Tuesday, April 30, 2019

التكرير في الاردن حاليا: اعتراف رسمي موثق انه كلفة فعلية على الاقتصاد لا قيمة مضافة له. ولا زلنا ننتظر الحل الجذري!

التكرير في الاردن حاليا: اعتراف رسمي موثق انه كلفة فعلية على الاقتصاد لا قيمة مضافة له. ولا زلنا ننتظر الحل الجذري!

نشر في صحيفة الغد يوم 29 نيسان 2019


في اجتماعات نواب المبادرة النيابية مع الحوكمة سنة 2014 طلب مني تقدير كلفة التكرير المحلي في الأردن مقابل كلفة استيراد المشتقات النفطية كاملة. كانت نتائج التحليل ان تكرير النفط الخام في الاردن لانتاج المشتقات في سنة 2012 مثلا كلف الاقتصاد الوطني 129 مليون دينار زيادة في كلفة الطاقة. أي ان التكرير بالوضع الحالي بالمصفاة (اي قبل تحديثها وتوسعتها وباسلوب نقل النفط الخام بالشاحنات) شكل كلفة مباشرة وحقيقية على الاقتصاد بحوالي نصف بالمائة من حجم الاقتصاد السنوي و حوالي 3% من مجمل فاتورة الطاقة بالاردن و 10% من عجز الخزينة السنوي لتلك السنة. ولا تشمل هذه الكلفة الكلف الخارجية على الاقتصاد externalities)) مثل كلف الامراض بسبب نسب الكبريت العالية في الديزل وتأثير نقل النفط الخام بالشاحنات على الطرق وعلى تلوث بلدة الهاشمية في الزرقاء بسبب نشاط التكرير. بخصوص التلوث الناتج عن مستويات الكبريت أساسا لا تزال منتجات الشركة من المشتقات النفطية مستثناة من تطبيق المواصفة الأردنية بقرار غريب من مجلس الوزراء.

منذ 2014 الى الان والموضوع في شد وجذب ونفي مستمر من قبل شركة مصفاة البترول. الجواب كان جاهزا: كلا ... التكرير المحلي بالوضع الحالي كفؤ جدا وأرخص من استيراد المشتقات جاهزة من الخارج. وكان الوضع ان الحكومة تضمن للشركة ربح سنوي من قطاع التكرير بقيمة 15 مليون دينار سنويا بين 2012 و 2017 بغض النظر عن اقتصاديات التكرير نفسها وكلفة المشتقات المكررة النهائية مقارنة مع كلفة استيرادها مباشرة. 
 
لكن في عام 2018 أتت لحظة الحقيقة التي طالما انتظرناها. في نيسان 2018 انتهى التزام شركات تسويق البترول بشراء كافة انتاج المصفاة المكرر محليا وصار لها حق استيراد المشتقات النفطية مباشرة. في ذات العام انخفض حجم التكرير المحلي بنسبة 15% ليصل الى مليونين و236 الف طن خام مكرر في 2018 عن مستوى 2017 وكان الانخفاض بنسبة 23% عن مستوى 2016. وهذا بسبب تأثير نصف سنة فقط مما يجعلنا نعتقد ان الانخفاض في 2019 كان سيكون بأكثر من الثلث عن مستوى 2017. فيما زاد استيراد شركة المصفاة ذاتها من المشتقات النفطية بنسبة 3% ليصل الى مليون و368 الف طن مشتقات مكررة جاهزة. وارتفعت كلفة المصاريف الصناعية للمصفاة لتتجاوز 68 مليون دينار في 2018 مقابل اقل من 65 مليون في 2017. وعليه ارتفعت كلفة تكرير الطن الخام في المصفاة الى 29 دينار بارتفاع 24% عن كلفة 2017 و 43% عن الكلفة في 2015. 

ولتأكيد تحليل الأرقام أعلاه هناك اعتراف جلي وواضح من الشركة نفسها بعدم تنافسية منتجها المكرر محليا من ناحية الكلفة. فالشركة قامت بالاستحواذ على محطات شركة جولف في الأردن لغاية "تصريــف وتســويق منتجــات مصفــاة البتــرول مما يمنع تكدس منتجاتها" بحسب التقرير السنوي للشركة عن عام 2018. أي ان سبب رئيسي لشراء المحطات هو تامين بيع 300 مليون لتر من المشتقات سنويا من انتاج المصفاة. فلو ان الكلفة ارخص من الاستيراد لماذا ستختار شركات التسويق الاستيراد بدلا من شراء كامل انتاج المصفاة المحلي وفقط استيراد ما يزيد عن قدرة لمصفاة المحلية؟ كذلك فان الشركة افصحت في التقرير السنوي ان التكرير سيقل في 2018 وما بعده لضمان الكلفة المثالية! 

