Thursday, November 21, 2013

العبء الضريبي الحقيقي بالاردن : الضرائب المختفية تحت بند الرسوم

نظريا هناك فرق اساسي بين الضرائب والرسوم. فالضريبة تدفع من قبل المواطن لتمويل الحكومة ونفقاتها. اما الرسوم فيدفعها المواطن لقاء خدمات تخصه شخصيا واساسها _بالنسبة للحكومة_ استعادة كلفة تقديم هذه الخدمة. فرسم تجديد جواز السفر مثلا يدفعه المواطن للحكومة ليعوضها عن كلفة اصدار الجواز (من رواتب ومصاريف واجور مباني لدائرة الاحوال المدنية الخ).

 
هذا نظريا. لكن عمليا اضحت كثير من الرسوم الحكومية الاردنية ضرائبا تصاعدية. ومنها على سبيل المثال لا الحصر رسوم ترخيص السيارات ورسوم تسجيل الاراضي والعقارات ورسوم اشتراكات المياه.

 
رسم ترخيص السيارة السنوي هو 16% من قيمة رسم تسجيلها لاول مرة. ورسم التسجيل  7.5% من قيمة السيارة المقدرة لغايات الجمرك. وهي ليست مربوطة لا بسعة المحرك ولا الموديل ولا سنة الصنع. وعليه سيارة قيمتها لغايات الجمرك عشرة الاف دينار يكون رسم تسجيلها لاول مرة 750 دينار ورسم ترخيصها السنوي 120 دينار . فيما سيارة قيمتها لغايات الجمرك 25 الف يكون رسم تسجيلها لاول مرة 1875 ورسم ترخيصها السنوي 300 دينار.

بما ان كلفة الحكومة لاصدر الرخصة السنوية هي نفسها للسيارتين فيكون رسم ترخيص السيارة في حقيقته ضريبة تصاعدية. يدفع فيها صاحب السيارة الاثمن نقودا اكثر مقابل نفس الخدمة الحكومية. لا مانع طبعا من هكذا نظام لكن لدقة حساب العبء الضريبي الاردني يجب ان تحسب هذه "الرسوم" كضريبة لانها موضوعيا وواقعيا ضريبة تصاعدية.

 
كذلك الامر في رسوم تسجيل الاراضي عند الشراء والبيع. كلفة الكشف واصدار سند التسجيل (القوشان الجديد) هي نفسها لكل الاراضي والعقارات. لكن رسوم تسجيل الاراضي بنسبة 9% حاليا تعني ان شراء عقار بثلاثين الف دينار يرتب رسوما بقيمة 2700 دينار. فيما شراء عقار بقيمة 300 الف دينار يرتب رسوما بقيمة 27 الف دينار وعقار بثلاثة ملايين دينار يرتب رسوما بقيمة 270 الف دينار. مرة اخرى صار الرسم في حقيقته ضريبة تصاعدية. يدفع فيها شاري العقار الاثمن نقودا اكثر مقابل نفس الخدمة الحكومية. مرة اخرى لا مانع من هكذا نظام لكن لدقة حساب العبء الضريبي الاردني يجب ان تحسب هذه "الرسوم" كضريبة لانها بكل تاكيد ضريبة تصاعدية لا رسم.

 
مثال ثالث: تستوفي سلطة المياه من اي طالب اشتراك منزلي جديد ما يسمى ب "المساهمه بتكاليف التنفيذ" وهي بقيمة دينار واحد لكل متر مربع من البيت (للمنازل خارج عمان). فالبيت بمساحة 200 متر يدفع 200 دينار فيما تدفع العمارة بمساحة 1300 متر 1300 دينار مع ان البنايتين قد تكونا بنفس الشارع و مساحة ارضيهما متساوية. وعليه تستوفي سلطة المياه مساهمات بتكاليف التنفيذ من كل عمارة في الشارع باجمالي تحصيل يتجاوز حتما كلفة عطاء توصيل المياه في الشارع اصلا. مرة اخرى الرسم صار في الحقيقة ضريبة تصاعدية.

