HIDE
TRUE
RTL
{fbt_classic_header}

طيران الملكية الأردنية: كيف يمكن للحكومة ان تساعدها؟

قبل كورونا كان قطاع الطيران التجاري عالميا بحالة ممتازة. في 2019 _بحسب تقرير لمجلة الايكونومست_ سافر 4.5 مليار شخص جوا عبر 100 ألف رحلة يو...



قبل كورونا كان قطاع الطيران التجاري عالميا بحالة ممتازة. في 2019 _بحسب تقرير لمجلة الايكونومست_ سافر 4.5 مليار شخص جوا عبر 100 ألف رحلة يومية. وتجاوزت الإيرادات الاجمالية لكل قطاع الطيران التجاري 1300 مليار دولار دعمت توظيف حوالي 10 ملايين شخص بشكل مباشر مقسمين بين ستة ملايين وظيفة في المطارات وثلاثة ملايين وظيفة في شركات الطيران وحوالي مليون وظيفة في صناعة الطائرات.

تسببت جائحة كورونا بكارثة عميقة في قطاع الطيران التجاري في العام 2020. حيث يتوقع انخفاض الإيرادات بأكثر من 400 مليار دولار مع تسجيل خسائر في 2020 و2021 بأكثر من 100 مليار دولار. حاليا 35% من الطائرات مركونة بالمطارات وخارج الخدمة وحتى ان عادت الحركة الى 80% من مستوى 2019 يتوقع ان تبقى 4000 طائرة خارج الخدمة. هذا سيتسبب في انخفاض كبير في أسعار بيع او تأجير الطائرات بسبب الوفرة الكبيرة وانخفاض الطلب. في أوروبا فقد ثلاثون ألف عامل في الخطوط الجوية البريطانية عملهم وقلصت شركة اير باص لصناعة الطائرات عمالتها بخمسة عشر ألف موظف. كذلك استغنت الخطوط الإسكندنافية عن 90% من مجمل موظفيها (عشرة الاف شخص) لانعدام الطلب على خدمتها.

حتى مع حركة سفر نشطة في 2019 كثير من شركات الطيران حول العالم كانت تخسر. في أوروبا مثلا 30% من شركات الطيران كانت قد حققت خسائر في 2019 مما يعني ان كثيرا منها سيفلس ويخرج من السوق في 2020 وبعدها. ولهذا يتوقع المحللون ان يدخل سوق الطيران عالميا في مرحلة خروج شركات عديدة ومرحلة اندماج واستحواذ تتسبب في بزوغ شركات جديدة وتوسع شركات بهياكل كلفة اقل بكثير من الكلف السابقة بحيث تكون قادرة على المنافسة بشكل قوي وفعال.

محليا فان قرار الحكومة اغلاق المطار شكل ضربة قاسية جدا للملكية الاردنية. فخسرت الشركة 66 مليون دينار في النصف الأول من 2020 ليصل اجمالي الخسائر المتراكمة الى 152 مليون دينار. مع ان الشركة حققت ربحا بقيمة 10 مليون دينار في 2019. الخسائر الجديدة أدت الى انخفاض صافي حقوق الملكية الى 59 مليون دينار فقط بنسبة 21% من راس المال ونتج عن ذلك وقف تداول أسهمها في سوق عمان المالي وإلغاء ادراجها. ولم تتجاوز التدفقات النقدية من الأنشطة التشغيلية عشرة ملايين في نصف السنة المنصرم.

كذلك يوجد على طيران الملكية الاردنية التزامات عقود ايجار (معظمها ايجار طائرات) بقيمة دفترية وصلت الى 435 مليون دينار على حساب القيمة الحالية الصافية. أي انها تتجاوز 700 مليون دينار من الدفعات المستقبلية الحقيقية. فيما بلغت ديون الشركة للبنوك المحلية 70 مليون دينار. وقد افصحت الشركة عن تخصيص حوالي المليون دينار كمخصص للموظفين اللذين يختارون التسريح الاختياري.

بما ان قرار الحكومة بأقفال المطار لحركة المسافرين التجارية منذ منتصف اذار قصم ظهر طيران الملكية الأردنية لربما تفكر الحكومة حاليا بدعم الشركة عبر ضخ مزيدا من الأموال فيها كما فعلت وقت حكومة الدكتور عبدالله النسور في 2016 و 2017 بجوالي مائتي مليون دينار.

يجب على الحكومة ان تكف عن حتى التفكير باي دعم مالي جديد للملكية الأردنية. فمشكلة الملكية الأردنية الأساسية لا تزال تكمن في كلف استئجار طائراتها. ان بقيت الكلفة كما هي بدون تخفيض عميق لن تستطيع الشركة ان تنافس في سوق لا يتوقع ان يتعافى الى مستوى 2019 الا بعد 2024. بعد فتح المطار ستواجه الشركة منافسة شديدة من العديد من الشركات التي استغلت وجود فائض من الطائرات الرخيصة والطيارين العاطلين عن العمل لبناء هيكل كلفة منخفض للغاية يسمح لها بالتنافس على السعر بالإضافة الى المنافسة القوية من المشغلين الاقليمين الاقوياء. الدعم الحكومي المالي للملكية الأردنية لن يفيدها تنافسيا ولن يجعلها أكثر كفاءة.