وههنا لربما يجب التمحيص اكثر في أسعار البيع المحددة من قبل الحكومة والتي قد تكون محددة بأسلوب يسمح للمصفاة بالاستمرار بالتكرير المحلي على الرغم من كلفة التكرير العالية. أي ان السعر المحدد قد يكون فيه هامش ربح عالي جدا _ بدون داع حقيقي_ مما يزيد من أرباح من يختار الاستيراد وهو الاختيار المنطقي.

تلخيصا الشركة التي طالما أصرت ان التكرير محليا _قبل تحديث المصفاة بمشروع التوسعة الرابع المنتظر_ اقتصادي ومنافس وكلفته اقل من استيراد مشتقات جاهزة تعترف أخيرا انه بانتهاء إلزام شركات التسويق بشراء كل انتاج المصفاة فان الشركات غير المملوكة لها ستختار الاستيراد المباشر بدلا من الشراء مباشرة منها (في حالة توفر القدرة التخزينية للمشتقات المستوردة). مما يعني ان كلفة الاستيراد المباشر بدون أي شك ارخص من التكرير المحلي حاليا. ناهيك ان الاستيراد المباشر اقل تلويثا من تكرير النفط الخام محليا ضمن الوضع الحالي للمصفاة. 

للتذكير فان التكرير محليا في الأردن بتقنية قديمة غير كفؤة كان مناسبا من ناحية اقتصادية بحتة طالما كان تزويد الأردن من الخام الرخيص العراقي الذي كان يأتي قبل 2003 بسعر اقل كثيرا من السعر العالمي. منذ 16 سنة فان الإصرار على التكرير المحلي كبد الاقتصاد الوطني زيادة في كلفة الطاقة السنوية كان من الأمثل ان لا يتحملها لو كانت استراتيجية الطاقة موضوعية تركز أساسا على الكلفة الأمثل للاقتصاد الوطني. مرت 16 سنة من عدم الكفاءة تتحمل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة التي استمرت بالرقص حول موضوع احتكار المشتقات النفطية! 


الاهم ان هذه الكلفة الاضافية على الاقتصاد تؤكد الحاجة الى تفعيل وادخال المنافسة الحقيقية في سوق المشتقات النفطية استيرادا او تكريرا لتكون ديناميكة المنافسة وغياب اي احتكار هي الاساس. بحيث تستطيع الحكومة ان تحصلها كايراد ضريبي اضافي يسد حوالي خمس العجز السنوي من دون رفع الاسعار على المستهلكين.  

ما المطلوب؟
بالنسبة للمصفاة نفسها فان التركيز على تقليل او حتى انهاء التكرير المحلي لغاية الانتهاء من مروع الحديث والتوسعة قد يكون مفيدا لربحها بالإضافة الى فائدته البيئية للأردن. فالتكرير المحلي بحسب الإفصاح 26 في الميزانية يكلف حوالي 19 مليون دينار سنويا من مواد أولية ومصروفات صناعية بدون حساب مصاريف رواتب الموظفين. ماذا لو تم استثمار هذا المبلغ في منشئات تخزين المشتقات والتحول نحو المتاجرة المشتقات كباقي شركات التوزيع وتوقيف التكرير لغاية الانتهاء من مشروع التوسعة. كم سيزيد من ربحية المصفاة نفسها؟  هذا سؤال للمساهمين لربما يجب ان يبحث بشكل واف.


بالنسبة للحكومة نذكرها مرة أخرى بالالتزام الحكومي امام النواب عام 2014.
واقتبس هنا بالحرف مما اعلنته الحكومة سابقا ضمن مناقشة قطاع الطاقة مع البرلمانيين في وثيقة “خلاصة السياسات الإصلاحية المقترَحة في قطاع الطاقة وتوصياتها الإجرائية” المنشورة في شباط 2014 والتي شاركت بمناقشاتها:
إن ضمان الكلفة المثلى في جميع القطاعات الاقتصادية، لا يكون إلاّ بمنافسة حقيقية، مع رقابة حكومية صارمة تمنع التركُّز والاحتكار. وهذا ينطبق على القطاع النفطي الخاضع للمنافسة الحقّة في معظم دول العالم المتقدم.

إن الخطوات الحكومية الحالية للوصول إلى قطاع نفطي تنافسي بلا احتكار هي الأنسب لحصول الاقتصاد الأردني على أفضل كلفة من دون تشوهات الدعم والاحتكار.

لقد تركزت السياسات والتوصيات الخاصة بإصلاح قطاع النفط والمشتقات النفطية على المحاور التالية: الإسراع في إصدار القوانين والتعليمات اللازمة لإصلاح القطاع النفطي، ونشاط التكرير في مصفاة البترول الأردنية، وأسعار المشتقات النفطية، وتخزين المشتقات النفطية ومناولتها.”

و كذلك:
·        الالتزام بتحرير سوق المشتقات النفطية، وعدم تمديد الفترة الانتقالية الممنوحة للمصفاة التي تمتد لست سنوات اعتباراً من شهر أيار 2013.
·         قيام الحكومة بعد الفترة الانتقالية المشار إليها في التوصية (1) أعلاه، بتحديد السقف الأعلى لسعر المشتقات النفطية كل شهر، لتتنافس شركات التسويق في ما بينها على الخدمة و/ أو على السعر.
·        توحيد الضرائب على المشتقات النفطية وتبسيطها، لتصبح مقطوعة على اللتر الواحد تضاف إلى أسعار المشتقات النفطية مما يسهّل عملية تحصيلها

وليكن السعر الأعلى محددا شهريا بحسب سعر المشتقات السوقي عبر النشرات العالمية المعتمدة بدون تحديد حدا ادنى للسعر. بحيث تكون المنافسة حقيقة وتخطط شركات التسويق لاستخدام العقود المستقبلية لتخفيض الكلف وزيادة الربح. مع ضرورة ان تلتزم شركات التسويق بالبيع بنفس السعر لكافة المحطات سواء المملوكة لها او المستقلة. ومع السماح لمحطات المحروقات بالاستيراد المباشر ان أرادوا.

موضوعيا قد يكون هناك معوقات امام التحول الفوري الى فتح باب المنافسة الكاملة والسماح بامكانية الاستيراد الكامل للمشتقات بانتظار توسيع وتحديث المصفاة ومنها محدودية سعات ميناء العقبة الحالية لمناولة مزيدا من استيراد المشتقات.

هذه المعوقات ليست حجة ضد التحرير والمنافسة بل عقبات امام وجود سوق تنافسي ينبغي تذليلها. ووجود ثبات في استراتيجية التحرير وثقة باستمرارها وعدم الرجوع عنها لربما يكون العامل الاساس في تشجيع الاستثمارات من قبل المتنافسين من القطاع الخاص في سعات التخزين وطرق الاستيراد لتجاوز هذه المعوقات.

الاساس ان ننتبه الى امن الطاقة وكذلك الى الكلفة الامثل. وهذا يكون بادخال المنافسة الحقة الى قطاع المشتقات النفطية. ولا زلنا بانتظار خضوع سوق المشتقات النفطية للتنافس الكامل في الاردن  منذ 2003.

تذكيرا لو اكتفت الحكومة بالقيام بدور المنظم الضامن لوجود المنافسة الفاعلة الحقيقية بين مزودي ومستوردي المشتقات النفطية لحصل الاتي:

-        ستحدد الحكومة السقف الاعلى لسعر المشتقات النفطية كل شهر وتتنافس المحطات فيما بينها على الخدمة و\او على السعر. اي ان السعر سيختلف من محطة لمحطة ومن موقع لموقع. مع تحديد الحكومة للمواصفات القياسية لكل مشتق بالاضافة الى الحد الاعلى لسعره.

-        سيجذب الاردن استثمارات جديدة في مرافق تخزين ومناولة المشتقات النفطية من قبل الشركات المتنافسة.

-        قد يدفع المستهلكون في العقبة ومعان والكرك والطفيلة اسعار للبنزين والديزل والكاز اقل من التي سيدفعها اهل عمان والزرقاء.

-        ستقل الفاتورة النفطية الكلية للاقتصاد الاردني بسبب المنافسة مع ثبات تحصيل الحكومة الضريبي من المشتقات النفطية.

-        ستزيد جودة المشتقات النفطية المتوفرة بالسوق.