Monday, March 16, 2009

الصناديق الحكومية المتخصصة: الاصرار على سياسة خلّف وانسى

الصناديق الحكومية المتخصصة: الاصرار على سياسة خلّف وانسى

تعكس بعض القوانين والانظمة النافذة في الاردن تناقضا وتخبطا فيما يخص الضرائب على الدخل والارباح على الشركات. فعند النظر الى بعض من القوانين والانظمة حديثة العهد نجدها تخالف ابجديات اي نظام ضريبي عادل كونها تميز بين الشركات والمؤسسات على اساس اطارها القانوني وليس قطاعاتها او مصادر دخلها. على سبيل المثال لا الحصر يمكننا النظر الى تمويل "صندوق دعم البحث العلمي" و"صندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني" وضريبة "رسوم الجامعات الاردنية" كنماذج لهذا التناقض والتمييز.


حسب الانظمة السارية تدفع الشركات المساهمة العامة 1 بالمئة من صافي الارباح السنوية لصندوق دعم البحث العلمي و1 بالمئة اخرى كرسوم جامعات. كذلك تدفع هذه الشركات المساهمة العامة (1 بالمئة) من الارباح الصافية القابلة للتوزيع كمخصصات لصندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني. وعليه فان ضريبة الدخل المدفوعة من قبل شركة مساهمة عامة تعمل في مجال الصناعة مثلا تصبح واقعا 18 بالمئة بدلا من 15 بالمئة.


وتلزم الانظمة السارية ذاتها جميع الشركات »باستثناء شركات التضامن وشركات التوصية البسيطة« بتخصيص ما نسبته »1 بالمئة« من صافي الارباح السنوية للشركات المساهمة العامة لصندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني من دون الباقي المفروض على الشركات المساهمة العامة. وعليه فان الشركة الصناعية المسجلة كشركة مساهمة خاصة تدفع ضريبة دخل بنسبة 16 بالمئة بدلا 15 بالمئة.

وعليه فان تساوت ارباح شركتين »الاولى مساهمة خاصة والثانية مساهمة عامة« تعملان في المجال نفسه فان الشركة المساهمة العامة تدفع ضرائب اعلى من الشركة المساهمة الخاصة. ويكون فرق الضرائب المدفوعة بنسبة 12 بالمئة ان كانت صناعية (18 بالمئة مقابل 16 بالمئة) و8 بالمئة ان كانت خدمية (28 بالمئة مقابل 26 بالمئة).

ان هذا الاختلاف والتناقض الذي يميز ما بين الشركات يبين حقيقة عدم وجود نظرة شمولية لدينا في الاردن سواء على مستوى الحكومات او مجالس النواب للسياسات الضريبية على الشركات والافراد. فالضرائب لها غايتان اساسيتان: الغاية الاولى تتمثل في تمويل المصاريف الحكومية للخدمات العامة »امن وبنى تحتية وتعليم وصحة« وهو ما لا يختلف عليه الناس خصوصا مع اشتراط وجود الشفافية والمساءلة الكاملتين في ميزانيات الدولة. والغاية الثانية هي اعادة توزيع الثروة والدخل الوطني وهو ما يختلف الناس عليه كل حسب اتجاهه الاقتصادي والسياسي.


كذلك فان الاتجاه الحكومي والتشريعي لفرض ضرائب "معنونة" (اي ان اوجه تحصيلها وصرفها محددة سلفا بالقانون) له سلبيات كثيرة من دون ايجابيات تذكر.
فمصادر دخل هذه الصناديق »مثل صندوق دعم البحث العلمي وصندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني« ستتذبذب مع صعود وهبوط ارباح الشركات التي يقتطع منها التمويل سنويا. وهو ما يؤثر سلبا على قدرة هذه الصناديق للتخطيط طويل الامد وتحديد الميزانيات لسنوات مقبلة. كذلك فان متابعة الصندوقين لهذه المقتطعات مع الدوائر الضريبية او مع الشركات مباشرة يتطلب كوادر ومصاريف اضافية. ويكفينا لفت الانتباه هنا الى قيام صندوق التشغيل والتدريب والتعليم المهني والتقني بدفع عمولات لعدد كبير من موظفيه نظير تحصيلهم المبالغ المخصصة للصندوق من الشركات الخاصة!


