Saturday, September 27, 2008

رفض التوطين في الاردن: خلط للمفاهيم واعتداء على الدستور

لا بد دوما من نظرة فاحصة الى التاريخ عند تناول امورا هي نتيجة هذا التاريخ وخصوصا في مسائل يتفنن الكثيرون في الصيد في مياهها العكرة.


اولاً : خريطة المشرق العربي السياسية الحديثة كانت نتاج تفاعل قرارات في اسطنبول ولندن وباريس
دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الاولى الى جانب المانيا والامبروطورية النمساوية لاسباب ربما يكون اهمها العداوة مع روسيا القيصرية مع ان علاقات الدولة العثمانية مع بريطانيا وفرنسا كانت جيدة انذاك. و كان دخول الخلافة العثمانية الحرب بين الدول الاوروبية امرا غير مفهوم وخصوصا مع بقاء الكثير من الدول الاوروبية (مثل هولندا والدول الاسكدننافية) على الحياد.

ابان الحرب العالمية الاولى كان الاتراك والعرب القوميتين الاساسيتين (الاكثر عددا) في الدولة العثمانية بعد استقلال دول البلقان عن الدولة العثمانية. وكانت مصر تحت السيطرة البريطانية والحكم الخديوي في احفاد محمد علي القائد الالباني الذي حصل على استقلاله وذريته من الدولة العثمانية مع الاعتراف الاسمي بالخلافة. اما بلاد الشام والعراق والحجاز فكانت لها ولايات عثمانية هي ولايات حلب والشام وبيروت والحجاز والبصرة وبغداد والموصل وهي تابعة مباشرة للحكم العثماني.

ثانيا: الهويتين الاردنية والفلسطينية نتجتا عن تفاعل احداث ما بعد الحرب العالمية الاولى والحركة الصهيونية
ان عندنا الى الوراء لنصل الى بدايات القرن العشرين فلن نجد اي اشارة الى وعي شعبي بهوية فلسطينية او اردنية. في العصر الاموي شملت ولاية الشام ما سمي جند الاردن وجند فلسطين ولكن هذه التسمية لم تستمر بعد العصر الاموي. كان اسم فلسطين مستخدما بكثرة في الكتابات الغربية عن شرق المتوسط وهي التسمية الانجليزية للفظ اللاتيني الذي اطلق على المنطقة في عهد الامبرطور الروماني هدريان. وباستثناء بعض الكتابات في بدايات 1910 من قبل بعض المثقفين العرب المسيحيين التي استخدمت كلمة فلسطين في بعض المقالات والكتب (تأثرا بالكتابات الغربية) لم تكن هناك هوية فلسطينية او اردنية عند السكان. وعمليا ولدت الهويتان في التاريخ الحديث في وقت متقارب مع تأسيس الانتداب البريطاني في فلسطين وصك النقود باسم فلسطين وانشاء بريطانيا لامارة شرقي الاردن واستثنائها من وعد بلفور في 1921.

اجتماعيا واقتصاديا تباين الوضع كثيرا بين فلسطين تحت الانتداب وامارة شرقي الاردن حديثة التأسيس. فقد وصل عدد السكان ضمن الانتداب البريطاني على فلسطين بحسب تعداد الانتداب البريطاني للسكان عام 1922 الى 752048 نسمة بحسب التقسيم التالي:

78% مسلمون
11% يهود
9.5% مسيحيون
1% من اتباع الطوائف واليانات الاخرى

وضمن العرب الفلسطينين شكل المسلمون 88% والمسيحيون 11% والباقي اتباع الطوائف واليانات الاخرى.
وتميز الواقع الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين الانتداب بالتالي:

