Thursday, May 23, 2019

نلوم الصندوق واللوم علينا

نلوم الصندوق واللوم علينا!   
نشرت في صحيفة الغد يوم 19 أيار 2019

هذا تحليل لمالية الحكومة الأردنية بين 2003 و2010 باختيار مقصود للسنوات. 2003 كانت اخر سنة للحكومة الأردنية مع برنامج صندوق النقد الدولي بعد الازمة الكبيرة الأولى في 1989 (اخر مراجعة حصلت في بداية 2004) قبل ان نحتاج العودة لبرنامج جديد. و2010 كانت اخر سنة قبل دخول موجة الربيع العربي وانقطاعات الغاز المصري في 2011 وما بعدها. أيضا سنة 2003 كانت سنة فارقة بالاحتلال الأميركي للعراق وتأثيرها الكبير على الاقتصاد الأردني من ناحية انتهاء تزويد الأردن بالنفط الخام العراقي بأسعار ميسرة.  
في 2003 بلغت الإيرادات المحلية للحكومة المركزية 1675 مليون دينار. مدفوعة بالنمو الاقتصادي القوي ارتفعت هذه الإيرادات المحلية في اعوام 2004 و2005 و2006 و2007 و2008 ب471 و415 و601 و463 و747 مليون دينار على التوالي. حيث بلغت الإيرادات المحلية عام 2008 4375 مليون دينار اردني مقابل 1675 مليون دينار اردني في 2003. ثم انخفضت الإيرادات المحلية عام 2009 ب188 مليون دينار وعادت وارتفعت ب 73 مليون دينار عام 2010. أي ان مجمل الإيرادات المحلية بلغ 24327 مليون دينار بين 2004 و2010.


اما النفقات الجارية للحكومة الأردنية فقد وصلت في 2003 الى 1975 مليون دينار. ارتفعت هذه النفقات الجارية في 2004 و2005 و2006 و 2007 و 2008 و 2009 و2010 ب 335 و160 و 596 و 631 و 775 و 112 و 160 مليون دينار على التوالي. حيث بلغت النفقات الجارية عام 2010 4746 مليون دينار مقابل 1975 مليون دينار عام 2003. ووصل اجمالي النفقات الجارية بين 2004 و2010 الى 25349 مليون دينار.
تلخيصا نفقات الحكومات المتعاقبة الجارية بين 2004 و2010 زادت بأكثر من 13 مليار دينار أردني عن نفقاتها بين 1997 و2003. لنركز على نقطة انها كلها كانت نفقات جارية: هذه ليست نفقات رأسمالية ذهبت في انشاء مستشفيات او مدارس او سدود او طرق او مطارات او سكك حديد او شبكات نقل عام او مشاريع طاقة وغيرها من الاستثمارات في البنى التحتية المهمة. بل هي نفقات جارية اذا دققنا فيها سنراها توسعا في المنافع والرواتب والتقاعد ونفقات الرفاهية وهدر وتوسع في النفقات الجارية على كل المستويات. مثلا رواتب الحكومة المركزية ارتفعت من 442 مليون دينار عام 2003 الى اكثر من بليون دينار في 2011. انظر الجدول. 

في الإعادة افادة: ما بين 2004 و2010 زادت الايرادات المحلية للحكومة 12.5 مليار دينار عن مستواها في 2003. وفي ذات الفترة زادت النفقات الجارية للحكومة بأكثر من 13 مليار دينار. نفقات ومصاريف جارية لا مشاريع رأسمالية تنموية. وههنا نسأل السؤال المهم: هل شعر الأردنيون باي فرق بين حكومة عام 2003 بنفقاتها الجارية ذات 1975 مليون وبين حكومة 2010 التي صرفت 4746 مليون دينار نفقات جارية؟  

ما السبب في ان الحكومات المتعاقبة انطلقت في هدر كل زيادة في الإيرادات المحلية في نفقات جارية غير تنموية في سنوات نمو اقتصادي ممتاز وزيادة مضطردة في الإيرادات الضريبية؟  

في 2003 تعرض الأردن لصدمة انقطاع شريان الطاقة العراقي الرخيص الذي اعتمدنا عليه لأكثر من 15 سنة. لما لم نتعلم من هذه الصدمة في سنوات النمو الاقتصادي القوي لضمان ان لا يكون اعتمادنا على أنبوب الغاز المصري بدون خطة بدلية فيما لو حصل أي انقطاع فيه؟ مثل ميناء الغاز المسال الذي اتى بعد صدمة الربيع العربي وانقطاع الغاز المصري.  

