Wednesday, August 7, 2019

عمى الألوان ما بين التقاعد المدني والضمان!

عمى الألوان ما بين التقاعد المدني والضمان!   



نشر في صحيفة الغد يوم 6 اب 2019 

تشرفت يوم 31 تموز بدعوة من اللجنة القانونية ولجنة العمل في مجلس النواب للحديث عن تعديلات قانون الضمان الاجتماعي المقترحة مع مجموعة من المهتمين بحضور السادة النواب وإدارة الضمان الاجتماعي. 

من ضمن ما تحدثت به في الاجتماع ان التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي في 2019 _اذا تم إقرارها_ ستكون التعديلات الثالثة على قانون الضمان خلال اقل من تسع سنوات. وحتما ستاتي إدارة الضمان بعدها لتقول ان الضمان الان قد وصل الى "بر الأمان". وهي بالمناسبة نفس الكلمات التي استخدمها دولة عمر الرزاز عندما اقرت تعديلات قانون الضمان الاجتماعي قبل حوالي تسع سنوات عندما كان مديرا للضمان. 

انتهزت فرصتي في الحديث امام اللجنة النيابية بالتأكيد انه لا يكفي الحديث عن دراسة اكتوارية تقول بتلاشي موجودات الضمان مع 2052 بدون الإفصاح عن كافة افتراضات هذه الدراسة الاكتوارية من معدل الحياة الى العائد المفترض على استثمارات الضمان الى اعداد المشتركين. ونوهت ان العائد الاستثماري على موجودات الضمان لأخر عشر سنوات كان اقل بكثير من العائد على سندات الخزينة الأردنية والدين الحكومي الأردني. فهل افترضت الدراسة استمرار هذه النتائج الاستثمارية الهزيلة مثلا؟ وماذا ستكون نتائجها لو افترضنا عائدا يساوي ما تحصله البنوك التجارية من سندات الخزينة الأردنية؟ 

كذلك اكدت ان الضمان الاجتماعي لا يفلس ابدا. لأنه يقتطع من كل موظف في الاقتصاد الرسمي شهريا ليدفع رواتب للمتقاعدين. ما يحصل _اذا تلاشت موجودات الصندوق_ هو حصول عجز لا افلاس كامل. واعترف اني كنت مخدوع بنفس سردية مؤسسة الضمان هذه وكنت اساوي بين تلاشي الموجودات وافلاس الضمان. مع ان الدراسة الاكتوارية يجب ان تفصح عن العجز المتوقع بعد نقطة تلاشي الموجودات وحجمه وعدد سنواته المتوقع. فهناك فرق بين عجز لعدة سنوات بعشرات الملايين وبين عجز ملياري. فاين التفاصيل؟ 

بدون افصاح كامل عن الدراسة الاكتوارية وكافة فرضياتها وتوقعاتها يجب ان ترد التعديلات المقترحة للضمان التي تخص تقليل رواتب العسكريين بنسبة 1% وزيادة الدين الحكومي سنويا بنسبة نصف بالمائة من رواتب العسكريين. وتلك التي تخص عدم تغطية موظفين تحت تغطية الضمان الاجتماعي. فهذه المقترحات تضر نمو الاقتصاد الوطني النظامي.

في الاجتماع لفت النظر الى ان مؤسسة الضمان والحكومة في الأردن تستنفران مجلس الامة كل بضع سنوات لإجراء تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي الذي تجاوز حجم موجودات صندوقه عشرة ونصف مليارات دينار _بعض الخبراء يقدر الموجودات بأكثر من 12 مليار اذا تم تقييم الأراضي بسعرها السوقي­_ والذي يحقق حاليا وفرا تأميني يتجاوز النصف مليار دينار سنويا بدون ان تقدم كامل تفاصيل الدراسات الاكتوراية وكامل افتراضاتها. وفي ذات الوقت لا تحرك الحكومة ساكنا لمعالجة موضوع التقاعد المدني والعسكري والذي يحقق عجزا سنويا صافيا يتجاوز المليار دينار سنويا منذ حوالي العشر سنوات تمول كلها بالديون الإضافية. 

قيا لها من مفارقات عجيبة!
-         قلق وطني مستمر على صندوق الضمان القوي المتين لكن صمت القبور فيما يخص التقاعد المدني والعسكري الذي كبدنا أكثر من عشرة مليارات دينار ديونا في اخر عشر سنوات تشكل ثلث مديونيتنا وتقريبا كامل عجز الميزانية السنوي.
 -         نشاط محمود من قبل مؤسسة الضمان الاجتماعي في تطبيق القانون ومحاربة التهرب من الشمول بالضمان وملاحقة من يخالف شروط التقاعد المكبر وفي ذات الوقت نجد شللا حكوميا كاملا في التحقق من أي مخالفات في التقاعد المدني والعسكري مثل معلوليات جسيمة غير صحيحة.
 -         معلومات تحليلية جميلة من مؤسسة الضمان الاجتماعي منها مثلا ان اعلى 5% من المتقاعدين يحصلون على ربع حجم التقاعدات. لكنها منقوصة لأنها لا تذكر حصة اعلى 5% من المشتركين من اقتطاعات الضمان وكذلك ما يدفعونه للحكومة كضريبة دخل وحصتهم من ضرائب الدخل المدفوعة. وفي ذات الوقت تعتيم كامل على هيكلية مصاريف التقاعد المدني والعسكري. تفصيلا:

