاء فيما يخص مكاتبها واعضاءها ولكن لا حق لها في فرض رايها على من يؤمن عاملة المنزل عنده عند تجديد تصريح العمل والاقامة. اي ان هكذا اتفاقية حصرية مع شركة تامين واحدة يمكن هضمها _بصعوبة شديدة_ لو اقتصرت فقط على عاملات المنازل الجدد اللواتي ياتين الى الاردن كل سنة عبر المكاتب الاعضاء في النقابة. فيكون هذا قرارا للمكاتب فيما بخص اعمالهم. لكن ان يتوسع الاختيار الحصري للنقابة ليشمل 40 الف عاملة تجدد اقامتها سنويا فهو فرض احتكار يخالف كل الادبيات الاقتصادية.

الحل المقترح مرة اخرى: اشتراط التامين وشروط البوليصة امران جيدان. السيء في هذا القرار هو تثبيت سعر بوليصة التامين وحصر الخدمة بشركة تامين واحدة فقط. لذلك يجب على وزارة العمل ان تصوب الوضع باسلوب سهل وبسيط:

-        وضع نص واضح وموحد لبوليصة التامين وتكون هذه البوليصة الموحدة لازمة للحصول على تصريح العمل.

-        السماح لكل شركات التامين التي تريد ان تقدم هذه الخدمة التامينية بتقديمها.

-        تحديد حد اعلى لسعر بوليصة التامين للمواطنين مع السماح لشركات التامين المتنافسة بتخفيض الاسعار اذا ارادت. فمثلا عاملة منزل تعمل في نفس البيت لاكثر من 10 سنوات سيكون احتمال هروبها اقل من عاملة منزل جديدة وشركات التامين قد تعطي خصم على بوليصة التامين في هكذا حالة.

لان القصة اساسا ليست بقطاع عام او قطاع خاص. الاهم توفر المنافسة الفاعلة الحقيقية في كل قطاع اقتصادي. وضمان وجود المنافسة وديمومتها هو من اهم ادوار اي حكومة.

Sunday, August 17, 2014

قراءة في اسعار ترددات الخدمة الخلوية بالاردن واساس تسعيرها


استلمت الحكومة في 2014 مبلغ 192 مليون دينار من شركة زين لحيازة حزمة من الترددات في النطاق الترددي 1800 ميغاهيرتز وهو نطاق يسمح بتقديم خدمات الجيل الرابع (142 مليون دينار) وحزمة ضمن النطاق الترددي 2100 (50 مليون دينار) الذي يتيح تقديم خدمات الجيل الثالث ما يسمح للشركة بالتوسع في هذه الخدمة التي تقدمها منذ العام 2011. مدة حيازة هذه الترددات لمدة 15 سنة اي 15.77 مليون دينار سنويا لترددات الجيل الرابع و 3.3 مليون دينار سنويا لترددات الجيل الثالث.

كذلك استلمت الحكومة مبلغ 52 مليون دينار من شركة اورانج لتجديد حيازة ترددات 900 ميغاهيرتز التي تستخدمها الشركة حاليا لشبكة الجيل الثاني. ومدة تجديد الحيازة كانت خمس سنوات اي 10.4 مليون دينار سنويا.

بلغت الارباح الصافية لشركات الخلوي الثلاثة في الاردن (زين واورانج وامنية) 124 مليون دينار في 2012 بانخفاض 11% عن ارباح عام 2011 والتي بلغت 140 مليون دينار. وتقديرا بلغت الارباح الصافية للشركات الثلاثة في عام 2013 110 مليون دينار بانخفاض 11% عن ارباح 2012.

السوق الخليوية في الاردن الان تنافسية بشكل ممتاز: بحسب دراسة مجموعة المرشدين العرب
'مستويات التنافس في اسواق الاتصالات الخليوية العربية'  فان سوق الخلوي الاردني اتى في المرتبة الثانية في مؤشر خاص بشدة تنافسية السوق الخلوي بعد السوق السعودي. وطبعا وجود ثلاثة مشغلين يملكون شبكاتهم مع وجود مشغل رابع افتراضي عنصر اساسي في تقدم الاردن الى صدارة مؤشرات مستوى المنافسة في اسواق الاتصالات الاقليمية.

كما تقدم الشركات الثلاثة الان خدمات الجيلين الثاني والثالث نتمنى ان تقدم _جميعها_ كذلك خدمات الجيل الرابع ايضا. ولهذا تحتاج كل شركة ان تشتري حزمة ترددات في الجيل الرابع ايضا كما فعلت شركة زين. مع التذكير بان الشركات تدفع ايضا رسوم مشاركة عوائد (10% من عوائدها) ورسوم سنوية للترددات وضريبة دخل. فيما يدفع المستهلكون ضريبة مبيعات خاصة (24%) وضريية مبيعات عامة (16%).

ما التبعات المالية لذلك؟

-        حيازة ترددات الجيل الرابع للشركات الثلاثة (لمدة 15 سنة) يتطلب رسوما للحكومة بقيمة 426 مليون دينار. هذا يساوي اربعة اضعاف الارباح الصافية لكل شركات القطاع في 2013. اي ان الحكومة ستاخذ ارباح اربع سنوات مقدما (على فرض ثبات الارباح) مقابل رخص ترددات لمدة 15 سنة. طبعا ارباح الشركات الثلاثة غير متساوية: فالرسوم تمثل ارباح سنتين او ثلاثة لشركة ما فيما توازي ارباح ست او سبع سنوات لشركة اخرى.

-        الشركات طبعا تحتاج الى الاستثمار في شبكات وتقنية الجيل الرابع بمبالغ تتراوح ما بين 100 الى 150 مليون دينار للشركات الثلاثة لتقدم الخدمة بعد حيازة الترددات.

-        مجموع الاستثمار في الترددات والبنية التحتية لتقديم الخدمة يصل الى 576 مليون دينار (غير النفقات التشغيلية) اي 38 مليون دينار سنويا (اطفاء الاستثمار على مدة الرخصة). وعليه يجب ان تربح الشركات الثلاثة اكثر من 38 مليون دينار سنويا (كمعدل) ليكون الاستثمار في شبكات الجيل الرابع بلا خسارة. ويجب ان تزيد الارباح الصافية باكثر من 45 مليون دينار ليكون الاستثمار مجديا وجذابا.  

-        بكلمات اخرى ليكون الاستثمار في الجيل الرابع مجديا يجب ان تزيد الارباح الصافية للشركات الثلاث بنسبة 40% عن مستوى مجموع ارباح 2013 ليكون الاستثمار مجديا.

-        المراقبون بالطبع سيتابعون بشكل حثيث تقديم زين لخدمات الجيل الرابع مع بداية عام 2015 ليستشفوا تاثير تقديم خدمات الجيل الرابع على عوائد الشركة وارباحها. 

ان قيمة وثمن الترددات (اي ترددات) في السوق (اي سوق) متربطان اساسا بامكانية تحقيق عائد استثماري جيد من هذه الترددات. وهذه الربحية تعتمد على مؤشرات عديدة مثل مستوى الدخل وحجم الاقتصاد وعدد السكان وعدد المشتركين وفرص النمو وحجم المنافسة في السوق وكلفة الطاقة ونسب الضرائب والرسوم والمستوى التعليمي للمستهلكين وغيرها من المؤشرات.

ونتذكر ايضا ان الحكومة عرضت ترددات الجيل الرابع في عطاء علني شفاف ولم ينجح هذا العطاء في استقطاب اي اهتمام من الشركات الاقليمية والعالمية. وعلى سعر 142 مليون دينار لترددات الجيل الرابع لم تتقدم الا شركة واحدة في الاردن للشراء فيما اظهرت الشركتان الاخريتان تحفظا كبيرا على تسعير هذه الترددات بهذا السعر.

نعود لكلفة حيازة الترددات في الاردن لنبين ان مجموع كلفة حيازة الترددات السنوية (كلف الحيازة مطفأة على عدد سنوات رخص الحيازة) في الاردن في 2013 بلغ حوالي 19 مليون دينار سنويا. سيرتفع في العام 2015 (بعد حساب ما دفعته زين وارانج في 2014) الى 38.6 مليون دينار سنويا. وعلى فرض قررت اورانج وامنية ان تستثمرا في الجيل الرابع في 2015 (على نفس السعر الذي دفعته زين) سيتجاوز مجموع كلفة حيازة الترددات السنوية 57 مليون دينار سنويا بارتفاع بنسبة 200% عن مستوى 2013.

موضوعيا _في ظل اسعار الترددات هذه_ لا اعتقد ان الاستثمار في الجيل الرابع لامنية واورانج سيكون ذا جدوى اقتصادية وجذابا للمساهمين في الشركتين. وهذا قد يعني ان السعر الحالي للترددات سيخلق _في الواقع _ حصرية في تقديم خدمات الجيل الرابع. والكل يتفق على ان وجود اي حصرية في اي خدمة ليست نتيجة مرغوبا بها لاي اقتصاد.

لكل هذا فان المطلوب وقفة مراجعة من جميع الفاعلين واصحاب المصلحة في سوق الاتصالات الخلوية (وهم الحكومة والشركات والمستهلكين) للمضي نحو مستقبل مزدهر مثالي لسوق فيه منافسة صحية وحقيقية ، واستثمار مجد ومستدام ، وتحصيلات حكومية من الضرائب والرسوم وفيرة ومستمرة وعادلة.

والبداية لربما تكون بشفافية حكومية في نشر الدراسات والمقارنات والمقاربات التي جعلتها تقرر على اسعار الترددات التي تطلبها.  فبعض الدراسات وجدت ان كلفة الترددات لكل شخص في الاردن اعلى بثلاثة اضعاف من كلفتها في دول اغنى بكثير مثل تايوان و اسبانيا كانت قد اعطت رخص حيازة ترددات في 2014 ايضا.