بدء ازدهار مدن الساحل (خصوصا يافا) على حساب مدن فلسطين التقليدية مثل القدس ونابلس والخليل بسبب الارتباط بالاقتصاد العالمي و الاستثمار اليهودي الغربي حيث شكل اليهود قرابة 30% من عدد السكان في يافا وتل ابيب.
وصلت نسبة البدو الرحل في فلسطين الى 15% من مجمل عدد السكان العرب عام 1922.
وصلت نسبة سكان المدن والبلدات في فلسطين الى 35% من مجمل السكان ويشمل هذا الرقم اليهود الساكنين في هذه المدن والذين شكلوا 26% من سكان المدن. فيما شكل المسيحيون والمسلمون العرب الباقي (بنسبة 21% و53% من سكان المدن على التوالي)
وكانت اغلبية السكان العرب (بنسبة اكثر من 55%) في فلسطين الانتداب يعيشون في قرى ومتخذين نمط الحياة الفلاحية التقليدية.
كانت القدس اكبر المدن والبلدات بعدد سكان تجاوز 62000 عام 1922 فيما وصل عدد سكان نابلس والخليل الى حوالي 16000 و17000 على التوالي.

على الضفة الشرقية في امارة شرقي الاردن وبحسب ارقام الانتداب البريطاني بلغ عدد السكان حوالي 230000 (مائتان وثلاثون الف نسمة) نصفهم تقريبا فلاحون والنصف الاخر عشائر بدوية. وكانت بلدة السلط الاكثر سكانا مع حوالي عشرين الف نسمة وهي عمليا المدينة الوحيدة. وشكل المسيحيون حوالي 10-12% من عدد السكان في امارة شرقي الاردن.

تبلورت الهوية الفلسطينية بين بداية الانتداب والحرب العالمية الثانية مسثارة من الهجرات اليهودية من اوروبا الشرقية وازدياد فهم العرب للحركة الصهيونية واهدافها. وكانت القيادات العربية الفلسطينية للحركة الوطنية الفلسطينية من عائلات القدس العريقة

ثالثا: ضم الضفة الغربية للاردن وبدأ التشنج بين امارة شرقي الاردن والحركة الوطنية الفلسطينية
كانت العلاقة مع الانتداب البريطاني اثناء الحرب العالمية الثانية اهم محدد لوضع كل من امارة شرقي الاردن والحركة الوطنية الفلسطينية بعد الحرب العالمية الثانية وحرب 1948 بين العرب والقوات الصهيونية. فالاردن اصطف رسميا الى جانب الحلفاء واعلن الحرب على المانيا (بسبب خسارة المانيا لمعركة العلمين في مصر لم تصل المعارك ابدا الى بلاد الشام). في ذات الوقت اصطف زعيم الحركة الوطنية الفلسطينية مفتي القدس الحاج امين الحسيني مع المانيا النازية وقام بعدة زيارات الى المانيا ودعا العرب الى الوقوف الى جانب المانيا

مع نهاية الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء وما تلاه من قرار التقسيم وحرب 1948 كانت بريطانيا العظمى لا تزال الفاعل الاكبر في المنطقة ولهذا انتكست مساعي الحاج امين الحسيني ودعمت بريطانيا ضم الضفة الغربية الى الاردن –الذي كان يعتمد كثيرا على مساعدات بريطانيا- وهو الضم الذي لم تعترف به رسميا الا بريطانيا والباكستان. وبدأت وحدة الضفتين بداية مضطربة خصوصا مع تأسيس حكومة عموم فلسطين برئاسة الحاج امين الحسيني في قطاع غزة بدعم من الحكومة المصرية. كذلك فان نزوح الاف الفلسطينين الى الاردن وحصولهم على الجنسية الاردنية بموجب قرار وحدة الضفتين اوجد تداخلا بين الهويتين الحديثتين (الاردنية والفلسطينية) بحيث قويت هاتان الهويتان بموجب التداخل الديموغرافي والاقتصادي بالاضافة الى المنافسة السياسية على تمثيل اهل الضفة الغربية ما بين المؤسسة الرسمية الاردنية والحركة الوطنية الفلسطينية (في حكومة عموم فلسطين اولا وفتح ومنظمة التحرير الفلسطينية لاحقا)