للحكومة ان تساعد الملكية بتخفيف كلف الاحتكار عليها. بالإضافة لكلف استئجار الطائرات الثابتة تعاني الملكية الأردنية من كلف عالية جدا للوقود بسبب الوضع الاحتكاري لسوق المشتقات الاردني. لدرجة ان الشركة تخسر عند تشغيل الطائرات بعامل امتلاء منخفض أكثر مما تخسر عند توقفها عن العمل تماما. والسبب ان الشركة ممنوعة من استيراد وقودها بنفسها وعليها ان تشتريه من شركات تسويق المحروقات على هوامش ربح عالية. بحيث صارت تدفع أكثر من 20% كلفة زيادة عن الكلفة لو استوردت وقودها بنفسها.

لهذا فان الخيار الأفضل _للخزينة والملكية الأردنية معا_ ان تعلن الحكومة صراحة عن عدم قدرتها على دعم الشركة ماليا. هذا قد يعطي الشركة موقف اقوى في إعادة التفاوض مع الدائنين المحليين والخارجيين وإعادة بعض او اغلب طائراتها المستأجرة التي لم تعد بحاجة لها مرحليا او تخفيض كلف الايجار بشكل كبير خصوصا في الطائرات العريضة الجسم والتي انخفضت كلفة تأجيرها بشكل كبير مؤخرا. وسوف يعطي لها املا _ولو ضئيلا _ في النجاة واستقطاب مستثمرين جدد من القطاع الخاص مستعدين للمخاطرة بنقودهم لا بنقود دافعي الضرائب.

في حالة نجاح الشركة كل التوفيق لها. وفي حالة الفشل لا سمح الله فعلى الحكومة الأردنية ان تفكر بدعم موظفي الملكية الأردنيين حصرا. فأي دعم مالي للملكية الان سيكون _في واقع الحال_ دعما لشركات تأجير الطائرات التي تملك معظم طائرات الملكية الأردنية. وستكون خسارة لعملة صعبة خارج الاقتصاد تتجاوز مليار دولار هي الدفعات المستقبلية لإيجار الطائرات إذا استمرت بالعقود الحالية واسعارها. ناهيك ان الشركة ستواجه منافسة أكثر قسوة من شركات عديدة خرجت من جائحة كورونا بقدرة تنافسية عالية.

ستخرج ضد هذا المقترح أصوات كثيرة تردد خرافتين عن أهمية "الناقل الوطني" ما فتئننا نسمعها عن الملكية الأردنية من عشر سنوات. أولها ان الملكية الأردنية "ترفد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 2 الى 3 % وبما يفوق مساهمة قطاعات اقتصادية بارزة في هذا الجانب" وهي عبارة تتكرر في تقريرها السنوي حيث يبدو ان النسبة قد تم حسابها بتقسيم اجمالي إيرادات الشركة على الناتج الإجمالي. في الواقع فان مساهمة الشركة حتما لا تشكل 2 او 3% من الاقتصاد الأردني بل ما لا يزيد عن أربعة بالألف من الناتج المحلي الإجمالي الأردني في أفضل سنوات الربح. وهنا ادعو الحكومة لمراجعة هذا الامر مع فريق من الاقتصاديين.

الخرافة الثانية تقول ان الملكية الأردنية هي التي تجلب السياح الى الأردن وان أي طارئ يحصل لها سيعني انهيار قطاع السياحة وانخفاض اعداد المسافرين للأردن. مع ان مطار الملكة علياء الدولي تهبط فيه طائرات حوالي 40 شركة طيران منافسة مع شركة الملكية الأردنية وان معظم خطوط شركة الملكية الأردنية يوجد فيها خيارات أخرى. أساس الخطأ هنا هو الخلط بين قطاع النقل الجوي كمنظومة كاملة عمادها المطار وبين شركة طيران واحدة.

الخرافتان أعلاه _بالإضافة الى رومانسية التمسك بناقل وطني حتى لو كلفنا خسائر جسيمة_ تشكلان أساس القرارات الحكومية التي حرقت المال العام في شركة الملكية الأردنية بدون السماح لها بالعمل على أسس تجارية حقيقية. دعوها تفاوض الدائنين _وان تشهر الاعسار ان احتاجت _ لتخرج منه شركة أفضل.

وبدلا من دعمها عبر دفع ايجارات طائرات بالعملة الصعبة لشركات اجنبية على الحكومة حصرا دعم أي موظفين أردنيين فيها ان فقدوا وظائفهم لا سمح الله. فالاستثمار الحكومي في قطاع الطيران الجوي لا يجب ان يذهب للملكية بل يجب ان يستثمر في مرافق حيوية مثل مطار عمان المدني في ماركا لإعادته مطارا دوليا يحفز المنافسة ويستقطب شركات طيران محلية وعالمية بعد الجائحة.

تلخيصا على الحكومة التالي فيما يخص الملكية الاردنية: ان تسمح لها بشراء وقودها مباشرة وان تعلن صراحة عن عدم القدرة على ضخ أموال إضافية فيها او كفالة أي قرض جديد لها وان تطلق لها حرية الحركة والتخطيط على أسس تجارية بحته وان تتمنى لها كل التوفيق. فقط لا غير.

ليست هناك تعليقات