Saturday, December 21, 2013

دراسات الاثر الاقتصادي للجوء الاشقاء السوريين الى الاردن: بعض الموضوعية لو سمحتم

ما زلنا نسمع مرارا وتكرارا عن كلفة استضافة اللاجئين السوريين في الاردن وعن تقصير المجتمع الدولي والمانحين. والكلفة بحسب التصريح الرسمي للحكومة اكثر من ملياري دولار في 2013 لوحدها. يفهم البعض هذا الرقم وكان 20% من ميزانية الحكومة ذهبت للاجئين السوريين هذه السنة. فهل حصل هذا؟ هل صرفت الحكومة الاردنية 20% من ميزانيتها (بليونين من الدولارات) على اللاجئين السوريين؟ بالطبع لا. فهذا الارقام (ارقام الكلفة) تشمل تقديرات الكلفة الكلية على الاقتصاد والبيئة ويشوبها للاسف بعض الشوائب في المنهجية. 

فمثلا دراسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي حسبت من ضمن كلفة استضافة اللاجئين السوريين على الاقتصاد "زيادة حجم المستوردات الكلية" المصاحب لزيادة عدد السكان واعتبرت هذا كلفة. طبعا هذا ليس صحيحا من دون النظر الى مصدر تمويل هذه الزيادة في الاستيراد. فلو كانت الحكومة هي التي تمول هذه المستوردات بالدين لاتفقنا انها كلفة. اما اذا كان تمويل هذه المستوردات من المانحين ومن مدخرات اللاجئين او من تحويلات اقربائهم او من عملهم فتكون زيادة المستوردات ليست كلفة ابدا بل مصدر عوائد للحكومة (على شكل ارتفاع في حصيلة الجمارك وضريبة المبيعات) وزيادة في ارباح التجار المستوردين في الاردن الذين صاروا يبيعون اكثر. وطالما ان الحكومة لا تصرف على اللاجئين رواتبا مباشرة فتمويل هذا الاستيراد الزائد حتما ليس كلفة على خزينة الدولة ولا كلفة على الاقتصاد. بل فعليا هو محفز للقطاع التجاري الاردني. 

نفس الدراسة حسبت من ضمن الكلفة زيادة الضغط على المرافق الصحية والتعليمية في المدن المستضيفة وهذا صحيح. ثم عادت الدراسة وحسبت كلفة انشاء مستشفيات جديدة لمواكبة الزيادة بالطلب ضمن الكلفة. وهنا خطأ المنهجية: فكلفة انشاء مستشفيات جديدة يجب ان تحسب عند انشائها فقط وبعدها يصبح من ضمن الكلفة التي تحملتها خزينة الدولة. اما في حال عدم بناء هذه المستشفيات فكلفة استضافة الاشقاء السوريين ستقتصر على زيادة استهلاك المواد الطبية والادوية وكلفة معنوية يتحملها الاردنيون بزحام اكثر على المستشفيات الحالية وانخفاض في مستوى الخدمة. ونفس المنطق وجدناه في حساب الكلفة على قطاع المدارس!

زيادة السكان تعني طبعا زيادة في استهلاك الكهرباء لدى القطاعات السكانية وهناك كلفة حقيقية في الدعم الحكومي للكهرباء المنزلية. وهنا يجب ان يستند التقدير على الزيادة الحقيقية في استهلاك الكهرباء بسبب وجود الاشقاء السوريين لا على اساس رقم اعتباطي كما فعلت بعض الدراسات.

وفي منهجية خاطئة تماما يحسب البعض زيادة اسعار ايجار العقارات في المدن المستضيفة للاجئين السوريين ككلفة على الاقتصاد! مع ان هذه الايجارات (الممولة اساسا من مانحين اجانب او من مدخرات ودخول اللاجئين) هي مصدر دخل لمالكي العقار الاردنيين ومصدر للعملة الصعبة في البلد. وايضا عند تحليل الارقام الرسمية هناك مؤشر واضح ان زيادة الايجارات في المدن المضيفة قد ادت الى زيادة حركة بناء المساكن والعقارات في نفس المدن المضيفة (اي ان العرض في ازدياد ليواكب الزيادة في الطلب). ولنتوقف هنا عند هذه الارقام الرسمية:

بحسب دائرة الاحصاءات العامة، في 2012 (العام التالي لبدء اللجوء السوري الى الاردن) زادت مساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في اقليم الشمال بنسبة 26% (عن 2011) لتصل الى مليونين وستمائة الف متر مربع. فيما كانت الزيادة في اقليم الوسط لنفس الفترة 4.6%. وفي الاشهر التسعة الاولى من 2013 زادت مساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في اقليم الشمال بنسبة 15% عن ذات الفترة في 2012. فيما ارتفعت باقليم الوسط بنسبة 1.6% فقط.

