Sunday, April 27, 2014

تقاعد الوزراء: حساب الراتب الفعلي الحقيقي

قبل فترة قريبة كتب شقيق احد الوزراء العاملين عن شقيقه الوزير قائلا  "ان ما خسره مالياً _اي بوجوده بالوزارة_ أكثر بكثير مما أستفاده" . ولقد تحدثت الصحافة اكثر من مرة سابقا عن رجال في مناصب عامة يتحدثون عن عدم جاذبية المنصب العام من الناحية المالية مقارنة بمناصب القطاع الخاص العليا.

طريقة التفكير هذه مشوهة _وفي السياق الاردني_  هي ايضا غير دقيقة وخاطئة.

القائلون بهكذا منطق ينسون _او لا يعلمون_ اساس مبدا المنصب الحكومي ويشوهونه. فالمنصب الحكومي هو منصب "خدمة عامة" فيه يكون الشخص مؤثرا في الحياة السياسة وتشكيل القرارات الاقتصادية والاجتماعية ولا يكون راتبه او المردود المادي هو الاساس. فالمنصب العام _في المبدا_ ليس طريقا للثراء بل طريقا للنفوذ السياسي ولا يقبل عليه من يريد الثراء (من يريد الثراء بلا خطايا طبعا!). ولدينا في رئيس الولايات المتحدة مثلا: اقوى رجل في اقوى دولة واكبر اقتصاد في العالم يتقاضى 400 الف دولار سنويا يدفع عليه الضرائب كغيره من الاميركيين. ووزراءه يتقاضون حوالي 200 الف دولار سنويا. وعليه كل ما ياخذه رئيس الولايات المتحدة الاميركية طول مدة ولايته الرئاسية يكون مليون وستمائة الف دولار وهو اقل من راتب اسبوعين او ثلاث لمدير بنك استثماري كبير في وول ستريت او مدير شركة اميركية كبيرة.

هذا عن تشويه المبدا فماذا عن خطأ هذا الكلام في السياق الاردني؟ من يتحدثون هكذا كلام في الاردن ينسون _او يتناسون_ اثر التقاعد المدني  على الاموال الفعلية التي يجلبها المنصب الوزاري. قانون التقاعد المدني الاردني يمنح الوزير راتبا تقاعديا مدى الحياة للوزير _ومن بعده ارملته_ حتى ولو لم تتجاوز ايام خدمته العامة اسبوعا واحدا. وهنا مثال نظري:

·        وزير عمره 48 سنة اتى من القطاع الخاص وخدم سنتين. على فرض راتب 4000 دينار شهري مجمل رواتبه في الوزارة يكون 96 الف دينار. بعدها يحصل على تقاعد وتامين صحي مجموع منافعه (تقديرا) 2500 دينار شهريا اي 30 الف دينار سنويا.

·        وعلى فرض ان الوزير سيعيش للثمانين وتعيش زوجته بعده 10 سنوات يكون مجمل الرواتب التقاعدية مليون و 200 الف دينار (من دون حساب اي زيادات على الوراتب التقاعدية مستقبلا).

·        هذه الدفعات المستقبلية البالغة مليون و 200 الف دينار تساوي بنقود الوقت الحالي 515 الف دينار على فرض نسبة خصم 5% (مساوية لمعدل التضخم في الاردن).

·        وعليه يكون الوزير الذي خدم سنتين في الاردن كانه حصل على مجمل رواتب تتجاوز 610 الف دينار (96 الف رواتب مباشرة و 515 الف دينار القيمة الحالية لتدفقات رواتب التقاعد المستقبلية).

اذن الراتب الشهري الفعلي لهذا الوزير يتجاوز 25 الف دينار شهريا. كم مدير وموظف في القطاع الخاص الاردني يحصل على اكثر من 25 الف دينار شهريا؟ هذا عمليا يبين ان المنصب الوزاري في الاردن يحصل على اعلى الرواتب في الاردن (حتى بالمقارنة مع القطاع الخاص). فكلام ان المنصب الوزاري " ما بيوفي" ينطبق على الوزير الذي يمكن ان يحصل في القطاع الخاص على دخل شهري اكثر من 25 الف.

لا يجب ان يقبل الشعب حديث " ان ما خسره مالياً أكثر بكثير مما أستفاده" من اي شخص في منصب عام. اولا لان فيه تحميل جمايل وينافي مبدا الخدمة في القطاع العام ... وثانيا لانه غير صحيح اصلا!
والشي بالشيء يذكر: بحسب تصريحات حكومية سابقة فان فاتورة تقاعد رؤساء الوزارات والوزراء والاعيان والنواب 14.1 مليون دينار سنويا، تتوزع على 631 منهم. الكلفة التراكمية خلال 30 سنة قادمة ستصل الى  423 مليون دينار قيمتها بدنانير هذه الايام 217 مليون دينار هي عمليا عجز اضافي في ميزانيتنا.

