Sunday, November 24, 2019

بيانات تحويلات العاملين الوافدين في الأردن: ما بين دقة البنك المركزي وتهويل وزارة العمل

نشر في صحيفة الغد يوم 24 تشرين الثاني 2019
 
 لا خلاف ان الثقة هي أساس كل اقتصاد ناجح. الثقة بحكم القانون والمؤسسات والثقة بنجاعة وعدالة كل الانفاق الحكومي. والثقة بقدرة الدولة ونجاحها في منع كل احتكار. والثقة في البيانات الصادرة من مؤسسات الدولة عن كل جوانب الاقتصاد والمجتمع.

اثرت هذه النقاط عند مشاركتي في ورشة العمل السادسة لمناقشة تحفيز وتنشيط الاقتصاد في الديوان الملكي يوم 6 تشرين الثاني. وركزت على نقطة البيانات الصادرة عن المؤسسات الرسمية المختلفة.   

فكيف نساوي بين رقم من البنك المركزي عن تحويلات كل العمال الوافدين يحدده باقل من 400 مليون دينار وتصريح من وزارة العمل يقول ان تحويلات العمال تتجاوز ملياري دينار سنويا؟ ايهما الرقم الصحيح؟ ايهما التقدير الصحيح؟ وكيف نقبل بهذا التناقض الذي يزيد عن مليار ونصف سنويا؟ 

لنبدأ بأرقام البنك المركزي الذي يحدد حوالات العاملين الوافدين في الأردن الى الخارج ب352 مليون دينار في 2017 و 379 مليون دينار في 2018 و 159 مليون دينار في النصف الأول من 2019. أي ان حوالات العاملين الوافدين في الأردن الى الخارج انخفضت في النصف الأول من 2019 بنسبة 17% عن النصف الأول من 2018 (159 مليون في النصف الأول من 2019 مقابل 193 مليون في النصف الأول من 2018). هذه الأرقام من جدول رقم (31- ب): ميزان  المدفوعات  ( الطبعة السادسة) الصادر عن البنك المركزي. 

بالمقابل وبحسب تصريح صحفي في تموز 2017 فان وزارة العمل قدرت تحويلات العمالة الوافدة العاملة في المملكة ب 1.8 مليار دولار (أي 1.3 مليار دينار) ثم عادت نفس الوزارة _ بتصريح صحفي في تموز 2019 _ لتقدر رقم العام 2018 بملياري دينار!  ونلاحظ هنا ان تقدير وزارة العمل في 2018 يزيد عن تقديرها في 2017 بأكثر من 600 مليون دينار؟ مع ان الاقتصاد متباطئ وقطاع الإسكان خصوصا يشهد ركودا وانخفاضا حادا في حركة البناء. فمن اين أتت العمالة الوافدة بهذه المبالغ الإضافية؟ 

في ذات السياق لدينا تصريح من وزارة القوى العاملة في جمهورية مصر العربية إن تحويلات المصريين العاملين بالأردن خلال حزيران \ يونيو 2018 بلغت 85 مليون دولار تقريبا. وبما ان شهر حزيران 2018 صادف عيد الفطر فيمكن افتراض ان تحويلات العاملين في ذلك الشهر كانت على الأقل ضعف المعدل الشهري العادي. فيكون المعدل الشهري حوالي 40 مليون دولار بقيمة اجمالية 540 مليون دولار أي 340 مليون دينار في 2018 وهو رقم قريب جدا من رقم البنك المركزي. 

التفاوت الكبير بين رقمي وزارة العمل والبنك المركزي يدعو للقلق. فهو دليل على غياب التنسيق وغياب التدقيق. عندما سالت عن منهجية وزارة العمل كان الجواب _غير الرسمي _ ان الرقم ناتج افتراض ان كل عامل وافد في البلد يحول الى الخارج ما معدله 200 دينار شهريا. وهو براي افتراض غير صحيح كون الكثير من العمال يعملون بالزراعة برواتب اقل بكثير من 200 دينار وكون من يعملون في الانشاءات معرضين للبطالة بين صفوفهم ولا يضمنون العمل اليومي. فافتراض ان كل عامل وافد (خصوصا من لم يجدد تصريح عمله) موجود في وظيفة ثابته بدخل ثابت يدل على عدم فهم كبير لديناميكية العمالة غير الرسمية في البلد التي تتعرض للبطالة كثيرا وأيضا قد تحتاج مصاريف طبية طارئة. كما تغفل ان بعض العمال يعمل هنا لأنه لا يجد البديل في وطنه فيكون بين خيار بعض الدخل في الغربة او خيار البطالة في الوطن. بدون توفير وتحويل شهري. 