o       لا نعرف حصة اعلى 1% من متقاعدي التقاعد المدني والعسكري من اجمالي الرواتب التقاعدية. ولا نعرف حصة اعلى 5% ولا حصة اعلى 10%. ولا افصاح عن عدد سنوات _او اشهر_ اشتراكاتهم قبل استحقاق التقاعد المدني.
o       ولا نرى افصاحا عن كلفة التأمين الصحي للنخبة من متقاعدي التقاعد المدني في القطاع الخاص داخل وخارج الأردن سنويا وتراكميا. والتي تأتي من ميزانيات أخرى ولا تحسب ضمن نفقات التقاعد المدني. مع التشديد على انه لا اعتراض على تامين كامل لهم في المستشفيات الحكومية الأردنية. فاستخدام النخبة للمرافق الحكومية قد يساهم في تحست نوعيتها.
o       ولا نسمع بإفصاح عن نفقات نثرية لتلك النخبة من بعثات تعليمية خارج الأردن بدون تنافس واستحقاق لهم ولفروعهم أيضا تأتي من ميزانيات أخرى ولا تحسب ضمن نفقات التقاعد المدني القاصمة للميزانية. وكلها نفقات يمكن ضبطها بدون التأثير سلبا على الاقتصاد.

لما لا تتعلم الحكومة من الضمان الاجتماعي وتقوم بتحليل كامل وواف لموضوع التقاعد المدني والعسكري والمنافع المرتبطة به لأعلى 1% و 5% و 10% من مشتركيه تباعا. ولتعالج كل هدر بسبب مخالفة القوانين ومن أساسها رواتب المعلولية والتامين الصحي خارج المنظومة الحكومية. ولتكون لديها الشفافية الكاملة في هذا الموضوع يلحقه نقاش وطني موضوعي. ولتطمئن عموم المتقاعدين ان لا مساس فيمن كل منافعه لا تتجاوز 900 دينار شهريا مثلا. فالمقترح هنا فقط معالجة كلفة النخبة على الميزانية ووقف أي هدر سببه مخالفة قوانين او منافع غير منطقية.

ذلك ان اي توفير في فاتورة التقاعد (ولو بنسبة 10% فقط) سيكون له اثر كبير على الاقتصاد. فهذه اموال (أكثر من 100 مليون) ستخفض من الزيادة السنوية في الدين العام لتمويل بند التقاعد وبالتالي تخفض من عبء خدمة الدين سنويا.  كذلك ولأنها ستقتطع _غالبا_ من موسورين فانها لن تقلل من مستوى الانفاق في الاقتصاد وبالتالي لن يكون لها اي تأثير سلبي على الاقتصاد.
مع  الارادة.. توجد الحلول. والمقترحات هنا ليست غير مألوفة. فقد تم تطبيق امور مشابهة لها في دول اوروبية عدة مثل البرتغال واسبانيا واليونان. 

لا نستفيد ابدا من "تخويف" المنتجين والفاعلين اقتصاديا في الأردن دوريا على ضمانهم ومستقبله ونتعامى عن المشاكل الحقيقية التي تكبل النمو الاقتصادي وتزيد من عبء الدين العام. فمع عبء ضريبي يقارب 28% من حجم الاقتصاد بدون خدمات مقبولة للطبقة المتوسطة فان استمرار العبء او زيادته ستقتل الامل وسنجد ان كثيرا من الأردنيين سيفكر جديا في هجرات اقتصادية وندخل في حلقة مفرغة تتأكل فيها القاعدة الضريبية للدولة.

نحتاج بداية ان نعيد الثقة. والتمحيص في نفقات النخبة البيروقراطية وكلفتها بهدف تقليلها بعدالة وشفافية، سيكون لها اثر كبير في تقوية الثقة الشعبية في مستقبل الأردن الاقتصادي. فأول خطوة للاستثمار والنمو هي الثقة والتفاؤل. برأيي فان الشعب سيرحب بهذا التمحيص والتقليل: فهذه النخبة هي نفسها التي اوصلتنا الي حال نحتاج فيه صندوق النقد لتامين الدائنين طوال 30 عام من اخر 40 سنة!

معالجة ملف التقاعد _لا تعديل قانون الضمان الاجتماعي هو الأولوية_ للحكومة ان ارادت ان تحدث فرقا جوهريا في مالية الدولة. وهي _اي حكومة الرزاز_ التي أتت في حالة شعبية غير مسبوقة من التفاؤل بتغيير جذري للنهج. فهل تفعلها؟