في هذا المثال سيقول كثيرون هذه حكمة بأثر رجعي. حسنا. لماذا اذن لم نر تنفيذا لمشاريع بنية تحتية وطنية مهمة جدا لكفاءة الاقتصاد في وقت الازدياد المضطرد في الإيرادات المحلية بواقع 12 مليار في ست سنوات؟ لما لم ننشئ سكة الحديد الوطنية لنقل النفط الخام والبضائع بين العقبة وعمان والزرقاء والموجودة ضمن الخطط الوطنية منذ السبعينات؟ والتي كانت ستنقذ عشرات الأرواح على الطريق الصحراوي ومئات ملايين صرفت على صيانة الصحراوي بدون جدوى حيث يتدمر الطريق كل عدة سنوات بسبب الحمولات الكبيرة عليه.

 لما لم نطور محطة الكهرباء بالصخر الزيتي الذي نتحدث عن تطويره منذ الثمانينات؟ لما لم نبني سد كفرنجة الموجودة خططه منذ عقود وانتظرنا المنحة الخليجية له في 2018؟ لما لم نستثمر في القطار الخفيف بين الزرقاء وعمان اهم شريان نقل في المملكة او الباص السريع او خط مترو في عمان؟ لما لم بتم انشاء مستودعات تخزين استراتيجية للمشتقات النفطية التي أيضا كانت موجودة في خطط الوزارات منذ عقود؟  

كيف اهدرنا فوائض الإيرادات المحلية في نفقات جارية مهدورة أساسها التنقيع والاسترضاء وتسكين المشاكل بدلا من حلها؟ كيف صرفنا 13 مليار دينار في نفقات جارية كانت تكفي لإنشاء مشاريع بنى تحتية تنموية تزيد من فعالية الاقتصاد بشكل ممتاز؟  

الإجابة تكمن في واقع الاقتصاد السياسي الأردني المحلي. هذا الاقتصاد السياسي الذي جعل حجم نفقات الحكومة الجارية ترتفع بنسبة سنوية مركبة تتجاوز ثلاثة اضعاف نسبة النمو الحقيقي في الاقتصاد بين 2004 و2010. في هذا الاقتصاد السياسي المحلي تتضافر المطالب الجهوية ومطالب النواب والاعيان ومطالب البيروقراطية الحكومية في سحب كل ايراد جديد نحو الريع والاسترضاء والصرف غير المنتج.  

عود على بدء مع عنوان هذا المقال. يجب ان نتذكر ان سنوات 2004 الى 2010 كانت خالية تماما من أي ضغوطات من صندوق النقد. كانت كلها قرارات محلية اردنية بامتياز. والهدر الهائل الذي حصل فيها تتحمله حصرا الحكومات الأردنية المتعاقبة. اعتقد جازما اننا جميعا يجب ان نمحص في السياسة المالية في سنوات 2004 الى 2010 والفرص المهدورة لكي نتعلم من اخطائنا. لأني حقا لا اعلم عن أي نصيحة من صندوق النقد او البنك الدولي تقول للحكومات ان نفقاتها الجارية يجب ان تنمو بنسب اكثر من النمو الحقيقي في الاقتصاد. بينما أصرت حكوماتنا الرشيدة ان تزيد الانفاق الجاري سنويا بثلاثة اضعاف نسبة نمو الاقتصاد بين 2004 و2010 واصرت ان تتناسى كل مشاريع البنى التحتية والطاقة المهمة واصرت ان تنام بالعسل وتهدر كل زيادة في الايراد المحلي.
2010
2009
2008
2007
2006
2005
2004
2003
مليون دينار
4,747
4,586
4,473
3,698
3,066
2,470
2,310
1,975
النفقات الجارية
161
113
776
631
597
160
335

الزيادة
4%
3%
21%
21%
24%
7%
17%

%









4,261
4,188
4,375
3,628
3,164
2,563
2,147
1,676
الإيرادات المحلية
73
(188)
747
464
602
416
472


2%
-4%
21%
15%
23%
19%
28%


No comments: