Wednesday, August 26, 2009

جدلية ضريبة الدخل في الاردن

مثل النظام الضريبي الاردني كمثل مربي ابقار يملك مائة بقرة حلوب. عشرون من هذه الابقار مطيعات وسلسات الحلب فيما البقرات الثمانون الباقيات شرسات الطباع وصعبات الحلب مع ان ضروعهن ممتلئة دوما. ومربي الابقار في مثلنا هذا مرب كسول لا يطيق بذل الجهد اللازم لحلب البقرات الشرسات فيكتفي بحلب البقرات المطيعات. وعندما يريد حليبا اكثر يعود على نفس البقرات للحلب ولو تكرر الحلب اكثر من مرة في النهار


ويمكننا بسهولة ان نتبين البقرات سلسلات الحلب من تلك الشرسات في الاردن! فالقطاعات السلسة الحلب تشمل قطاع الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص: اولئك تقتطع الضريبة من رواتبهم مباشرة من قبل المؤسسات والشركات التي يعملون بها وتورد الى ضريبة الدخل شهريا. وعندما يصرف الموظفون والعمال رواتبهم على متطلبات الحياة المختلفة من سلع وخدمات يدفعون ضريبة المبيعات ورسوم الجمارك وغيرها


وتندرج قطاعات البنوك والاتصالات والتعدين (ومعظمها شركات مساهمة عامة) ايضا ضمن القطاعات سهلة الحلب كذلك وان اختلفت نسبها الضريبية الفعلية. فشركات قطاعات الاتصالات تدفع نسبة 25 بالمئة من ارباحها كضريبة دخل في حين ان النسبة الفعلية عند شركات الاتصالات الخلوية تتجاوز 35 بالمئة عند حساب ما تدفعه كرسوم المشاركة في العوائد. وبالنسبة للبنوك فهي تدفع 35 بالمئة على الارباح الخاضعة ولا تدفع شيئا على الارباح الرأسمالية وعليه تتأرجح نسبة ضريبة الدخل الفعلية كثيرا وقد تصل الى اقل من 20 بالمئة او تتجاوز 35 بالمئة من ارباحها. كمثال قمت بتحليل النتائج النصفية لستة بنوك على سبيل المثال (هي بنك الاسكان والبنك الاردني الكويتي والبنك الاهلي الاردني وبنك دبي الاسلامي (الانماء الصناعي) والبنك التجاري الاردني وبنك القاهرة عمان) ليتبين ان نسبة ضريبة الدخل الفعلية عند احداها تدنت الى 16 بالمئة فيما تجاوزت 34 بالمئة عند ثلاثة بنوك وبلغت 28 بالمئة لبنكين
انبرى الكثيرون لانتقاد الاقتراح الحكومي بجعل نسبة ضريبة الدخل على البنوك 25 بالمئة على كافة ارباحها من دون تمييز مؤطرين
انتقادهم برفض "تخفيض الحكومة" للضريبة على البنوك. بعض من التمحيص يبين ان الاقتراح بجعل نسبة ضريبة الدخل 25 بالمئة على كافة الارباح من دون اعفاء الارباح الرأسمالية والمتاجرة بالاسهم قد يكن انسب واعدل من الوضع الحالي الذي فرض ضريبة 35 بالمئة على الارباح المتأتية من الاعمال المصرفية الصرفة كالاقراض والعمولات فيما يعفي تماما اية ارباح رأسمالية. ففي ظل الانتقادات للبنوك بانها اصبحت اكثر تشددا في التسهيلات قد يكون من المفيد التحول الى نظام تخفض فيه الضريبة على ارباح الاقراض والتسهيلات الى 25 بالمئة من 35 بالمئة وترتفع فيه الضريبة على الارباح الرأسمالية الى 25 بالمئة من صفر بالمئة حاليا. فعمليا النسبة المقترحة الجديدة هي ليست تخفيضا للضريبة الفعلية كون الاقتراح مقرونا بجعل النسبة على كافة الارباح من دون اعفاءات

