Thursday, March 27, 2014

تحليل ارقام شركة الكهرباء الاردنية: مشكلة فاقد الكهرباء تتفاقم

بين يدي نتائج شركة الكهرباء الاردنية للعام 2013 وهي واحدة من ثلاث شركات لتوزيع كهرباء في الاردن (بالاضافة لشركة كهرباء اربد وشركة توزيع الكهرباء). و شركة الكهرباء الاردنية مسؤولة عن شبكات التوزيع في محافظات الوسط (عمان والزرقاء والبلقاء ومادبا) التي تبلغ حصتها حوالي ثلثي استهلاك كل الاردن من الطاقة الكهربائية سنويا.

مشكلة فاقد الكهرباء في شركة الكهرباء الاردنية تتفاقم سنويا منذ بداية 2011 بتاثير كبير على الاقتصاد الوطني وعلى مديونية الحكومة. و "فاقد الكهرباء" هو الفرق بين الكهرباء المجرروة من شركة الكهرباء الوطنية وبين الكهرباء المفوترة والمباعة للمشتركين. وينقسم هذا الفاقد الى فاقد تقني (خسارة طاقة كحرارة وصوت واهتزازات في اسلاك ومحولات التوزيع) وفاقد غير تقني (اي عمليا سرقات كهرباء). لندخل بالتفاصيل:

-        شكل فاقد الكهرباء في 2009 ما نسبته 14.3% من مجمل الطاقة المجرورة. وانخفض كنسبة الى 12.9% في 2010 ثم عاد وارتفع الى 13.2% في 2011 وارتفع الى 13.7% في 2012 و 13.8% في 2013.

-        بالارقام المطلقة ارتفع الفاقد من 1168 جيجاوات ساعة في 2009 الى 1365 جيجاوات ساعة في 2013. وكلفة الفاقد في 2013 (على حساب كلفة توليد 12 قرشا لكل كيلو وات) تجاوزت 163 مليون دينار في 2013 لوحدها.

-        حققت الشركة نجاحا ممتازا في 2010 في مجال تخفيض الفاقد. ففي 2010 انخفض حجم فاقد الكهرباء بنسبة 4% عن الفاقد في 2009 وانخفضت نسبته من  اجمالي الطاقة المجرورة الى 12.9% في 2010 مقابل 14.3% في 2009.

-        انعكس الحال في 2011 و2012 و 2013. حيث زاد حجم الفاقد بالمطلق في 2011 بنسبة 8% عن 2010 (فيما كانت الزيادة في مبيعات الكهرباء اقل من 6% فقط). وعاد وزاد بنسبة 11% في 2012 (اي حوالي ضعف الزيادة في مبيعات الكهرباء التي كانت اقل من 6% فقط). وارتفع بنسبة 2% في 2013 (اكثر من ثلاث اضعاف الزيادة في مبيعات الكهرباء التي كانت حوالي نصف بالمائة فقط).

-        في 2011 فقدت الشركة 17% من الزيادة في الطاقة المجرورة عن مستوى 2010. وارتفعت نفس النسبة الى 22% في 2012. وعادت وارتفعت الى 35% في 2013. اي انه مقابل كل 10 كيلو وات اضافية جرتها الشركة في 2013 (عن مستوى 2012) فقدت الشركة منها 3.5 كيلووات! وهذا انذار بتفاقم مشكلة الفاقد. مع انه في 2010 استطاعت ان تقلل القافد كنسبة وفي المطلق ايضا (عندما انخفض الفاقد 43 جيجاوات ساعة).

-        فاقد الكهرباء نزيف مالي واضح للخزينة والاقتصاد. كلفته في شبكة شركة الكهرباء الاردنية لوحدها في 2011 تقدر ب 145 مليون دينار ارتفعت الى حوالي 163 مليون دينار في 2013.

-        نسبة الفاقد المقبولة عالمية تتراوح ما بين 5-6% والفاقد في قبرص مثلا حوالي 6%. لو وصل الفاقد الكهربائي في شركة الكهرباء الاردنية لهذا المستوى في 2013 لوفر الاقتصاد الاردني اكثر من 92 مليون دينار سنويا.

الطريق واضحة تماما لنا كاردنيين: معالجة مشكلة خسائر قطاع الكهرباء ومديونية شركة الكهرباء الوطنية لا يتطلب فقط زيادة مضطردة في اثمان الكهرباء لمدة 4 سنوات قادمة بل كذلك جهد حقيقي (حكومي ومن شركات الكهرباء) لتخفيض مشكلة فاقد الكهرباء المتفاقمة والتي ربما تحتاج الى تغيير في التشريعات لتغليظ عقوبات سرقة الكهرباء. فهناك علاقة واضحة بين رفع اسعار الكهرباء في 2012 وفي 2013 وبين زيادة حجم الفاقد الكهربائي بالمطلق وكنسبة. ورفع الاسعار من دون حلول جذرية لمشكلة الفاقد سيعني زيادة حجم المشكلة والدخول في حلقة مفرغة تزيد فيها اثمان الكهرباء على من لا يسرق الكهرباء لتعويض استهلاك وهدر من يسرق الكهرباء! 




Monday, March 3, 2014

لفظ " الهنود الحمر " : مسيء وعنصري اميركيا.. وخارج السياق وبلا اساس اردنيا

للاسف صار البعض يستسهل استخدام كلمات " الهنود الحمر " في الاردن للدلالة على هواجس هوياتية اساسها سياسي وديموغرافي ومرتبطة بهواجس " الوطن البديل " الذي يختلف تعريفه باختلاف مستخدمي المصطلح. المشكلة ان المصطلح خارج السياق ومهين وبلا اي اساس.