تشير نفس الارقام ايضا الى ان مساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في اقليم الشمال في الاشهر التسعة الاولى من 2013 نزيد عن كل المساحات في كامل سنة 2011 بنسبة 6%. اما في اقليم الوسط فمساحات العقار الحاصلة على رخص انشاء في الاشهر التسعة الاولى من 2013 تقل عن كل المساحات في كامل سنة 2011 بنسبة 19%.

واضحة اذن الطفرة العمرانية في اقليم الشمال في 2012 و 2013 . وهذه قد يكون من اسبابها الزيادة في الطلب على السكن وزيادة الايجارات وهو الذي شجع مالكي العقار على الاستثمار في عقارات جديدة او توسعات على عقاراتهم. وكل هذا يعود بالنفع على الاقتصاد ويوفر فرص العمل. لوحدها الزيادة في المساحات الحاصلة على رخص انشاء في 2012 و2013 عن مستوى 2011 بلغت مليون و 450 الف متر مربع. على فرض كلفة انشاء بقيمة تبلغ 150 دينار للمتر (رقم محافظ) فان الزيادة في الاستثمار في البناء في اقليم الشمال في 2012 و 2013 تجاوزت 217 مليون دينار اردني.

هناك ايضا الارقام الرسمية التي تقول ان استثمارات السوريين المستفيدة من قانون مؤسسة تشجيع الاستثمار قد تجاوزت 150 مليون دينار ما بين 2012و 2013 . وهو استثمار لم يكن ليحصل لولا قدومهم الى الاردن.

نحتاج حقا لدراسة الاثر الاقتصادي والاجتماعي للاجئين السوريين بالاردن باسلوب موضوعي ذا منهجية علمية واضحة. لا نريد ابدا تهويلا وتضخيما. وهذه الدراسة يجب ان تفصل الكلف والعوائد والايجابيات والسلبيات وتفصل من يتحمل _حقيقة_ هذه الكلف والسلبيات: فمثلا ارتفاع الايجارات بؤثر سلبا على المستأجرين الاردنيين ولكنه يؤثر ايجابا على دخل الحكومة. وازدحام المستشفيات والمدارس يتحمله اساسا المواطن الاردن لا خزينة الدولة. وزيادة عدد السكان والسيارات يعني تحصيلا ضريبيا اكثر من ضرائب المبيعات والمحروقات. هكذا دراسة موضوعية تكون الخطوة الاولى لتعظيم الايجاببات والتفكير بحلول للتخفيف من السلبيات.

ولنتذكر:  600 الف لاجىء سوري يعني عمليا 8% من عدد السكان .. اتوا على مدى سنتين

تاريخيا _بحسب وكالة الانروا _ عبر الى شرق الاردن 100 الف لاجئ فلسطيني في 1948. تقديرا شكلوا نسبة 18% من عدد السكان انذاك.

وفي 1967 عبر الى الضفة الشرقية من الضفة الغربي 380 الف لاجئ ونازح. تقديرا شكلوا نسبة 30% من عدد السكان انذاك.

في 1990 عاد من الكويت نصف مليون اردني. تقديرا شكلوا نسبة 10% من عدد السكان انذاك.

بعد 65 سنة من لجوء النكبة و 46 سنة من نزوح النكسة و23 سنة من العودة من الكويت هل كانت محصلة نتائج تلك الهجرات السكانية الضخمة سلبية او ايجابية للاردن (اقتصاديا اجتماعيا ماليا)؟
 
لكل الهجرات سلبيات وايجابيات. وقلما تكون هذه الهجرات ذات تاثير كارثي على المجتمعات المضيفة.
بالنسبة لي.. اللاجئون السوريون -اعانهم الله على همهم- يبقون ضيوفا اهلا وسهلا بهم.. ولندرس باسلوب موضوعي علمي كافة جوانب لجوئهم.. لتعظيم الايجابيات ولتقليل السلبيات.


Wednesday, December 4, 2013

العائد الاستثماري لمحفظة الضمان الاجتماعي: الاسهم الاستراتيجية اساس البلاء!



بحسب التقارير السنوية الرسمية لمؤسسة الضمان الاجتماعي وصل اجمالي حجم المحفظة الى 5601 مليون دينار بنهاية 2012 مقابل 5181 مليون دينار في 2011 و 4887 مليون دينار في 2010. وكانت الزيادة في 2012 420 مليون دينار بنسبة نمو 8% و في 2011 294 مليون دينار  بنسبة نمو 6%.

طبعا الضمان عنده فائض تاميني سنوي هو الفرق بين ما تقتطعه المؤسسة من رواتب المشتركين الحاليين وبين ما تدفعه حاليا كرواتب تقاعدية وتعويضات. وبحسب نفس التقارير السنوية بلغ الفائض التاميني 348 مليون دينار في 2012 و 259 مليون دينار في 2011 و 226 مليون دينار في 2010. وعليه يكون الفائض التاميني قد شكل 83% من اجمالي الزيادة في محفظة الضمان في 2012 و88% من اجمالي الزيادة في محفظة الضمان في 2012.

هذا يعني ان العائد الاستثماري الصافي للمحفظة في 2012 بلغ 72 مليون دينار فقط في 2012 و 35 مليون دينار فقط في 2011 . نسب ضئيلة بلغت 1.4% في 2012 و0.7% في 2011.

في 2012 شكلت الودائع النقدية 15% من اجمالي محفظة الضمان فيما شكلت السندات 28% (اي ان اجمالي النقد والسندات شكل 43% من اجمالي محفظة الضمان). وبلغت حصة الاستثمارات العقارية والفنادق ما نسبته 11% من اجمالي محفظة الضمان. وشكلت الاسهم 37% من اجمالي محفظة الضمان (معظمها اسهم "استراتيجية"). والباقي 9% استثمارات اخرى.

محفظة الاسهم الاستراتيجية هي السبب الرئيسي لانخفاض العائد الاستثماري لمحفظة الضمان الاجتماعي. فقد انخفضت قيمتها بمبلغ 370 مليون دينار في 2011 وانخفضت كذلك بمبلغ 94 مليون دينار في 2012 بنسب انخفاض 15% و4% على التوالي.

لولا الانخفاض في الاسهم  " الاستراتيجية " لكان العائد الاستثماري للمحفظة 405 مليون دينار في 2011 على اقل تقدير (8% بدلا من 0.7% ) و 166 مليون دينار في 2012 (3.2% بدلا من 1.4%).

اعلاه مقدمة لتاكيد الحقائق الاتية:

-        الضمان ليس صندوقا سياديا حكوميا. بل هو صندوق ادخاري لعمال وموظفي الاردن المشتركين بالضمان.  والحكومة مؤتمنة على هذه الاموال ولا يجب ان تتخذ القرارت بناء على مصالح حكومية بل فقط بناء على مصلحة مشتركي الضمان.

-        تعريف اسهم الاتصالات والتعدين وبعض البنوك كاسهم استراتيجية (يسميها البعض وقفا غير قابل للتصرف) يناقض المبدا الاول ان استثمارات الضمان يجب ان تسير بحسب مصلحة محفظته. فعلى سبيل المثال لو باع الضمان جزءا كبيرا من اسهمه في الفوسفات والبوتاس والبنك العربي والاسكان والاتصالات في وقت فورة سوق الاسهم في 2008 (حين بلغت اسعارها مستويات عالية غير منطقية وغير مبررة) لساهم في زيادة محفظة الضمان باكثر من بليون دينار ولساهم ايضا في تخفف هوس فورة الاسهم التي انتهت الى كارثة على معظم من استثمر في الاسهم انذاك.

-        ما الاسس التي تجعل الاسهم الاستراتيجة "وقفا" ؟ كصندوق تقاعد المفروض ان تكون معظم استثمارات الضمان في السندات ذات المخاطر القليلة التي تحقق عوائدا واضحة محددة وغير متقلبة. بعكس الاسهم التي تتذبذب ربحيتها صعودا وهبوطا.

-        طبعا هذه ليست دعوة لبيع الاسهم الاستراتجية الان (خصوصا ان اسعارها حاليا ليست منتفخة بلا منطق) بل دعوة لادارة صندوق الضمان على اسس اكثر علمية وتجرد وبلا ارتباط عاطفي مع بعض الشركات الكبيرة.

كذلك لا ننسى الموضوع الاهم: الضمان الان هو نظام "محدد المنافع" (defined benefits) وهو كباقي الانظمة مثله في كل العالم ايل الى السقوط عاجلا ام اجلا (وهناك تقارير متعددة من ال OECD عن هذا الموضوع استنادا الى تجارب الدول الاخرى).  فتغييرات الديموغرافيا كفيلة بافلاسه مستقبلا من حيث ازدياد معدل الحياة لدى المتقاعدين وانخفاض نسبة النمو السكاني وبالتالي انخفاض نسبة اعداد المشتركين الى اعداد المتقاعدين. وهذا يؤدي الى ضرورة تقليل المنافع وزيادة الاقتطاعات كل عدة سنوات لدفش موعد الافلاس عدة سنوات اخرى. وهذا حصل في الاردن عدة مرات:  فاقتطاع الضمان الحالي 18.75% من الراتب. وسابقا بين 2001 و ايلول 2011 كان الاقتطاع 16.5% من الراتب (وكان اقل من ذلك في التسعينيات). والاقتراح  الحكومي الحالي ان يرتفع الاقتطاع الى 21.75% من الراتب مع 2017 بالاضافة الى تمديد سن التقاعد والغاء التقاعد المبكر وتقليل معامل المنفعة لتقليل الرواتب التقاعدية. ولربما يزيد الاقتطاع من جيل ولداي ليصل الى 30% ليدفعوا تقاعدات جيل ابيهم.

لو امعنا في السخرية لاستنتجنا ان الضمان الاجتماعي هو اطار قانوني فعال لكي تسرق الاجيال السابقة من جيب الاجيال اللاحقة! وقد يكون الحل الجذري بالتحول الى نظام محدد الاشتراكات لا المنافع (defined contributions) يكون فيه الضمان وعاء ادخاري معفي من الضرائب  لكل مشترك وللمشترك ان يختار كيف يستثمر " تحويشته " من اقتطاعات الضمان ولا يسمح له السحب منها الا بعد سن معين. وهذا يشبه نظام ال 401K المطبق في الولايات المتحدة منذ اكثر من 15 سنة وهو ما تدعو اليه دراسات منظمة ال OECD ايضا استنادا الى الاوضاع المزرية لانظمة التقاعد التقليدية في الدول الغنية. وهكذا تزال نهائيا مشكلة الخوف من "افلاس الضمان". مع الابقاء طبعا على مظلة الضمان التامينية ضد اصابات العمل والعجز الكلي والجزئي.

وتبقى النقطة الاخيرة: اعجب من جهود حكومية مضنية لتعديل قانون الضمان خوفا على مستقبله فيما لا جهود ابدا لتعديل قانون التقاعد المدني باثر فوري ورجعي كون التقاعد المدني مفلس تماما. فبحسب ارقام الميزانية بلغت اقتطاعات اشتراكات التقاعد 24 مليون دينار في 2013 فيما بلغت نفقاته بليون و 68 مليون دينار! اي ان عجز التقاعد المدني بلغ بليون و 44 مليون دينار في 2013 (يساوي عمليا عجز الميزانية كاملا ) ويمول من القروض التي تزيد الاعباء على الاجيال الاحقة.
 
تقديرا : اقل من واحد بالاف من المتقاعدين تقاعدا مدنيا يحصلون على 4 الى 6% من فاتورة التقاعد السنوي. وهم عمليا من اقر قوانين التقاعد وفصلوها على قياسهم!  

لا تعدم الشعوب الحية امكانية تصحيح الاتجاه نحو عدالة مجتمعية اكثر. حل افلاس التقاعد المدني بشكل جذري له اولوية اكبر من تعديل الضمان الاجتماعي خوفا من افلاس سياتي بعد 40 سنة.