ربما ارادت الحكومات التي اقترحت انظمة الضريبة المعنونة اراحة نفسها من الحاجة لتخصيص ميزانيات سنوية لهذه الصناديق واستسهلت سياسة الانجاب والنسيان هذه! فهي حكما "تخلِف" الصندوق وتنساه لتدعه يمول نفسه بنفسه عبر التحصيل المباشر لمخصصاته زادت او قلت. فظهر عندنا صندوق الثقافة الممول عبر ضريبة معنونة اخرى على الاعلانات وكذلك اراد بعض نوابنا تمويل صندوق دعم المواشي بضرائب معنونة على الاتصالات الخلوية وفواتير الكهرباء!


لا يدعو هذا التحليل الى الغاء هذه الصناديق المهمة. بل المطلوب هو الانتباه الى اساسيات العدالة وعدم التمييز في فرض الضرائب. فقد نحسن صنعا ان قمنا بتمويل هذه الصناديق جميعا من الميزانية الحكومية سنويا لاغين بذلك تذبذبها السنوي حسب ارباح الشركات. وقد يكون من المناسب ايضا ان تقوم الحكومة بتوحيد نسب التخصيص المختلفة والمتناقضة بضريبة اضافية واحدة غير معنونة سلفا ولا تميز بين الشركات حسب طبيعتها القانونية.

ختاما سيفيدنا جميعا تذكر الحقيقة الاولى ان الشركات لا تدفع الضرائب بل ان الافراد المالكين للشركات هم الذين يدفعون حقيقة هذه الضرائب. فالضرائب على الشركات هي ايضا في النهاية ضرائب على الافراد

Monday, March 9, 2009

معاملات دائرة الاراضي والمساحة الاردنية : امتداد الحقبة العثمانية؟

بسبب استخدام التكنولوجيا الحديثة والاسس العلمية لسير العمل اصبح الاردنيون يحصلون على جواز سفر جديد في ساعة او اقل و يجددون رخص سياراتهم في ساعتين او اقل وتتم العملية في الغالب بسلاسة تريح المواطن والموظف معا. هذا النجاح في دائرة الاحوال المدنية ودائرة السير يجعلنا ننظر الى دائرة الاراضي والمساحة لاستخلاص مقترحات تحسن من الواقع الحالي.
وبما ان الرسوم على تسجيل الاراضي تشكل رافدا كبيرا للخزينة (اكثر من 199 مليون دينار في 2007 كايرادات تسجيل اراضي) لن يختلف احد على اهمية الدائرة ومعاملاتها للمواطن والخزينة معا.
شاء حظي العاثر ان احتاج الى نسخ من سندات تسجيل من دائرة الاراضي والمساحة في الزرقاء. لن افصّل ما واجهت خلال اربعة ايام عصيبة في اجراء يذكر نموذجه لدى الدائرة انه يحتاج الى 30 دقيقة! فالعبرة هنا في الخروج من الخاص الى العام واستخلاص بعض المقترحات استنادا الى اساليب الهندسة الصناعية ونظم المعلومات (وهي ما درست) و الادارة الحديثة (وهي ما امارس في عملي الخاص
لا تطبق الدائرة نظام الدور الالي مع ان كل شباك في الدائرة عليه لوحة خاصة بهذا النظام. والنتيجة طبعا اكتظاظ المراجعين على شبابيك المراجعة الضيقة كل يحجز دوره او يسطو على دور غيره. هذا التزاحم على شبابيك المراجعة يؤدي الى توتير الموظفين ايضا. فهم ملاحقون بالاسئلة والاستفسارات عن معاملات المواطنين بينما يقومون بعملهم. والمحصلة ضيق وتوتر لدى المراجعين والموظفين معا يزيده ورود معاملات مراجعي العيار الثقيل التي تهبط على اول الدور بقدرة قادر وسط صيحات واهات المراجعين الاخرين وعصبية الموظفين.
التساؤل: هل سيتم استخدام نظام الدور الالي ام ان وجوده لرد العين فقط؟
في الدائرة ايضا يسير كل مراجع بملفه متنقلا من شباك الى شباك ومن مكتب الى مكتب بحسب الاجراءات المطلوبة. وكل شباك او مكتب له دوره الخاص فمن كان اولا على الشباك السابق قد يأتي اخيرا في الشباك اللاحق. وفي المكاتب يتزاحم المراجعون حول طاولات مساعدي المدير الذين حقا يشعرون بضغط كبير سببه هذا التزاحم حولهم. وهكذا تتغذى دائرة التوتر والتوتر المقابل: فلا الموظف مرتاح وراض ولا المواطن مرتاح او راض! فالمراجع الان يحمل معاملته في يده ليوقعها رئيس قسم بعد عمل الموظف على الكميوتر ومن ثم يعود بها للطباعة ويسير بها الى مساعد المدير وبعده المدير (او الارشيف في طابق اخر) وكل مكتب في طابق او جهة وكل مكتب له دوره ومراجعيه!
التساؤل: ما الجدوى في جعل المراجعين مراسلين داخليين؟ اليس الحل الواضح –خصوصا في الاجراءات الروتينية التي لا تشتمل على البيع او الشراء- استقبال طلبات المراجعين على شبابيك موحدة (مثل مكتب خدمة الجمهور) تقوم بالتأكد من استيفاء المعاملة الشروط والوثائق اللازمة واستقبالها برقم مراجعة ومن ثم السير بالاجراءات الداخلية من دون وجود المراجعين متزاحمين حول الموظفين. ومن ثم تعاد المعاملة الى المراجع عبر مكتب خدمة الجمهور للقيام بالاجراءات المتبقية من دفع رسوم وغيرها. ويمكن القيام بدراسات الوقت والحركة في الهندسة الصناعية لتيسير هذه الاجراءات واعلام المراجعين بالوقت المتوقع لانجاز المعاملة. وبحسب علمي يتم بعض من هذا حاليا في دائرة اراضي اربد مما يطرح التساؤل عن سبب اختلاف اساليب العمل بين محافظة واخرى.
وهنا نأتي الى قصة الصندوق الازلية في دوائرنا الحكومية! ما الجدوى من ان يكون الدوام الرسمي لغاية الساعة الثالثة اذا كان الصندوق يغلق في الساعة الواحدة والنصف؟ فالعمل يتوقف حقيقية في الساعة الواحدة والنصف. الا يمكن ان يؤسس لنظام يقوم فيه موظفو الصندوق بالذهاب الى البنوك لايداع ما تم تحصيله حتى الساعة الواحدة والنصف مع الاستمرار في تحصيل الرسوم حتى الثالثة ليبقى العمل مستمرا حتى الثالثة بحيث يتم ايداع المتبقي في قاصة امينة وتوفير حماية لهذا المبنى الحكومي الهام. كذلك فان تمديد عدد ساعات العمل الفعلية يساهم في تخفيف الازدحام في الدائرة.
اخيرا لا بد من وجود امني ورقابي مستمر في الدائرة ليحول دون اي اخلال بالنظام من قبل المراجعين وكذلك ليمنع بعض الموظفين والمدراء من الاستهتار بالعمل والتنكيل اللفظي بالمراجعين. يستحسن ايضا وجود ارشادات واضحة للمواطنين تعلمهم بحقوقهم وواجباتهم اثناء متابعة معاملاتهم لكي لا يستفيد بعض الموظفين من جهل الكثير من المواطنين بماهية مهام وصلاحيات افراد الدائرة الذين يتصور بعضهم ان له صلاحيات حجز هويات المراجعين ان غضب منهم!
في نجاح تجارب الجوازات ورخص السيارات امل لنا ان تطوي دائرة الاراضي والمساحة صفحة البيروقراطية العثمانية وان تعتنق القرن الواحد والعشرين قبل ان ينتهي!