دراسة تاريخ الهويتين الفلسطينية والاردنية الحديثتين لا يعني ان الهويتين فاقدتان للشرعية. فتثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية ضروري لمقارعة الحركة الصهيونية وتثبيت حق اهل فلسطين بوطنهم وللاجئين بحقهم في العودة. المقصود من الدراسة الموضوعية لتاريخ الهويتين هي وضع النقاط على الحروف للتخفيف من النعرات والاحتقانات بين الهويتين والتي تطفو الى السطح كل مدة. فتاريخ الهويتين يؤكد ان الفلسطينيون او الاردنيين لم يختاروا هوياتهم بل اختيرت لهم من قبل قوى خارجية فيما وجدت الاسباب الموضوعية لاحقا لتقوية الهويتين

اقدم هنا مقترحات لحديث الهوية في الاردن في ضوء دراسة تاريخنا

الكف تماما عن حديث "رفض التوطين" في الاردن واستبداله بحديث "حق العودة". فرفض التوطين ينتقص عمليا من مواطنة الاردنيين من اصل فلسطيني في الاردن. فالاصل ان نسعى جميعا الى اردن ديموقراطي فيه مساواة كاملة بين مواطنيه. فالتحدث عن حق العودة يعني ان لا يخسرالمواطنون الاردنيون من اصل فلسطيني حقهم التاريخي في فلسطين من دون ان يكون هذا الحق سببا في انتقاص مواطنتهم في الاردن بفض النظر عن مستقبل حق العودة. فالاردن يقبل ازدواج الجنسية وهذا ينطبق على كافة مواطنيه

النظر بموضوعية منا جميعا الى تاريخنا وعدم تحميل الشعوب تبعات قرارات لم يستشاروا فيها

التخفيف من حديث الفوقية بين الهويتين. فيستحسن ان يتذكر بعض الفلسطينيين ذي نعرات التفوق ان سبعين بالمائة من الفلسطينين كانوا فلاحين وبدوا في 1921 عند حديثهم عن كون الشرق اردنيين رعيانا وحراثين
كذلك ينبغي رفض "تحميل الجمايل" للفلسطينين عن مواطنتهم في الاردن حيث كان قرار وحدة الصفتين سابقا لخسارة الضفة الغربية بسبعة عشر عاما ساهم فيها الفلسطينيون بتنمية الاردن بضفتيه

التوقف عن الحديث عن عودة الوحدة بين الضفتين قبل نشوء الدولة الفلسطينية غير منقوصة السيادة على التراب الوطني الفلسطيني . فالكف عن حديث "رفض التوطين" في الاردن ينطبق على الاردنيين من اصل فلسطيني ولا يعني مد حق المواطنة الاردنية الى الفلسطينيين في الضفة او لبنان


مصادر الارقام عن السكان
: British Mandate: A Survey of Palestine: Volume I - Page 141
بريطانيا ونشوء الاردن مكتبة كامبريدج للشرق الاوسط للباحثة ماري ويلسون في سنة 1987

3 comments:

Spiller said...

Well researched and informative

I particularly liked the second suggestion which probably needs more elaboration النظر بموضوعية منا جميعا الى تاريخنا وعدم تحميل الشعوب تبعات قرارات لم يستشاروا فيها

The third suggestion, however,
التخفيف من حديث الفوقية بين الهويتين. فيستحسن ان يتذكر بعض الفلسطينيين ذي نعرات التفوق ان سبعين بالمائة من الفلسطينين كانوا فلاحين وبدوا في 1921 عند حديثهم عن كون الشرق اردنيين رعيانا وحراثين gives you away as a true Jordanian, and we should probably stop such behavior altogether and not just 'trim' it down.

Mohammad Abu-Ali said...

مقالة جميلة حدا تستحق القراءة

Omar Karadsheh said...

very informative and detailed, and gives a good reason for any clashe'e " Jordanian & Palestinian " debate to stop where it is.