رقم البنك المركزي يعتمد على ارقام القطاع المصرفي الرسمية. وهنا نعلم ان العمال قد يحولون النقود بطرق غير رسمية. هذا افتراض صحيح مما يستوجب السؤال عن نسبة التحويلات غير الرسمية من اجمالي التحويلات. فاذا كان العامل الوافد يقدر _بكل امان_ ان يحول النقود رسميا بالدولار ليستلمها اهله في بلده بالدولار فما الداع الى القنوات غير الرسمية الأقل امنا؟ فالقنوات غير الرسمية تنتعش في حالة وجود سوق سوداء للعملة الصعبة في وطن العامل الوافد مع اجبار على التحويل بسعر رسمي اقل. اما اذا كان العامل يستطيع التحويل والاستلام بالعملة الصعبة فلا داع حقيقي للتحويل بالطرق غير الرسمية.

اميل الى تصديق ارقام البنك المركزي ولا اثق بتقديرات وزارة العمل. لربما يجب ان يلتقي الطرفان مع وجود دائرة الإحصاءات العامة للاتفاق على منهجية واضحة دقيقة. اما ان يبقى فرق التقديرات أكثر من مليار ونصف دينار فهذا غير مقبول ابدا.  

وبعيدا عن تقديرات وزارة العمل لنتذكر ان الاهم من حجم تحويلات العمال الوافدين في الأردن الى الخارج هو مساهمتهم في خلق القيمة المضافة الاقتصادية في القطاعات التي يعملون بها. كي لا ننسى ن هذه التحويلات نتاج عملهم وجهدهم وليست "مسروقة" من جيوبنا. مع التسليم بضرورة ان يكون كل عامل وافد ملتزما بكافة قوانين البل ومن أهمها تصاريح العمل. 

على صعيد اخر وفي الإحصاءات أيضا: هل لدينا ارقام واضحة عن الأردنيين اللذين نقلوا مكان اقامتهم الى مصر وتركيا واوروبا وكندا وأميركا؟ كم منهم متقاعد يصرف تقاعده في بلد المهجر بدلا من الأردن؟ هل الأرقام عن مئات الالاف اللذين انتقلوا حديثا كما نسمع من اشاعات وسائل و منصات التواصل الاجتماعي أم عدد قليل نسبيا؟ الإفصاح الدوري الدقيق الواثق مهم جدا للثقة واكثر أهمية لسياسات تعيد الثقة. فلا خلاف ان من اهم واجبات مؤسسات وأجهزة الدولة هو الإفصاح الدوري عن كل الأرقام التي تخص الاقتصاد والمجتمع بكل شفافية وموضوعية ودقة. وفي ذات السياق متى ستفصح الحكومة عن منهجية احتساب المبلغ الشهري لخط الفقر. 


أساس الحلول الجذرية الصحيحة فهم صحيح للمشاكل. وهذا لا يأتي بالتقديرات المتناقضة.

Monday, November 11, 2019

نتائج صندوق استثمار الضمان في 2019: ما هي سبل تحسين الأداء؟

نشر في خبرني يوم 10 تشرين الثاني 2019
 
في تشرين الأول \ أكتوبر 2019 أعلن صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي أن موجودات الصندوق قد ارتفعت لتبلغ حوالي 10.9 مليار دينار كما في نهاية الربع الثالث من العام الحالي لتزيد بما مقداره 714 مليون دينار على بداية العام وبنسبة نمو بلغت 7%. وقال البيان الصحفي من الصندوق حول أبرز مؤشرات الأداء المالي عن نتائج الربع الثالث من هذا العام “إن الصندوق قد حقق دخلا بلغ 442.6 مليون دينار مقارنة مع 347.9 مليون دينار للفترة نفسها من العام الماضي".

ان الخبر جميل في ظاهره لكنه للأسف اخفى بعض السلبيات التي يجب معالجتها جذريا. بحسب البيانات التفصيلية من صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي فان 60% من الزيادة في الموجودات أتت من الفائض التأميني للمؤسسة (فرق الاقتطاعات عن الرواتب التقاعدية المدفوعة) بقيمة 426 مليون من ال 714 مليون زيادة.  
 