النسبة لشركات التعدين (الفوسفات والبوتاس) فهي ضمن القطاعات سهلة الحلب ايضا. فهي تدفع رسوم تعدين اضافة الى ضريبة الدخل على الارباح. ولكن يجدر هنا ملاحظة ان ثروات الاردن المعدنية من بوتاس وفوسفات هي ثروات غير متجددة مما يحتم استغلالها بالشكل الامثل بتعديل اسلوب رسوم التعدين المتبع حاليا ليصبح مشابها لاسلوب المشاركة بالعوائد المتبع في قطاع الخدمات الخليوية. فالوضع الحالي الذي يحدد رسوم التعدين للشركات بقيمة محددة لكل طن بغض النظر عن السعر العالمي للبيع يحمل في طياته غبنا للوطن في حالة ارتفاع الاسعار العالمية بشكل كبير (كما كان الحال في سنوات 2006 و2007 واول تسعة اشهر من 2008 للفوسفات والبوتاس) وغبنا للشركات في حال انخفاض الاسعار بشكل كبير (وهو ما لا نتمناه لشركتينا الوطنيتين).
فاسلوب رسوم التعدين المرتبطة بحجم التعدين لا باسعار البيع كان مناسبا عندما كانت الخزينة من كبار مالكي الشركتين فكان ما لا يحصّل عبر رسوم التعدين يصل بالنهاية الى الحكومة عبر الارباح الموزعة. اما الان فبعد التخصيص وبيع الحصص الحكومية فان تطبيق اسلوب المشاركة بالعوائد كما في قطاع الاتصالات الخلوية هو الاسلوب الانجع بدلا من التعديل المتكرر لرسوم التعدين وتحديد حد اقصى له بحسب ربحية الشركة بغض النظر عن كفاءة اعمال الشركة التعدينية
الخلاصة فقد نظرنا اعلاه الى اربعة امثلة لبقرات حلوبات مطيعات على سبيل المثال لا الحصر (الموظفون والعمال, شركات الاتصالات
الخلوية, البنوك وشركات التعدين). فيما سيحتاج النظر الى امثلة من البقرات الشرسات المليئة ضروعهن وغير المحلوبات مقاما آخر

Wednesday, August 12, 2009

قراءة في اقتراح رفع ضريبة الدخل على شركات الاتصالات في الاردن

ضريبيا في الاردن فان قطاعي البنوك والاتصالات (خصوصا تلك التي تملك شبكات خليوية) هما من اهم موارد ضريبة الدخل في الاردن. فهذه القطاعات تتميز بكونها شركات مساهمة عامة او تابعة لشركات مساهمة عامة وهذه يحتم شفافية غير موجودة عند شركات اخرى. وبوجود عدد كبير من المساهمين لا يوجد اي حافز لدى معظم ادارات هذه الشركات بتعريض نفسها لتبعات قانونية او جزائية بتهرب ضريبي. كذلك تخضع الشركات العاملة في القطاعين لطبقات اضافية من الرقابة (من البنك المركزي للبنوك وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات لشركات الاتصالات). والتحصيل سهل من هذين القطاعين على عكس قطاعات اخرى (كالتجارة والخدمات خصوصا في شركات التضامن وتجارة الاراضي عبر الوكالات الخاصة وغيرها) والتي يكاد يكون التهرب من الضريبة والرسوم فيها القاعدة الاساس. ففي الاردن تدفع العائلة متوسطة الحال 10% رسوم تسجيل ارض وفرت ثمنها عبر العديد من السنين فيما يتاجر تجار الاراضي بالملايين عبر وكالات خاصة لا يدفعون الا 1% رسوما عنها وتكون ارباحهم من التجارة معفاة تماما
هذه المقدمة تأتي عطفا على الاخبار بقيام مجلس النواب باقتراح رفع نسبة ضريبة الدخل على شركات الاتصالات كافة الى 35% بدلا من 25%. وكانت التبريرات بان شركات الاتصالات تستخدم مصادر وطنية محدودة كالترددات ولها حقوق حصرية في سوق ليست مفتوحة للجميع
تحتاج قرارت كهذه على درجة عالية من الاهمية الى دراسات حقيقية و معلومات كاملة. بداية فان الشركات التى تستخدم موارد وطنية محدودة كالترددات (مثل شركات الخليوي وشركات الانترنت اللاسلكي) تدفع رسوم ترددات سنوية ومشاركة بالعوائد (بنسبة 10% من مجمل العوائد لا الارباح) بالاضافة الى ضريبة دخل على الارباح بنسبة 25%. فيما لا توجد حصرية او تحديد لعدد المشغلين في قطاعات الاتصالات غير المحتاجة الى ترددات مثل قطاع الانترنت الثابت والمكالمات الدولية وخدمات تراسل المعطيات وغيرها. وعليه فان مبررات رفع النسبة تختفي: فتلك التي تستخدم ترددات ومصادر وطنية تدفع عمليا من 30-40% من ارباحها (بحسب نتائج الشركة) عند اخذ رسوم مشاركة العوائد في الاعتبار. وبالنسبة لتلك التي لا تستخدم مصادر وطنية محدودة كالترددات فهي لا تختلف عن اية شركة تجارية اخرى ولا يوجد مبرر لرفع نسبتها الى اكثر من نسبة باقي الشركات الخدمية والتجارية في القطاعات الاخرى
لنأخذ شركة الاتصالات الاردنية مثالا كون ارقامها وبيانتها مفتوحة للجميع بحكم كونها شركة مساهمة عامة. فقد دفعت المجموعة في العام 2008 اكثر من 33% من ربحها الاجمالي بين مشاركة عوائد وضريبة دخل بمبلغ 50.6 مليون دينار. ووصلت النسبة الى 32% في الستة اشهر الاولى من 2009. وبالنسبة لشركة زين الاردن فان نسبة الرسوم والضرائب ستكون اقرب الى 40% من ربحها الاجمالي كون معظم عوائدها تتأتى من الخدمة الخليوية (بنسبة مشاركة عوائد 10%) بعكس شركة الاتصالات الاردنية التي تخصل عوائد مهمة من خدمات الهاتف الثابت والتراسل بالاضافة الى الخدمات الخليوية. وتتراوح نسبة الربح الصافي في شركة الاتصالات الاردنية حول 25% من مجمل عوائدها وهي نسبة ربح صحية وتعكس وجود منافسة مرغوبة في السوق

لا مبرر لاصلاح ما ليس معطوبا اصلا. فشركات الاتصالات الكبيرة تربح وهو ما لا غبار عليه كونها تشكل رافدا مهما للخزينة بضرائب ورسوم تتجاوز 30% من ارباحها الاجمالية. ولا يفوتنا انها ايضا ركن اساسي لتحصيل ضريبة المبيعات من المستهلكين والتي تتجاوز 20% على الخدمة الخليوية. ونقدر هنا تحصيل الحكومة الاردنية لضريبة المبيعات المتحصلة من خدمة الخليوي فقط بحوالي 120 مليون دينار في 2008

ختاما يهمنا في الاردن وجود شركات اتصالات كبيرة تربح. فكف يمكن الاستثمار في التوسعات والخدمات والتقنيات الجديدة مثل الجيل الثالث للخليوي وشبكات الالياف الضوئية للبيوت والشركات من دون توفر الفوائض والربح. ام هل ترانا نود ان نعود الى الماضي القريب بمؤسسة اتصالات وحيدة تسحب الحكومة جميع فوائضها فيما ننتظر لسنتين او اكثر لتركيب هاتف ثابت وندفع اكثر من دينار للدقيقة الدولية الى اوروبا او اميركا