الاردن يعاني من مديونية عالية وعجز مزمن وازمة ثقة عميقة بين دافع الضرائب وبين الجهاز الحكومي.  منطقيا _ومن منظور العدالة_ لا يجوز ان تكون اسس تقاعد الوزراء والنواب مختلفة عن تقاعد الضمان الاجتماعي او التقاعد المدني للموظفين الاخرين.

ماذا لو قررت الحكومة الان التالي:

-        وقف التقاعد لاي وزير او نائب لم يتجاوز الستين من عمره الا اذا اثبت الحاجة الماسة للراتب.

-        وقف التقاعد لاي وزير او نائب تجاوز الستين ولا يزال يعمل اذا لم تتجاوز مدة خدمته في القطاع العام 15 سنة على الاقل.

-        تحويل الوزراء والنواب الحاليون والقادمون الى نظام الضمان الاجتماعي كغيرهم من الموظفين.

تخيلوا التاثير على الثقة بين المواطن والحكومة لو احس المواطنون بان العدل والمنطق صارا هما السائدين في تخصيص مصاريف الجهاز الحكومي. 

Friday, April 18, 2014

قرارات وتعليمات غير منطقية: من الارجيلة الى المستشفيات!

الفترة الماضية كانت حافلة بقرارات واجتهادات تنظيمية من قبل الحكومة وامانة عمان.  للاسف شابها اخطاء او بعض التناقضات التي قد تكون غابت عن ذهن متخذي القرارات.


نظام المستشفيات  الخاصة للعام 2014
اشترط مشروع النظام الذي وضعه مجلس الوزراء يوم الاربعاء ان لا يتقدم لترخيص مستشفى خاص الا طبيب مرخص او مؤسسة عامة ذات نفع عام  او نقابة او جمعية او شركة نصفها على الاقل مملوك لطبيب.

وهنا التساؤل: ما المغزى من اشتراط ان يكون مالك المستشفى طبيبا؟ من المفهوم اشتراط ان يكون المدير او احد المدراء طبيبا وان يكون للمستشفى طاقم طبي مؤهل ومعتمد . لكن لماذا اشتراط ملكية الاطباء للمستشفيات وحصرها بهم؟

هذا شرط لا يفيد احدا ويقيد المنافسة بتحديده عدد من يستطيع الاستثمار في المستشفيات الخاصة. الاصل ان تشترط وجود ادارة طبية واعية ملتزمة باخلاق المهنة. ادارة تضع  هذه الاخلاق امام حسابات الربح والخسارة وتوزيع الارباح. ويكون ترخيص المستشفى السنوي مرتبطا بتوفر هذه الشروط بغض النظر من يملك المستشفى. اما منع المستثمرين المهتمين من الاستثمار في مستشفيات خاصة جديدة فهو يؤطر لتحديد عدد المستشفيات الخاصة وتقليل المنافسة بينها في الاسعار.


اعادة ترخيص محال الارجيلة
قررت الحكومة و امانة عمان تجديد تراخيص محال الارجيلة القائمة وعدم اصدار تراخيص جديدة. لربما كان القصد نبيلا من هذا القرار لكن هل تمت دراسة كل جوانبه؟

مع تجديد التراخيص القائمة (بلا فترة انتهاء واضحة بالمستقبل) وعدم منح تراخيص جديدة ، التاثير قد يكون برفع القيمة السوقية للتراخيص القائمة بشكل كبير. فلا محال جديدة تستطيع ان تدخل المنافسة والمحال القائمة حصلت على ضمانة الاستمرار بالعمل مع جائزة عدم تزايد المنافسة لها في المستقبل. هذه نوع من تاطير حكومي لاحتكارات وتكون بمثابة مكافأة مالية للحاصلين على رخص قائمة لمحال الارجيلة.

فاما ان تمنع الجميع او تسمح بالترخيص بشروط واضحة صحية متوائمة مع القانون و تسمحه لجميع من يلتزم ايضا. اما ان تمنع الترخيص الجديد مع الاستمرار بالتراخيص القائمة بدون فترة انتهاء واضحة محددة فهو يندرج تحت بند تحديد جانب العرض اي تشويه واضح واكيد للمنافسة وفيه مصلحة مالية للبعض على حساب اخرين.



الاساس في كل قطاع اقتصادي ان تعمل الحكومات على منع الاحتكارات والتشوهات في السوق. وان تعمل على ادخال المنافسة الحقة لكل قطاع فيه احتكارات او تشوهات. مع الاهتمام بديمومة وجود هذه المنافسة من خلال بيئة تشريعية عادلة على مسافة واحدة من جميع اللاعبين في السوق. اي قرار بيعد الواقع عن المنافسة المثالية (مثل منع دخول لاعبين جدد او وضع عوائق خروج للاعبين حاليين) هو قرار غير صائب وسيدفع الاقتصاد ثمنا له عبر اسعار اعلى للمستهلكين وتدني في كفاءة القطاعات الاقتصادية المختلفة.

Sunday, April 6, 2014

اضاءات على واقع الكهرباء في الاردن : من تقريري شركة الكهرباء الاردنية و شركة كهرباء اربد.

بين يدي الان التقرير السنوي لشركة كهرباء اربد. وشركة كهرباء اربد مسؤولة عن شبكات التوزيع في محافظات الشمال (اربد وعجلون وجرش والمفرق) التي تبلغ حصتها حوالي 15% من استهلاك كل الاردن من الطاقة الكهربائية سنويا.


كما في شركة الكهرباء الاردنية (محافظات العاصمة والوسط) فان مشكلة فاقد الكهرباء في شركة كهرباء اربد تتفاقم سنويا منذ بداية 2011 بتاثير كبير على الاقتصاد الوطني وعلى مديونية الحكومة. و "فاقد الكهرباء" هو الفرق بين الكهرباء المجرروة من شركة الكهرباء الوطنية وبين الكهرباء المفوترة والمباعة للمشتركين. وينقسم هذا الفاقد الى فاقد تقني (خسارة طاقة كحرارة وصوت واهتزازات في اسلاك ومحولات التوزيع) وفاقد غير تقني (اي عمليا سرقات كهرباء). لندخل بالتفاصيل:


-        شكل فاقد الكهرباء في 2009 ما نسبته 11.01% من مجمل الطاقة المجرورة من قبل شركة كهرباء اربد. وانخفض كنسبة الى 9.86% في 2010 ثم عاد وارتفع الى 10.12% في 2011 وارتفع الى 11.08% في 2012 و 11.12% في 2013.

-        بالارقام المطلقة ارتفع الفاقد من 220 جيجاوات ساعة في 2009 الى 289 جيجاوات ساعة في 2013. وكلفة الفاقد في 2013 (على حساب كلفة توليد 12 قرشا لكل كيلو وات) تجاوزت 34 مليون دينار في 2013 لوحدها (تساوي 20% من مجمل مبيعات شركة كهرباء اربد من الكهرباء).

-        كما في شركة الكهرباء الاردنيىة حققت شركة كهرباء اربد نجاحا ممتازا في 2010 في مجال تخفيض الفاقد. ففي 2010 انخفض حجم فاقد الكهرباء بنسبة 1% عن الفاقد في 2009 وانخفضت نسبته من  اجمالي الطاقة المجرورة الى 9.86% في 2010 مقابل 11.01% في 2009.

-        انعكس الحال في 2011 و2012 و 2013. حيث زاد حجم الفاقد بالمطلق في 2011 بنسبة 11% عن 2010 (فيما كانت الزيادة في مبيعات الكهرباء اقل من 8% فقط). وعاد وزاد بنسبة 13% في 2012 (فيما كانت الزيادة في مبيعات الكهرباء حوالي 2% فقط). وارتفع بنسبة 6% في 2013 (بنسبة مساوية تقريبا للزيادة النسبية في مبيعات الكهرباء في 2013).

-        في 2011 فقدت الشركة 13% من الزيادة في الطاقة المجرورة عن مستوى 2010. وارتفعت نفس النسبة الى 41% في 2012. وانخفضت الى 12% في 2013. اي انه مقابل كل 10 كيلو وات اضافية جرتها الشركة في 2012 (عن مستوى 2011) فقدت الشركة منها 4.1 كيلووات ومقابل كل 10 كيلو وات اضافية جرتها الشركة في 2013 (عن مستوى 2012) فقدت الشركة منها 1.2 كيلووات. وهذا يعني ان نسبة الفاقد من الزيادة في الطاقة المجرورة اعلى من نسبة الفاقد من كل الطاقة المجرورة. وهو مؤشر على تفاقم مشكلة الفاقد ولو بشكل اقل في 2013 في شركة كهرباء اربد مقارنة مع شركة الكهرباء الاردنية.


كذلك يبين تقريرا الشركتين نجاحا في تخفيف الكلفة الكلية لانارة الشوارع في الاردن. فقد بلغ استهلاك انارة الشوارع في محافظات الشركتين (عمان والزرقاء ومادبا والبلقاء وعجلون وجرش والمفرق واربد) 228 جيجاوات ساعة في 2013 بانخفاض 6% عن 2012. وفي 2012 انخفض استهلاك انارة الشوارع عن 2011 بنسبة 2% ايضا. وتقديرا كلفة انارة الشوارع في هذه المحافظات الثمانية تتجاوز 27 مليون دينار سنويا. ولهذا قد يكون من الحكمة الاستثمار في تقنيات توفير الطاقة في مجال انارة الشوارع.

ويبين تقريرا الشركتين ايضا نموا في استهلاك المصانع من الطاقة الكهربائية في 2013 بنسبة 1% في مناطق شركة الكهرباء الاردنية وبنسبة 15% في محافظات الشمال التابعة لشركة كهرباء اربد. وهو شيء ايجابي ويؤشر على زيادة انتاجية المصانع في 2013.

على جانب سلبي يبين تقريرا الشركتين نموا في استهلاك قطاع مضخات المياه (شرب وزراعي) بنسبة 8% في 2013 ليصل الى 960 جيجاوات ساعة (مع ان استهلاك هذا القطاع انخفص بنسبة 1% في 2012). حيث تتجاوز الكلفة الكلية لهذا القطاع 115 مليون دينار سنويا ويشكل استهلاك مضخات المياه 21% من مجمل الطاقة المستهلكة في شركة كهرباء اربد وحوالي 6% في شركة الكهرباء الاردنية. ولربما يحتاج هذا القطاع الى حلول خاصة تشمل استخدام مصادر طاقة متجددة مربوطة مباشرة بمضخات المياه، لتخفيف استهلاك الكهرباء.

بلغت مبيعات شركة الكهرباء الاردنية للمساجد والكنائس والمستشفيات مبلغ 53 مليون دينار في 2013 مقابل 42 مليون دينار في 2012 (اي بزيادة 26%). هذا على الرغم من انخفاض استهلاك اماكن العبادة والمستشفيات  من الطاقة الكهربائية بنسبة 2.5% لتصل الى 281 جيجاوات في 2013 مقابل 288 جيجاوات في 2012. والسبب ان هذا القطاع يدفع ثالث اعلى اثمان للكهرباء في الاردن بعد شركات الاتصالات والبنوك. وهنا نرى بالحالة الغريبة في الاردن التي تدفع فيها المدرسة والمستشفى والمسجد والكنيسة اثمان كهرباء اعلى من الفندق والمطعم والمول ووكالة السيارات الفارهة! فيما دفعت البنوك وشركات الاتصالات 52 مليون دينار اثمان للكهرباء في 2013 لشركة الكهرباء الاردنية (7% من ايرادات المبيعات مع ان استهلاكهم لا يشكل اكثر من 3% من استهلاك الطاقة الكهربائية).


ونذكر هنا بان المنطق والعدل يقول ان يكون الدعم في الكهرباء _كما في المشتقات النفطية_ ايضا لمستحقيه فقط. وعليه يجب اعادة دراسة الشرائح القطاعية كلها لضمان هكذا نتيجة (ايصال الدعم لمستحقيه). فممكن مثلا توحيد القطاعات التجارية كافة مع ادراج شرائح استهلاك باسعار تصاعدية مما يشجع جميع القطاعات على الاستثمار في الحلول التقنية للترشيد والطاقة البديلة.

اخيرا بعض القرارات الادارية للشركتين فيها غرابة شديدة: البلد تعيش مشكلة طاقة كبيرة سببت ارتفاع الاسعار على المستهلكين واستدانة الحكومة لحوالي بليون سنويا لدعم القطاع ومشكلة فاقد الكهرباء تتفاقم. فيما تقرر الهيئة العامة لشركة الكهرباء الاردنية الاستدانة من الاحتياطي الاجباري لتوزع ارباحا بقيمة 5.6 مليون دينار على الرغم من خسارتها 10.6 مليون دينار في 2013. وها هي شركة كهرباء اربد ستوزع ارباحا بقيمة 6 مليون دينار وهي اكثر من ارباح 2013 (ستمول الفرق من الارباح المدورة). اليس الافضل استثمار هذه الاموال في شبكات الشركتين وفي حلول تقنية تقلل من الفاقد الكهربائي. وهكذا تبقى حقوقا للمساهمين وتساعد في تعظيم الارباح مستقبلا. ولربما ان الاوان لمؤسسة الضمان الاجتماعي وهي المساهم الاكبر في شركة كهرباء اربد ان تغير هذه القرارات وان تنظر نظرة شمولية كونها مساهم كبير في كل القطاعات الاقتصادية التي تتاثر سلبا من ازمة قطاع الكهرباء الاردني.