تاريخيا اتت كلمات " الهنود الحمر" من الخطأ التاريخي الذي وقع فيه كريستوفر كولمبس عندما اعتقد انه وصل الهند الشرقية والمحيط الهندي بوصوله قارة اميركا: "الهنود" نسبة للهند و"الحمر" تعبيرا عن لون البشرة المائل الى الحمرة. 

الان المصطلح مرفوض اميركيا ويعتبر عنصريا مهينا. وتم استبداله بمصلح الاميركيين الاصليين (Native American) او الاميركيين الهنود (American Indians)  وهما تعريفان مقبولان لدى غالبية الاشخاص المنحدرين من تلك الاصول بحسب التعداد السكاني الاميركي والذي بين ان 87% من هذه المجموعة الاثنية يستخدمون واحدا من هذين التعريفين للدلالة على نفسهم. فاساس التعاريف الهوياتية ان تكون مقبولة ومستخدمة من قبل اصحابها.
 
من قرر ان مصطلح " الهنود الحمر" له مقاربة في الاردن و ومن انساقوا وراء توصيفه اخطاؤا مرتين. مرة في استخدام مصطلح عنصري مرفوض ومرة ثانية في اسقاط واقع وتاريخ الاميركيين الاصليين على الاردن بلا اي داعي او دقة بل ببعض من السماجة. 

بعد موجات الهجرة الاوروبية الى القارة الاميركية تققهرت الثقافة واللغات والاديان المحلية امام الثقافة الاوروبية واللغات الاوروبية والديانة المسيحية. وبعد حرب الاستقلال الاميركية صارت الجمهورية الاميركية واقع اوروبي مسيحي هو المسيطر على الارض (وارث للسيطرة البريطانية) بلا اي قوة سياسية او اقتصادية او ثقافية تذكر لجماعات الاميركيين الاصليين. 

من يستخدم مصطلح " الهنود الحمر " في السياق الاردني يكون عادة يتخوف _او يخوف ويحذر_ من تضاءل نسبة المواطنين الاردنيين الذين تمتد جذورهم في البلد الى ما قبل تاسيس الامارة في 1921 او تهمشيهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وهو كلام فارغ تماما لانه يسقط تاريخ اميركي على سياق اردني لا يمت له بصلة. والاسباب جلية وكثيرة: 

-        على عكس اميركا والدولة الحديثة فيها (التي تماهت مع هوية المهاجرين البيض الاوروبيين) فان الدولة الحديثة في الاردن تاسست بعد الحرب الاولى وكانت مقولبة بالكامل بهوية سكان البلد وبدون هجرات مختلفة لغويا او ثقافيا. فمثلا لبس الجيش العربي عند تاسيسه الشماغ والعقال بدل الطاقية العسكرية الانجليزية. وكانت اللغة الرسمية اللغة العربية منذ البداية.

-        ايضا على عكس اميركا لا يشكل "الاردنيون الاصليون" اقلية اثنية او لغوية او دينية في الاردن بل يشكلون نسبة لا تقل عن 50% من المواطنين على اضعف التقديرات. فارقام الانتداب البريطاني تفيد ان عدد سكان شرقي الاردن في 1921 بلغ حوالي 230000 (مائتان وثلاثون الف نسمة) نصفهم تقريبا فلاحون والنصف الاخر بدو. وعلى فرض ان معدل الزيادة السنوية الطبيعية في شرقي الاردن بين 1921 و2014 كان بحدود 3 بالمائة سنويا فان عدد الشرق اردنيين في العام 2014 سيكون بحدود ثلاثة ملايين ونصف. وهذا الرقم لا يشمل الهجرات من الحجاز وسوريا الى شرقي الاردن بعد تأسيس الامارة بسبب ازدياد الامن مع تأسيس سلطة مركزية مدعومة من الجيش البريطاني.

-        على العكس من اميركا ايضا فان الهجرات السكانية الى الاردن منذ تاسيس الدولة لم تكن هجرات مختلفة ثقافيا او لغويا خصوصا مع التشابه السكاني الكبير بين فلسطين والاردن. فبحسب ارقام الانتداب البريطاني في 1922 انقسم سكان شرق الاردن الى بدو بنسبة 50% وفلاحين 50%. فيما شكل البدو 15% من اهل فلسطين والفلاحون  55% واهل المدن 30%.

-        الفقر والتهميش الاقتصادي والتعليمي بالاردن لا ينقسم عموديا بحسب الاصول والمنابت بل موجود بشكل افقي طبقاتي في المجتمع. ايضا بعكس الحال في اميركا من منظور الاميركيين الاصليين.

-        ايضا على عكس حال اميركا مع الاميركيين الاصليين فان الاردنيين من اصول شرق اردنية (ولهجاتهم وثقافاتهم) ليسوا مهمشين او محددين باي حال من الاحوال بل لهجتهم هي السائدة في الخطاب الرسمي وهم عديدون في جميع اجهزة الدولة وسلطاتها الثلاث والمجالات الاقتصادية والاجتماعية.


لكل ما سبق فان كلمات مثل "نصير هنود حمر" هي خاطئة وتهويلية وعنصرية وبلا اي داع. والاجدى ان نمتنع جميعا عن استخدامها او تشجيع من يستخدمها. خصوصا انها للاسف تصدر عن اناس يعتبرون انفسهم من المقصودين بالكلمات. 


وتبقى دولة القانون والمؤسسات الديموقراطية المدنية هي الاساس لدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها بلا تمييز ولا تهويل ولا تخويف. فدولة القانون والمؤسسات هي اللبنة الاساس لشعب يعتز بما يجمعه _وبما يمايزه_ ثقافيا وهوياتيا بلا تشنج. يكون فيها الاعتزاز والتعريف بالارث الاجتماعي والثقافي للجميع طبيعيا وسلسا ومرغوبا به.