Sunday, October 19, 2008

عندما تصبح ال 25% صفرا

الشركات المصدرة للخدمات في الاردن والتجنب الضريبي: الظاهرة والاسباب

في الديموقراطيات الاوروبية يقال ان المسافة بين التجنب الضريبي والتهرب الضريبي هي بعرض جدار زنزانة السجن! فالتجنب الضريبي قانوني ويتمثل في هيكلة عمليات الشركات لتقليل الضرائب ما امكن ضمن القوانين المرعية ومن دون مخالفتها

ونحن في الاردن لسنا بعيدين عن التجنب الضريبي القانوني. فعلى صعيد شركات تقنية الاعمال والاستشارات والتي تصدر خدماتها ومنتجاتها من الملكية الفكرية هناك تجنب ضريبي مستخدم لدى العديد من الشركات يعتمد في اساسه على المناطق الحرة المختلفة في العالم والتي تنخفض فيه ضرائب الدخل الى الصفر مثل مدينة دبي للانترنت وجزر جيرزي وغيرها الكثير

ويتلخص اسلوب التجنب الضريبي هذا بقيام مؤسسي الشركات التي يتوقع ان يكون اغلب نشاطها مع عملاء خارج الاردن بالاتي
تأسيس شركة في احدى المناطق الحرة مثل مدينة دبي للانترنت وتكليف مكتب محاماة محلي مع مدير مكتب بالاهتمام بامورها

تأسيس شركة مستقلة في الاردن مملوكة لنفس الشركاء بنفس نسبة مساهماتهم في الشركة الاولى

تقوم الشركة في المنطقة الحرة بكافة معاملات الشركة المالية مع الزبائن خارج الاردن وتصدر الفواتير باسمها وتحصل الاعمال
في الوقت ذاته تقوم الشركة المسجلة بالاردن بتوظيف مجمل الموظفين والقيام بجميع الاعمال المطلوبة ومن ثم تقوم ببيع هذه الخدمات الى الشركة المسجلة بالمناطق الحرة بربح طفيف لا يكاد يساوي مصاريفها

المحصلة النهائية هي تحقيق الارباح في الشركة المسجلة في المناطق الحرة وعدم تحقيق اي ربح في الشركة الاردنية وتكون مجمل ضريبة الدخل المدفوعة في الاردن صفرا
على سبيل المثال هناك اربعة شركات كبيرة في قطاع تقنية الاعمال توظف ما يزيد عن 1000 موظف في الاردن عمدت الى هيكلية
التجنب الضريبي اعلاه وعليه لا تدفع اية ضريبة دخل عن ارباح سنوية تتجاوز الملايين. وهي غيض من فيض

لا اريد ان يفهم من هذا المثال دعوتي الى رفع الضرائب. على العكس فهذا المثال يؤكد ان عندما تكون الضرائب عالية تقوم الشركات بالسعي الى تجنبها ولا ينقصها الخيارات القانونية في ظل تسابق الدول على مستوى العالم لجلب الاستثمار وتحفيزه. على هذا الصعيد فان قرار مجلس الوزراء الاردني بتاريخ 16 كانون الثاني باعفاء ارباح التصدير من ضريبة الدخل حتى 2015 له تبعات ايجابية في زيادة تحصيل الضرائب من الشركات. فاعفاء الصادرات من ضريبة الدخل يقلل من حافز شركات الخدمات والاستشارات ذات نسب التصدير العالي للقيام بهيكلية لتجنب الضرائب ويزيد من تحصيل الضرائب منهم في الاردن. فالشركة التي تشكل الصادرات 80% من دخلها سيصبح عبئها من ضريبة الدخل بحدود 5% وهي نسبة مشجعة لتأسيس الشركة كاملا في الاردن من دون الحاجة الى تأسيس شركات اخرى في المناطق الحرة وتكبد مصاريف اضافية في سبيل التجنب الضريبي. وبما ان التحديات التي تواجهنا في الاردن تشمل عجزا تجاريا حادا ونسبة بطالة عالية، فان تشجيع تأسيس الشركات ذات التصدير العالي يصبح من اهم اولوياتنا

قد يرفض البعض اعفاء التصدير بدعوى انه يخفف من الضريبة على الاغنياء ويطالبون بزيادتها. وهنا يجب ملاحظة ان من خواص موازانات الحكومات الاردنية الضبابية في كثير من مصاريفها وعدم الانضباط في التقيد بالنواحي الدستورية فيها من ضرورة ان يوافق مجلس الامة على المصاريف قبل صرفها. كذلك فان كفاءة التحصيل الضريبي منخفضة جدا في الجهاز الحكومي الاردني والتهرب الضريبي واسع وواضح: فارقام الموازنة الاردنية تبين ان ضريبة الدخل عن الموظفين والمستخدمين بلغت 38.5 مليون في 2007 وهي تقارب ضريبة الدخل عن الافراد والمؤسسات الفردية وشركات التضامن والتي بلغت 51 مليون في 2007 وهو الامر الذي يؤكد تهربا ضريبيا واسعا حيث لا يعقل ان تكون الضريبة المتأتية من التجار واصحاب المهن الحرة من اطباء ومهندسين ومحامين وجميع شركات التضامن والمؤسسات الفردية الصناعية والتجارية والخدمية مقاربة لضرائب الموظفين فقط. بالنظر الى هذه الخصوصيات الاردنية فقد يكون الحل بتخفيض نسب ضرائب الدخل كافة لتقليل حوافز التهرب والتجنب والرشوة للتهرب مع الكثير الكثير من الشفافية والتزام الدستور في الانفاق الحكومي. فقبل الدعوة الى زيادة الضرائب لنصل الى مستوى الضرائب في دول الرفاه الاجتماعي في شمال اوروبا يلزمنا ان نكون في نفس شفافية ومسائلة وديموقراطية هذه الدول وفي مستوى دخل مقارب لها. حتى ذلك اليوم المنشود فالحل الاساس قد يكمن في تخفيض حوافز التهرب والتجنب الضريبي بتخفيض نسب الضريبة وتقوية عقوبات التهرب

No comments: