Friday, September 21, 2018

في ظل العبء الضريبي الحقيقي في الأردن: زيادة أي نسبة ضريبية وخفض أي اعفاء سياسة خاطئة

في ظل العبء الضريبي الحقيقي في الأردن: زيادة أي نسبة ضريبية وخفض أي اعفاء  سياسة خاطئة
20 ايلول 2018

يحسب لحكومة الدكتور عمر الرزاز انها اول حكومة اردنية "تعترف" بالعبء الضريبي الحقيقي في الأردن كنسبة من الاقتصاد. فقد افصحت بدراسة نشرت على صفحة رئاسة الوزراء ان نسبة العبء الضريبي إلى الناتج المحلي الإجمالي في المملكة بلغت زهاء (26.5%) خلال عام 2017. وكانت الحكومات السابقة تمارس خداعا شديدا للذات بالإصرار على ان العبء الضريبي في الاردن لا يتجاوز 15% من الاقتصاد. وكانت تستند دوما لهذه النسبة المغلوطة لتبرير سياسات رفع الضرائب.
ويشمل العبء الضريبي بحسب "الاعتراف" الحكومي الجديد مجموع الإيرادات الضريبيّة المباشرة المتمثلة بالضرائب على الدخل وضريبة بيع العقار، إضافة إلى الإيرادات الضريبية غير المباشرة المتمثلة بضريبة المبيعات والرسوم الجمركية وعوائد الاتصالات، وعوائد بيع المحروقات، إلى جانب الإيرادات التأمينيّة للضمان الاجتماعي من الناتج المحلي الإجمالي.
بداية فان منهجية الدراسة الحكومية الحديثة أقرب الى الحقيقة لكنها تغفل بعض الضرائب التي يجب ان تحسب أيضا بحسب المعايير العالمية. فبحسب المعيار العالمي للبنك الدولي ولمنظمة OECD _وهي منظمة للدول الصناعية_ فان العبء الضريبي يشمل كذلك ضرائب العقار السنوية (المسقفات في الأردن) وكذلك رخص المهن وضريبة اقتناء السيارات السنوية (والتي نسميها بالأردن رسما مع انها في الحقيقة ضريبة). تقديرا فان مجموع ضرائب المسقفات في الأردن يصل الى اكثر من 150 مليون دينار (97 مليون في عمان لوحدها). وربما تصل اجمالي تحصيلات رخص المهن وضريبة اقتناء السيارات السنوية الى اكثر من 150 مليون أيضا بمجموع 300 مليون غفلت الدراسة الحكومية عن حسابها ضمن العبء الضريبي. وهو ما يعادل حوالي 1% من حجم الاقتصاد.

اذن العبء الضريبي الحقيقي في الأردن يصل الى 27.5% من حجم الاقتصاد. للمقارنة فان المعدل لكل الدول في منظمة
OECD  كان 34%. اعلاها في الدنمارك بنسبة 46% فيما ادناها في المكسيك بنسبة 17%. فيما كانت نسبة العبء في ايرلندا 23%واميركا 26% وسويسرا 27%.

ان حجم الاقتصاد ومدى غنى الدولة عاملان مهمان في تقدير العبء "المثالي" للضريبة من الاقتصاد الرسمي. الاردن بنسبة تقارب 28% يجب ان يقارن مع المكسيك الاغنى من الاردن لا مع السويد والدنمارك واميركا وسويسرا الاغنى كثيرا جدا من الأردن. ونلاحظ هنا ان العبء الضريبي في الأردن اعلى من العبء الضريبي في اميركا وسويسرا وايرلندا وغيرهم.
كذلك فان الضرائب تؤثر في هيكلية الأسعار وفي خيارات المستهلكين. وعليه فان العبء الضريبي الأردني _الى جانب الاحتكارات في بعض المفاصل الاقتصادية المهمة مثل الطاقة_ هو سبب رئيس في ارتفاع الأسعار في الأردن. مما جعل عمان اغلى عاصمة عربية بالأسعار المطلقة ناهيك عن مدى غلاء الأسعار في الأردن نسبة لمتوسط مستوى الدخل.
وعلى الرغم من عبء ضريبي يتجاوز العبء الضريبي في دول غنية صناعية كبرى فان جل التحصيل الضريبي الأردني لا يكاد يكفي لدفع النفقات الجارية للحكومة من رواتب وتقاعد وخدمة دين. فالحكومة تحصل ضرائب بنسبة 27.5% من الاقتصاد وتحتاج بذات الوقت لمساعدات خارجية سنوية وديون جديدة لتمويل نفقاتها الجارية.
موضوعيا لا بديل عن الحل الجذري الواضح الوحيد. يجب كسر هذه الدائرة المفرغة من عبء ضريبي عال جدا لا يكفي حتى لتغطية النفقات الجارية بتقليل وترشيد حقيقي وجذري في النفقات والهدر الحكوميين. يشمل هذا تمحيص فاتورتي التقاعد والرواتب وكافة النفقات الجارية وتحليلها لبيان المستفيدين الحقيقين من هذه النفقات المنفلتة. كم مثلا حصة اعلى 5% من المستفيدين من النفقات الجارية كلها من اجمالي النفقات الحكومية؟ هل حصة اعلى 5% من الأشخاص 20 او 30 او 40% من مجمل الانفاق الحكومي؟ ام اكثر؟ بدون دراسة شفافة وتحليل جذري واضح لا يمكن الوثوق بالتصريحات الحكومية ان فاتورة الانفاق الجاري غير قابلة للتخفيض. فهذه التصريحات تأتي من ذات البيروقراطية التي استمرت بخداع الذات عن العبء الضريبي لعقدين من الزمان. وللتأكيد هذه ليست دعوة لتقليل رواتب موظفي القطاع العام بل هي دعوة للتمحيص في النفقات ومعالجة التشوهات التي قد تكون في صالح اقل من 5% من "علية القوم" حيث تختفي كلفة منافعهم وامتيازاتهم في المجاميع الكبيرة للإنفاق الجاري.

تتحدث الحكومة عن العمل على جعل العبء الضريبي اكثر عدالة ومكافحة التهرب الضريبي ولكنها قدمت مشروع قانون يزيد النسب الضريبية على القطاعات الفاعلة في الاقتصاد النظامي الرسمي. فقد زادت نسب الضريبة على الموظفين وقللت من الإعفاءات للعائلات الأردنية واقترحت زيادة الضريبة على شركات الاتصالات والبنوك وغيرها. المشكلة في هذا النهج ان زيادة التحصيل الضريبي من القطاعات غير المتهربة يزيد من نسبة العبء الضريبي من الاقتصاد ويثبط حتما من النمو الاقتصادي. في ذات الوقت فان معالجة فاعلة للتهرب الضريبي _من ضريبتي المبيعات والدخل_ لا يزيد من العبء الضريبي لان التحصيل الضريبي الجديد يأتي مع زيادة في حجم الاقتصاد النظامي الرسمي على حساب الاقتصاد غير الرسمي.
الدولة في حالة افلاس على الرغم من عبء ضريبي عال يثبط الاقتصاد ويجعل الأردن اغلى دولة في الاقليم. قد ان أوان الحلول الجذرية الناجعة وهي تشمل التالي:
-        تخفيض حقيقي وجذري للنفقات الجارية يشمل الغاء لجان ومؤسسات مكررة لا داع حقيقي لها تصرف ميزانيتها حصرا على الرواتب والسفرات والمياومات والطلب منها ان تتحول لجمعيات غير ربحية تبحث عن تمويلها من القطاع الاهلي.

-        الغاء الخصوصية الجمركية لمنطقة العقبة الخاصة والتي أضحت ملعبا للتهريب الناعم. هل يعقل مثلا ان الخمسين الف مواطن في العقبة يأكلون كاجو وفستق حلبي بكميات اكبر من التسعة مليون في باقي مدن الأردن؟ وقس على ذلك باقي السلع.

-        تخفيض حقيقي وملموس قي عبء الضمان الاجتماعي (حاليا 21.75% من الراتب للمنتسب) لتحفيز التشغيل في الاقتصاد الرسمي.        وهذا يتوافق مع نصيحة لصندوق النقد كون نسبة الاقتطاع العالية تثبط حقا من التوظيف في الاقتصاد الرسمي. ويمكن تخفيضها بأسلوب لا يؤثر على متانة الضمان الحالي ولهذا الموضوع تحليل مفصل سبق نشره.

-        استخدام أسلوب رديات ضريبة المبيعات مقابل فواتير رسمية للتقليل من أثر ضريبة المبيعات السلبي على الطبقة الفقيرة والمتوسطة وبذات الوقت تقليل التهرب من توريدها. وعدم المس بتاتا بإعفاءات ضريبة الدخل الحالية للعائلات الأردنية.

لا بديل عن تخفيض نفقات الحكومة الجارية. لا بديل. الحكومة مفلسة. فلتعترف بالواقع ولتتصرف بواقعية. ولكل من يقول ان صندوق النقد سيعترض نقول: اروهم تخفيض نفقات تساوي 300 مليون دينار ولن يعترضوا وقتها على عدم زيادة نسب الضريبة لتحصيل 80 مليون زيادة من الموظفين الأردنيين.