Monday, March 3, 2014

لفظ " الهنود الحمر " : مسيء وعنصري اميركيا.. وخارج السياق وبلا اساس اردنيا

للاسف صار البعض يستسهل استخدام كلمات " الهنود الحمر " في الاردن للدلالة على هواجس هوياتية اساسها سياسي وديموغرافي ومرتبطة بهواجس " الوطن البديل " الذي يختلف تعريفه باختلاف مستخدمي المصطلح. المشكلة ان المصطلح خارج السياق ومهين وبلا اي اساس.

تاريخيا اتت كلمات " الهنود الحمر" من الخطأ التاريخي الذي وقع فيه كريستوفر كولمبس عندما اعتقد انه وصل الهند الشرقية والمحيط الهندي بوصوله قارة اميركا: "الهنود" نسبة للهند و"الحمر" تعبيرا عن لون البشرة المائل الى الحمرة. 

الان المصطلح مرفوض اميركيا ويعتبر عنصريا مهينا. وتم استبداله بمصلح الاميركيين الاصليين (Native American) او الاميركيين الهنود (American Indians)  وهما تعريفان مقبولان لدى غالبية الاشخاص المنحدرين من تلك الاصول بحسب التعداد السكاني الاميركي والذي بين ان 87% من هذه المجموعة الاثنية يستخدمون واحدا من هذين التعريفين للدلالة على نفسهم. فاساس التعاريف الهوياتية ان تكون مقبولة ومستخدمة من قبل اصحابها.
 
من قرر ان مصطلح " الهنود الحمر" له مقاربة في الاردن و ومن انساقوا وراء توصيفه اخطاؤا مرتين. مرة في استخدام مصطلح عنصري مرفوض ومرة ثانية في اسقاط واقع وتاريخ الاميركيين الاصليين على الاردن بلا اي داعي او دقة بل ببعض من السماجة. 

بعد موجات الهجرة الاوروبية الى القارة الاميركية تققهرت الثقافة واللغات والاديان المحلية امام الثقافة الاوروبية واللغات الاوروبية والديانة المسيحية. وبعد حرب الاستقلال الاميركية صارت الجمهورية الاميركية واقع اوروبي مسيحي هو المسيطر على الارض (وارث للسيطرة البريطانية) بلا اي قوة سياسية او اقتصادية او ثقافية تذكر لجماعات الاميركيين الاصليين. 

من يستخدم مصطلح " الهنود الحمر " في السياق الاردني يكون عادة يتخوف _او يخوف ويحذر_ من تضاءل نسبة المواطنين الاردنيين الذين تمتد جذورهم في البلد الى ما قبل تاسيس الامارة في 1921 او تهمشيهم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وهو كلام فارغ تماما لانه يسقط تاريخ اميركي على سياق اردني لا يمت له بصلة. والاسباب جلية وكثيرة: 

-        على عكس اميركا والدولة الحديثة فيها (التي تماهت مع هوية المهاجرين البيض الاوروبيين) فان الدولة الحديثة في الاردن تاسست بعد الحرب الاولى وكانت مقولبة بالكامل بهوية سكان البلد وبدون هجرات مختلفة لغويا او ثقافيا. فمثلا لبس الجيش العربي عند تاسيسه الشماغ والعقال بدل الطاقية العسكرية الانجليزية. وكانت اللغة الرسمية اللغة العربية منذ البداية.

-        ايضا على عكس اميركا لا يشكل "الاردنيون الاصليون" اقلية اثنية او لغوية او دينية في الاردن بل يشكلون نسبة لا تقل عن 50% من المواطنين على اضعف التقديرات. فارقام الانتداب البريطاني تفيد ان عدد سكان شرقي الاردن في 1921 بلغ حوالي 230000 (مائتان وثلاثون الف نسمة) نصفهم تقريبا فلاحون والنصف الاخر بدو. وعلى فرض ان معدل الزيادة السنوية الطبيعية في شرقي الاردن بين 1921 و2014 كان بحدود 3 بالمائة سنويا فان عدد الشرق اردنيين في العام 2014 سيكون بحدود ثلاثة ملايين ونصف. وهذا الرقم لا يشمل الهجرات من الحجاز وسوريا الى شرقي الاردن بعد تأسيس الامارة بسبب ازدياد الامن مع تأسيس سلطة مركزية مدعومة من الجيش البريطاني.

-        على العكس من اميركا ايضا فان الهجرات السكانية الى الاردن منذ تاسيس الدولة لم تكن هجرات مختلفة ثقافيا او لغويا خصوصا مع التشابه السكاني الكبير بين فلسطين والاردن. فبحسب ارقام الانتداب البريطاني في 1922 انقسم سكان شرق الاردن الى بدو بنسبة 50% وفلاحين 50%. فيما شكل البدو 15% من اهل فلسطين والفلاحون  55% واهل المدن 30%.

-        الفقر والتهميش الاقتصادي والتعليمي بالاردن لا ينقسم عموديا بحسب الاصول والمنابت بل موجود بشكل افقي طبقاتي في المجتمع. ايضا بعكس الحال في اميركا من منظور الاميركيين الاصليين.

-        ايضا على عكس حال اميركا مع الاميركيين الاصليين فان الاردنيين من اصول شرق اردنية (ولهجاتهم وثقافاتهم) ليسوا مهمشين او محددين باي حال من الاحوال بل لهجتهم هي السائدة في الخطاب الرسمي وهم عديدون في جميع اجهزة الدولة وسلطاتها الثلاث والمجالات الاقتصادية والاجتماعية.


لكل ما سبق فان كلمات مثل "نصير هنود حمر" هي خاطئة وتهويلية وعنصرية وبلا اي داع. والاجدى ان نمتنع جميعا عن استخدامها او تشجيع من يستخدمها. خصوصا انها للاسف تصدر عن اناس يعتبرون انفسهم من المقصودين بالكلمات. 


وتبقى دولة القانون والمؤسسات الديموقراطية المدنية هي الاساس لدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها بلا تمييز ولا تهويل ولا تخويف. فدولة القانون والمؤسسات هي اللبنة الاساس لشعب يعتز بما يجمعه _وبما يمايزه_ ثقافيا وهوياتيا بلا تشنج. يكون فيها الاعتزاز والتعريف بالارث الاجتماعي والثقافي للجميع طبيعيا وسلسا ومرغوبا به.

No comments: