Thursday, June 23, 2011

اعادة هيكلة الرواتب الحكومية: معالجة السرطان بالاسبرين


اقتصاديا هناك ثلاث سبل لاي حكومة للتعامل مع الدين العام وتخفيضه كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي. اولا النمو الاقتصادي بنسبة اكبر من نمو الدين العام والذي يخلق عوائد حكومية اكبر ويكون مرتبطا عادة ببعض التضخم الذي يفيد اي حكومة ترغب في تخفيض الديون. ثانيا التقشف في النفقات الحكومية لتخفيض الاستدانة وتحقيق وفر لتسديد الديون. و ثالثا عدم الدفع وتحميل الخسائر للدائنين مع تحمل التبعات القاسية هذا الاعسار ومنها الضغوطات الدولية وتدخل صندوق النقد او هز القطاع البنكي المحلي في حالة الديون المحلية. 

في اليونان مثلا -وهي التي تعاني من ديون طائلة- بدأت الحكومة اجراءات تقشفية شديدة منها تخفيض التقاعدات ورواتب القطاع العام وتشديد تحصيل الضرائب وهناك حديث عن تحميل الدائنين (مثل البنوك اليونانية) بعضا من الخسائر عن طريق تخفيض اصل الديون او اعادة جدولتها بلا فوائد جديدة. وكما اليونان ايرلندا والبرتغال.

حالنا بالاردن ليس افضل من احوال اليونان وايرلندا وغيرها. فالمديونية عالية والعجز المزمن في الميزانية (هذا العجز قديم قدم الدولة الحديثة بالمناسبة) يعني ان الحكومة الاردنية لا تستطيع تسديد اقساط وفوائد الديون الحالية الا عبر ديون جديدة ومساعدات خارجية.

في هذا السياق يأتي الحديث عن اعادة هيكلة رواتب المؤسسات والهيئات المستقلة والتي لا تتبع ديوان الخدمة المدنية. وهو امر جيد لو كان ضمن خطة تقشفية حكومية شاملة وليس على نظام الفزعات الموسمية. فالمعضلة اذن ان لا شمولية في اعادة الهيكلة. وهنا بعض الملاحظات:

-         طالما ان اعادة الهيكلة المقترحة قد نحرت بقرة مقدسة اسمها "حقوق الموظفين المكتسبة" بحيث سوف تنخفض رواتب موظفين على راس عملهم الا ينبغي ان تتخذ الحكومة قرارا شجاعا اخر بالغاء تقاعد الوزراء المبكر لكل وزير لم يكمل الستين من عمره. فالغاء تقاعد الوزراء المبكر يفيد ليس من ناحية توفير ملايين عديدة سنويا  فقط بل ايضا عبر تأكيده للشعب ان التقشف يطال الجميع وليس فقط من لا ظهر ولا سند له في مجلس الوزراء. ويا حبذا لو شاركت الحكومة الشعب الاردني بتفاصيل مصاريف الوزراء المتقاعدين سنويا من رواتب وتامين صحي وغيره بدلا من تخبئتها ضمن بند التقاعد العام في الميزانية. وتبقى المفارقة ان حكومة دولة سمير الرفاعي السابقة الغت التقاعد المبكر في الضمان الاجتماعي بقانون مؤقت لم يمر على السلطة التشريعية ومن ثم خرجت من الدوار الرابع مع تقاعدات مبكرة لوزراء دون الخمسين ولم يخدموا اكثر من عدة شهور. والمفارقة الاخرى ان القانون المعدل المؤقت للضمان الاجتماعي خرج باسلوب لم يحرم ايا من وزراء تلك الحكومة من امكانية التقاعد المبكر من الضمان الاجتماعي نفسه!

-         مشكلة الهيئات المستقلة ليست في رواتب موظفيها الاعلى من رواتب ديوان الخدمة المدنية،  فرواتب الحكومة متدنية اجمالا ورواتب الهيئات تبقى ضمن معدل الرواتب في القطاع الخاص. المشكلة الاساس في مصاريف الادارات العليا في بعض تلك الهيئات والمؤسسات المستقلة خارج بنود الرواتب (مثل السيارات والمكاتب والسفر والمياومات). فمثلا تغيير حمام مدير احدى المؤسسات كلف عشرات الاف الدنانير وهناك بك اب مخصص لمزرعته على حساب المؤسسة. اعادة هيكلة الرواتب لا تضمن حاكمية افضل في تلك المؤسسات وهو المطلوب في الواقع.

-         التقشف واعادة الهيكلة يجب ان يشمل حميع نواحى ميزانية الحكومة ولا ضير هنا ان نتوجه اخيرا الى شفافية في كافة نفقات الدولة بدلا من وجود نواح بلا شفافية تحت بند "مصاريف اخرى" . فنحن في القرن الواحد والعشرين وان اوان شفافية تفش الغل في ميزانياتنا بدون خطوط حمراء او صفراء. والتقشف من قمة الهرم لاسفله يعيد بعضا من الثقة الشعبية بالحكومات.

اما ان يكون جل العمل منصبا على رواتب 5 الاف موظف في المؤسسات المستقلة من دون ان تكون الهيكلة والتقشف ضمن خطة جريئة تشمل كامل تشوهات الميزانية الحكومية فهو غير منطقي ونكون كمن ينفخ في قربة مثقوبة او كمن يتداوى من السرطان بحبة اسبرين! 

لحل اي مشكلة يجب تحديد اسبابها الاساس. وتحديد الاسباب يتطلب توفر كافة المعلومات. لنبدأ ببيان كلفة رواتب التقاعد للوزراء الشباب ولنقطعها ونستخدم الوفر لتحسين الرواتب الدنيا في القطاع العام. ومن ثم نتدرج في التقشف منطقيا وبشكل عادل.

Wednesday, June 1, 2011

العفو العام ضريبيا: الاثار سلبية .. الا اذا تم تدارك بعض عثرات قانون 1999

هذا التحليل يستند الى قانون العفو العام السابق في العام 1999 لكي لا نعتمد على الشائعات التي تدور بخصوص قانون العفو العام  لسنة 2011 الذي لم يصدر رسميا بعد. وللاختصار سيكون المثال ضريبة المبيعات.

 
أعفى قانون العفو العام لسنة 1999 جميع الجرائم الواقعة قبل تاريخ 18/3/1999 إعفاء عاما بحيث تزول حالة الإجرام من أساسها وتسقط كل دعوى جزائية وعقوبة أصلية كانت أم فرعية تتعلق بأي من تلك الجرائم باستثناء الجرائم المنصوص عليها في المادة الثالثة من ذات القانون. وشمل ذاك العفو جرائم التهرب من الضريبة العامة على المبيعات مثلا
.




هل لاعفاء جرائم التهرب الضريبي فائدة اقتصادية؟ الدراسات الاقتصادية في معظمها تؤكد ان العفو الضريبي يؤثر ايجابا على تحصيل الضرائب في المدى القصير ولكن يؤثر سلبا على الالتزام بتحصيل الضرائب على المدى البعيد خصوصا اذا تكرر العفو الضريبي كل عدة سنوات. وهذه الدراسات هي عن العفو الضريبي في المفهوم الحكومي الغربي والذي يكون عادة محددا بمدة معينة ومشروطا بتقدم المتهرب لدفع الضرائب المستحقة قبل انتهاء مهلة العفو القصيرة مع اعفاءه من السجن والفوائد والغرامات اذا دفع الضريبة خلال المهلة. فما بالك باعفاءنا العام الشامل للعام 1999 الذي شمل كافة الجرائم قبل 18\3\1999 بغض النظر عن تقدم الناس لدفع الضرائب وكان بلا مهلة بل بالمطلق
.

في الاردن شمول اي عفو عام لجرائم التهرب الضريبي بانواعها سيعود بالضرر على تحصيل الضرائب في المستقبل خصوصا مع تكرار العفو. فالعفو سيقلل من الحافز لدفع الضرائب في مواعيدها وعدم التهرب عندما يرى الملتزمون اعفاء يأتي كل بضعة سنوات ليعفي من لم ليتزم ومن تهرب من اي غرامة او عقوبة
.

الانسب ان يكون العفو العام مصمما بطريقة تخفف من هذه التبعات السلبية الاقتصادية. فمثلا يمكن في المخالفات والغرامات المالية ان يشمل العفو العام فقط اولئك اللذين يعيشون في عسر مالي واضح ولا يشمل من تكدست الاموال في حساباته وماطل الحكومة في دفع غراماته ومخالفاته. وكذلك ان يحدد العفو حدا اعلى للغرامات والمخالفات (فيه تخفيض) بدلا من ان يلغيها تماما
.

اما ان يتوقع المتهربون من الضرائب ومخالفو القوانين عفوا عاما كل بضعة سنوات فستكون النتيجة تقليل حوافز الالتزام بالقانون وازدياد اعداد المتهربين وتقليل التحصيلات الضريبية المستقبلية. فالمثل يقول .. من امن العقوبة اساء الادب
! 

عموما وفي كافة الجرائم، المنطق برأي ان يكون العفو عند المقدرة (اي بعد القبض على الفاعلين ومحاكمتهم) وبعد الندم والتوبة (اي في السياق القانوني مباشرة اداء العقوبة). ففي باقي الجرائم قد يكون من الامثل ان يصمم قانون العفو العام القادم ليشمل اولئك الذين قضوا اكثر من نصف او ثلاثة ارباع محكوميتهم ولا يشمل الفارين من وجه العدالة. اما ان تسقط العقوبة تماما عن جرائم كثيرة تشمل الايذاء والاحتيال والقذف والتشهير قبل ان يباشر مرتكبوها العقوبة فليس من العدل بشيء
.