بينما بلغ الدخل الشامل الاستثماري للصندوق 287 مليون دينار. أي نسبة عائد استثماري 2.8% وهذا العائد الصافي هو عوائد الصندوق مطروحا منها خسائر الأسهم. أي ان زيادة السبعة بالمائة في موجودات الصندوق حوالي 60% منها أتى من الفائض التأميني الذي لا علاقه لصندوق استثمار الضمان فيه وفقط 40% أتت من عوائد استثمار الصندوق نفسه. 

لو قسناها على كل السنة يتوقع ان يكون العائد الاستثماري لكل 2019 حوالي 3.75% لكل السنة وهو اقل من معدل الفوائد على الودائع في الجهاز المصرفي واقل بنسبة اكبر من معدل ما تدفعه الحكومة على سندات الحزينة الأردنية وأدوات الدين العام. والسبب أساسا هو التدني المزمن والمستمر في محفظة الأسهم المملوكة للضمان الاجتماعي في سوق عمان المالي. 

لا يحتاج الضمان الاجتماعي الى "تكحيل" نتائج صندوق استثماره بتحويل ال 2.8% الى 7% في بيان صحفي. بل يحتاج _وهو الرابض على موجودات تقارب ثلث حجم الاقتصاد الوطني ويسحب سنويا من جيوب المواطنين والشركات اكثر من 1.8 مليار دينار بنسبة حوالي 6% من حجم الاقتصاد _ الى شفافية فائقة ومساءلة تسهل سبيل تحسين الأداء في المحفظة الأهم وطنيا. 

تفصيلا

-         يجب بداية الإفصاح الكامل عن اخر دراسة اكتوارية للضمان الاجتماعي مع كامل فرضياتها ونتائجها.

-         وبذات الوقت ترسيخ فكره ان نقطة تلاشي موجودات صندوق الضمان في سنة مستقبلية لا تعني افلاس الضمان بل تعني دخوله في عجز يحتاج التصحيح بحسب التغيرات الديموغرافية.

-         كذلك يجب ان تكون الإفصاحات الدورية الصحافية عن موجودات الصندوق مقسومة الى قسمين بكل شفافية:
o       أولا الفائض التأميني والذي يأتي من أجهزة مؤسسة الضمان الاجتماعي مع تفصيل مكونات إيراداته ما بين اشتراكات وغرامات وغيرها
o       وثانيا العائد الاستثماري لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي مفصلا لكل مكون من مكوناته ما بين سندات واسهم وقروض وودائع وغيرها.

-         في العائد الاستثماري يجب أيضا ان يتم الافصاح الصحافي الدوري عن القيمة السوقية للمحفظة العقارية لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي بدلا من الإبقاء على تقييمها بالقيمة التاريخية. هذه لوحدها قد تضيف اكثر من مليارين دينار الى قيمة موجودات الضمان.

أخيرا ولان أساس انخفاض العائد الاستثماري هو انخفاض محفظة الأسهم ولان الضمان الاجتماعي اكير مستثمر في سوق عمان المالي صار لازما فتح هذا الملف الشائك وتقييم نتائجه خصوصا مع وجود ما يسمى محفظة الاسهم الاستراتيجية والتي لا يقربها الضمان بيعا! فكلنا نذكر رفض الضمان بيع أسهمه في بنك مهم للغاية على تقييم عال وممتاز بحجة انه من "الأسهم الاستراتيجية" لنصل الان الى تقييم سوقي لنفس الأسهم باقل من ربع السعر الذي رفض. فلو تم بيع الحصة آنذاك ووضع حصيلتها في سندات خزينة لكانت محفظة الضمان فيها مليار دينار اردني إضافي حاليا. فعن أي محفظة أسهم استراتيجية مقدسة نتحدث؟ خصوصا ان رفض البيع آنذاك حرم البلد كذلك من استثمار اجنبي صافي يزيد عن مليار دولار. 

المطلوب من الضمان وصندوق استثمار أمواله مصارحة ومكاشفة واضحة في موضوع الأسهم الاستراتيجية هذه والوصول الى حلول تفيد الضمان ومحفظة أسهمه وعائده الاستثماري وبذات الوقت تنعش سوق عمان المالي. خصوصا ان سوق عمان المالي حاليا فيه العديد من الشركات الممتازة والتي توزع أرباح سنوية عالية وبتقييم سوقي منخفض. مع التسليم ان صندوق الضمان يجب ان يتكون أساسا من سندات خزينة وأدوات دين عام حكومي شأنه كشأن معظم صناديق التقاعد العالمية. حيث ان معدل عائد محفظة الضمان السنوي لأخر عشرة سنوات كان للأسف اقل من عائد سندات الخزينة الأردنية بكثير.