 
في اسبابها الموجبة لرفع نسب الضرائب على الشركات والافراد تستعين الحكومة بارقام التحصيل الضريبي كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي. وتسوقها كحجة على ضرورة رفع الضرائب وكذلك على قدرة الاقتصاد على امتصاص الضرائب الاضافية بدون التاثير على النمو. فالتحصيل الضريبي للحكومة العامة كنسبة من حجم الاقتصاد بلغ 15.7% في 2012 . لكن هذا يغفل الضرائب التصاعدية المتخفية تحت بند الرسوم. فمثلا لوحدها رسوم تسجيل الاراضي بلغت 212 مليون دينار في 2012 بنسبة 1% من الاقتصاد.

بلغت الايرادات الضريبية في العام 2012 حوالي ثلاثة الاف واربعمائة مليون دينار بنسبة 15.7% من حجم الاقتصاد. فيما بلغت تحصيلات الرسوم المختلفة حوالي الف ومائتين وخمسين مليون دينار بنسبة 5.7% من الاقتصاد. وبما ان معظم الرسوم هي عمليا ضرائب متخفية فيكون العبء الضريبي الحقيقي في الاردن اكثر من 20% من حجم الاقتصاد.
بالنظر الى هذه النسبة الحقيقية تكون نسبة الضرائب من حجم الاقتصاد في الاردن ضعف النسبة في الولايات المتحدة (10% بحسب البنك الدولي) و حوالي ضعف النسبة في المانيا (12%) واعلى من النسبة في كوريا الجنوبية (16%) ولبنان (17%) والنمسا (18%). فيما كانت النسب في فرنسا (21%) وهولندا (22%) واستراليا (21%) مساوية او اعلى قليلا من النسبة الاردنية.

بافتراض تهرب ضريبي سنوي في الاردن بقيمة 500 مليون دينار فان تقليل التهرب ومكافحته سيزيد التحصيل الضريبي الاردني بنسبة 2% من حجم الاقتصاد ليصل الى اكثر من 22% من الاقتصاد. وهذا لوحده يجعل الاردن من اعلى الدول في العالم في العبء الضريبي من دون واسطة رفع النسب الضريبية.

مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد يؤطر لرفع النسب الضريبية على من يدفع (تقترح وزارة المالية رفع ضريبة الدخل من 14% الى 35%). هذا حتما سيزيد العبء الضريبي الاردني وسيكون مثبطا للنمو الاقتصادي بحسب كل المدارس الاقتصادية. اي ان المشروع سياسة خاطئة وستساهم في تطفيش من يدفع الضريبة نحو البحث عن اساليب تجنب قانونية او حتى تهرب غير قانوني.

النقطة الاهم التي توضحها الارقام اعلاه ان العبء الضريبي الاردني بوضعه الحالي هو من اعلى المستويات عالميا حتى مع المقارنة مع دول شمال اوروبا المعروفة تاريخيا بعبئها الضريبي العالي. اضف الى ذلك ان كل التحصيل الضريبي الاردني بالكاد يسد النفقات الجارية للحكومة. لذلك الاستنتاج والحل واضحين:  بدلا من رفع الضريبة اكثر الاولى البدء بتخفيض النفقات الجارية الحكومية بجدية وبلا اي تحفظ. وحتى لو ادى هذا الى ذبح بعض من البقرات المقدسة المستندة الى الحجة التافهة المسماة بالحقوق المكتسبة.


بالمختصر يجب ان تصل القناعة والتفكير الحكوميين الى الحقيقة الواضحة: "الحكومة مفلسة والاقتصاد لا يتحمل رفع العبء الضريبي" وهو افضل من التصرف وكأن الشعب والاقتصاد كله مسخران للجهاز الحكومي المترهل ونفقاته المنفلتة.


 
كذلك يجب التركيز على السياسات المحفزة للنمو والتقشف غير المضر بالنمو ليكبر الاقتصاد وتزيد الايرادات الضريبية من ناتج النمو لا بسبب رفع النسب الضريبية المثبط للنمو. يوجد امل بوجود صندوق المنح الخليجية : فلتعجل الحكومة بالصرف منه على المشاريع الحيوية بدلا من الجلوس عليه وزيادة الضرائب.