Monday, April 13, 2015

عدم مرونة نفقات التقاعد في الموازنة: هل تبقى اسطورة بلا نقاش ؟

في نقاشات الموازنة بداية هذا العام تكرر الحديث عن عدم مرونة الموازنة لان حوالي 85% من نفقات الحكومة المركزية نفقات جارية لا يمكن تخفيضها خصوصا ان الجزء الاكبر منها رواتب وتقاعد. يتطلب التسليم بهذه النقطة _ او تفنيدها_ تحليلا اوفى للنفقات الجارية في موازنة الحكومة المركزية. 

ستركز هذه المقالة على نفقات التقاعدين المدني والعسكري. والبداية ان نقول ان التقاعد مفلس تماما. فقد بلغت الاقتطاعات التقاعدية (الايرادات) في 2014 حوالي 20 مليون دينار فيما بلغت النفقات التقاعدية حوالي 1080 مليون دينار في نفس العام بعجز يساوي بليون وستين مليون دينار. هذا العجز يساوي تقريبا كامل عجز الموازنة بعد المنح. اي ان فاتورة التقاعد تمول بالكامل عبر الاقتراض الجديد لتزيد على حجم مديونية الاردن الف مليون دينار كل عام. فاتورة التقاعد كذلك تشكل 17% من كامل النفقات الجارية و 15% من اجمالي الانفاق. 

مع نهاية 2014 تجاوز عدد المتقاعدين 312 الف متقاعد. منهم 219 الف متقاعد اصيل و93 الف متقاعد  وريث. وبلغت كلفة الرواتب الشهرية في شهر تشرين الثاني في عام 2014 93 مليون دينار شهريا. بحسب هذه الارقام يبلغ معدل الراتب التقاعدي 300 دينار شهريا: 374 دينار شهريا للمتقاعد الاصيل و 125 دينار شهريا لورثة المتقاعدين الذين تنطبق عليهم شروط وراثة جزء من الراتب التقاعدي.
النظرة الاولى لمعدلات رواتب التقاعد المتدنية قد تدعم فكرة  ان هذه المصاريف غير قابلة للتخفيض. فهي منخفضة اصلا كمعدل وخفضها قد يهز الامن الاقتصادي والمجتمعي للوطن. وهي ايضا حقوق مكتسبة لا يجوز المساس بها. 

لكن معدلات الارقام دائما تخفي الكثير. وارقام التقاعد يجب ان تنشر بتفصيل اكثر لبيان هرم نفقات الرواتب التقاعدية الفعلي. فعلى فرض ان ثلاثة الاف متقاعد يحصلون على تقاعد شهري 2500 دينار فسيعني هذا ان 1% من المتقاعدين يحصلون على 8% من مجمل فاتورة التقاعد. ولربما _وهذا حدس اجزم انه قريب من الواقع_ يحصل اصحاب اعلى 20% من سلم الرواتب التقاعدية على اكثر من 60% من مجمل فاتورة التقاعد. 

في ظل افلاس التقاعد وتمويله من القروض سنويا يجب النظر بجدية كاملة في امكانية تخفيض كلفته السنوية من دون الاخلال بمبادىء العدالة والحقوق المكتسبة. وقد يكون هذا بعدة طرق من ضمنها: 

-        مراجعة كل قرارات زيادات المعلولية على الرواتب التقاعدية للتاكد من صحتها الطبية. فالتقاعد القانوني حق مكتسب لكن اذا كان بدل المعلولية قد اتى بواسطة اوبطريقة غير قانونية فيكون حتما ليس حقا مكتسبا بل جريمة احتيال. طبعا في الحالات التي يكون فيها المتقاعد بحالة مادية مزرية يمكن التسامح مع معلوليته بشرط اثبات عسر الحالة المادية (عدم وجود اية املاك باسمه او فروعه مثلا).

-        وقف صرف الرواتب التقاعدية او جزء كبير منها لاي شخص متقاعد لم يتم 16 سنة خدمة في القطاع العام وبنفس الوقت عمره حاليا تحت سن الستين خصوصا اذا كان على راس عمل اخر. واعادة صرفها بعد تجاوز المتقاعد سن الستين. ولربما يحتاج هذا الى تعديل جريء للقانون. للتوضيح: هذا بند مخصص حصريا لتقاعدات النواب والوزراء المبكرة جدا!

-        تحليل الحاجة المالية لجميع المتقاعدين بغض النظر عن رواتبهم ومدة خدمتهم. ووقف صرف الرواتب التقاعدية او جزء منها للاشخاص الذين لا يشكل الراتب التقاعدي لهم اكثر من 10% او 15% من دخلهم مثلا.  مثال: اذا كان هناك متقاعد براتب 500 دينار مثلا لكن له مجمع تجاري مؤجر ب 50 الف دينار سنويا مثلا يدفع له حوالي 100 دينار من راتبه ويتوقف صرف 400 دينار.

-        لمعالجة مشكلة الحقوق المكتسبة في النقطة السابقة يكون وقف الراتب مؤقتا. بمعنى لا يدفع الراتب للمتقاعد لكن يقدم له كوبون دين حكومي صفري الفائدة يتم دفعها لاحقا عند انخفاض الدين العام مثلا الى اقل من 60% من حجم الاقتصاد. فهذا الحل عمليا هو ان تقترض الحكومة من المتقاعدين الموسورين بفائدة صفرية طالما ان نقاعدهم لا يشكل قيمة تذكر من دخلهم بدلا ان تقترض اقتراض خارجي او داخلي بفائدة عالية. ويقدم لكل متقاعد تحت هذا البند شهادة شكر وتقدير لمساهمتهم في حل مشكلة المديونية الاردنية.

-        رفع سن التقاعد لمن لم يتقاعد لغاية الان _وباق على نظام التقاعد القديم_ ليصير نفس سن التقاعد المعمول به في الضمان الاجتماعي (خمسين سنة على الاقل).

اي توفير في فاتورة النقاعد (ولو بنسبة 10% فقط) سيكون له اثر كبير على الاقتصاد. فهذه اموال (اكثر من 100 مليون ) ستخفض من الزيادة السنوية في الدين العام لتمويل بند التقاعد وبالتالي تخفض من عبء خدمة الدين سنويا.  كذلك ولانها ستقتطع _غالبا_ من الموسورين لن تقلل _ولو قليلا_ من مستوى الانفاق في الاقتصاد وبالتالي لن يكون يكون لها اي تاثير سلبي على الاقتصاد.
مع  الارادة.. توجد الحلول. والمقترحات هنا ليست غير مالوفة. فقد تم تطبيق امور مشابهة لها في دول اوروبية عدة مثل البرتغال واسبانيا واليونان.  

No comments: